أبرز الوجوه المغربية التي تتبناها منصة “تكوين”

هوية بريس – د.علي قمري
يعد الدكتور سعيد بنسعيد العلوي وتلميذه نبيل فازيو من أبرز الوجوه المغربية التي تتبناها منصة (تكوين)، خاصة في نقد المفاهيم السياسية التراثية، وهذه المنصة مشروع يمثل -في الفضاء العربي المعاصر- امتدادا للمدرسة العقلانية النقدية التي تسعى لإعادة قراءة التراث الإسلامي بمنظور “تفكيكي” أو “حداثي”.
وبالاختصار فهذه المدرسة المغربية تقوم على مجموعة من الأسس الفكرية في نقدها للتراث السياسي نجملها في يأتي:
أولا: المرجعية الفكرية القائمة على الاستشراق برداء مغربي
يعتمد العلوي وفازيو بشكل جوهري على مدرسة “النقد الفلسفي” التي أسسها محمد عابد الجابري، لكن مع نزعة تميل أكثر نحو توظيف المناهج الاستشراقية في قراءة التاريخ السياسي الإسلامي، فالسياسة الشرعية عندهم ليست وحيا أو دينا، بل هي “أيديولوجيا سلطانية” كُتبت لتبرير الاستبداد، عن طريق تقنيات الاستمداد التي يزعمها المستشرقون ومن لف لفهم في هذا الميدان، والدارس لفكر المستشرقين يجد أن الشخصين يتبنيان رؤية المستشرقين (مثل “جوزيف شاخت” و”برنارد لويس”) في القول بأن الإسلام لا يمتلك “نظرية سياسية” ناجزة، وأن ما يُسمى بالدولة الإسلامية هو اختراع متأخر لفقهاء أرادوا شرعنة الواقع المرير.
ثانيا: الشغب الفكري في السياسة الشرعية
يرتكز الشغب الفكري لهذين العلمين على عدة نقاط تشكيكية تهدف إلى نزع القداسة عن التنظير السياسي الإسلامي:
1- دعوى تاريخية الأحكام:
يرى نبيل فازيو أن السياسة الشرعية هي مجرد تفكير في التاريخ وليست تفككا في النص، أي إن الفقيه كان يكتب تحت ضغط الخوف من الفتنة، ومن ثَم فإن أحكام الإمامة والبيعة وأهل الحل والعقد هي أدوات ظرفية انتهت صلاحيتها، وليست أصولا صالحة لكل زمان.
2- الشبهة الاستشراقية حول الدولة:
يروج العلوي لفكرة أن مفهوم “الدولة الإسلامية” هو مفهوم حديث تم إسقاطه على الماضي. ويدعي أن العقل الفقهي القديم لم يعرف مفهوم “الدولة” بمعناه السيادي، بل عرف مفهوم “الأمة” أو “الجماعة”، مما يعني -حسب زعمهم- أن الدعوة لإقامة دولة إسلامية اليوم هي “وهم أيديولوجي” لا أصل له في التاريخ الفعلي.
3- تحويل الفقه السياسي إلى “أدب سلطاني”:
يعمد هذا التيار إلى الخلط بين السياسة الشرعية (المستمدة من الأدلة الشرعية والأأصول الكلية) وبين الآداب السلطانية (المتأثرة بالفرس واليونان)، والتي تعرف بمرايا الأمراء.
والهدف من هذا الخلط هو إيهام المتلقي بأن كل ما كُتب في السياسة قديما هو محض “نصائح للملوك” لضبط الرعية، وليس تشريعا ربانيا يبتغي العدل والمصلحة.
إن الخلل في هذه الأطروحات يكمن بالأساس في التبعية المطلقة للاستشراق والمناهج الغربية في تعاطيها وتفاعلها مع الدين والتراث، بحيث نجد تطبيق أدوات الهرمينيوطيقيا الغربية على النص الإسلامي، دون مراعاة ضوابط الاجتهاد وخصوصيات الاستدلال في الحقل الشرعي.
هذا إلى جانب الانتقائية التاريخية التي تركز على فترات التاريخ الإسلامي، لتعميمها على السياسة الشرعية، وتتغافل عن الممارسة الراشدة الرشيدة للسياسة الشرعية، وهذا منهج غربي خطير بدأ مع الحملة الفكرية للفرنسيين والانجليز في مصر، ثم عمم على الدول الإسلامية عبر قنوات التضليل والمجلات والجرائد العلمانية.
وهؤلاء يجهلون ما كتبه المسلمون في الشأن السياسي من النظريات والتأصيلات والتقعيدات في أبواب كثيرة، لم تبلغ الدراسات الغربية أو الفكرية الأخرى ربع معشارها في الكتابات السياسة.
إن ما تروج له هذه المؤسسة الباطنية الجديدة عبر سعيد بنسعيد العلوي ونبيل فازيو وغيرهم ليس تجديدا للمباني الفقهية، بل هو تفكيك للمرجعية السياسية الإسلامية. فهم لا ينتقدون أخطاء الممارسة، وليس هذا هدفهم أصلا، بل يشككون في أصل المشروعية، مستخدمين في ذلك أدوات المستشرقين والفلاسفة الغربيين، الذين سعوا دائما لإثبات أن الإسلام دين بلا دولة، وذلك لتمهيد الطريق لفرض العلمانية الشاملة بديلا وحيدا “للعقلانية” المعاصرة.



