أردوغان يطلق “عقد الأسرة والسكان” لمواجهة الشيخوخة الديموغرافية في تركيا حتى 2035

05 مايو 2026 13:54

هوية بريس-متابعات

أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان إطلاق برنامج وطني واسع تحت عنوان “عقد الأسرة والسكان 2026–2035”، في خطوة تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في أولويات الدولة التركية، من التركيز على النمو الاقتصادي والتوسع الجيوسياسي إلى مواجهة تحديات داخلية عميقة ترتبط بالبنية الديموغرافية للمجتمع. ويأتي هذا الإعلان في سياق مؤشرات مقلقة سجلتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، أبرزها تراجع معدل الخصوبة إلى 1.48 طفل لكل أسرة، وهو أدنى مستوى في تاريخ الجمهورية، إلى جانب ارتفاع متوسط العمر إلى 34.9 سنة، ما ينذر ببدء مرحلة الشيخوخة المجتمعية على غرار ما تعيشه عدة دول أوروبية.
هذا البرنامج، الذي يمتد على مدى عقد كامل، لا يُقدَّم كخطة اجتماعية تقليدية، بل كاستجابة شاملة لما تصفه السلطات بـ”حالة طوارئ ديموغرافية”، تهدد توازن المجتمع التركي واستدامة نموه. وقد شدد أردوغان في أكثر من مناسبة على أن “قوة الدولة من قوة الأسرة”، في إشارة واضحة إلى أن الحفاظ على النسيج الأسري لم يعد خيارًا ثقافيًا أو أخلاقيًا فقط، بل بات مسألة مرتبطة بالأمن القومي والاستقرار المستقبلي.
ويرتكز البرنامج على حزمة من التدابير الاقتصادية والاجتماعية، في مقدمتها تسهيل الزواج عبر تقديم قروض بدون فوائد تصل إلى 250 ألف ليرة تركية، مع فترة سماح تمتد لسنتين، قبل الشروع في السداد على مدى أربع سنوات. وتستهدف هذه المبادرة بالأساس الشباب الذين يواجهون صعوبات مالية تحول دون الإقدام على الزواج، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص الشغل في بعض القطاعات.
وفي سياق موازٍ، تولي الخطة أهمية خاصة لدعم الإنجاب، من خلال تقديم مساعدات مالية مباشرة لكل طفل، إلى جانب حوافز تصاعدية للأسر التي تنجب أكثر من طفل، في محاولة لرفع معدل الخصوبة تدريجيًا. كما تشمل الإجراءات منح أولوية للأسر الكبيرة في الاستفادة من برامج السكن المدعوم، بما يسهم في تخفيف العبء الاقتصادي المرتبط بتربية الأطفال وتوفير بيئة مستقرة لهم.
ولا يغفل البرنامج البعد الاقتصادي الأوسع، إذ يربط بشكل مباشر بين البطالة وتأخر سن الزواج، ما دفع الحكومة إلى إدراج سياسات لتحفيز سوق الشغل وخلق فرص جديدة، خاصة لفئة الشباب. ويُنظر إلى هذه الخطوة كجزء من معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بدل الاكتفاء بنتائجها الظاهرة.
على المستوى المجتمعي، يتضمن “عقد الأسرة والسكان” برامج تأهيلية للمقبلين على الزواج، إلى جانب حملات إعلامية تهدف إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الأسرة باعتبارها مشروع حياة طويل الأمد، في مواجهة ما تعتبره السلطات تحولات ثقافية متسارعة نحو الفردانية والعلاقات غير المستقرة.
ومن أبرز محاور البرنامج أيضًا، التوجه نحو تنظيم استخدام المنصات الرقمية لدى الأطفال، حيث يجري العمل على وضع قيود قد تصل إلى منع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عامًا. وتستند هذه الخطوة إلى قناعة متزايدة لدى صناع القرار بأن التأثيرات الرقمية لم تعد مسألة ترفيهية، بل عاملًا حاسمًا في تشكيل القيم والسلوكيات، بما في ذلك المواقف من الزواج وتكوين الأسرة.
كما يشمل البرنامج بعدًا جغرافيًا واضحًا، يتمثل في دعم الاستقرار في المناطق القروية والحد من النزوح نحو المدن الكبرى، التي تُظهر الدراسات أنها تسجل معدلات إنجاب أقل، نتيجة ارتفاع تكاليف الحياة وتغير أنماط العيش. وتسعى الحكومة من خلال هذا التوجه إلى إعادة التوازن الديموغرافي بين الحواضر والقرى.
وفي مواجهة التقدم في سن السكان، تتضمن الخطة أيضًا تطوير خدمات الرعاية الموجهة لكبار السن، تحسبًا لارتفاع نسبتهم خلال العقود المقبلة، وضمانًا لاستدامة النظام الاجتماعي والصحي في البلاد.
في المجمل، يعكس هذا البرنامج تحوّلًا عميقًا في رؤية الدولة التركية لتحدياتها المستقبلية، حيث لم تعد المسألة مقتصرة على مؤشرات اقتصادية أو عسكرية، بل امتدت إلى بنية المجتمع نفسه. وبينما تراهن أنقرة على هذه الإجراءات لوقف التراجع الديموغرافي، يبقى نجاحها مرتبطًا بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في سلوكيات الأفراد وتوجهاتهم، في سياق عالمي يشهد تحولات متسارعة في أنماط الحياة والقيم الاجتماعية.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
24°
24°
السبت
25°
أحد
26°
الإثنين
26°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة