إنكار السنة إنكار للقرآن.. صدق ربّ العالمين وكذب عادل عصمت

14 مارس 2026 01:37

هوية بريس – د.هيثم طلعت

في الأيام القليلة الماضية خرج أحد أصحاب الطرح الباطني في مصر مدّعيًا أن الإمام الشافعي هو أول من طرح فكرة “الوحيين”، كما زعم أن ما يسميهم بالتراثيين يعطلون آيات القرآن عن العمل، وغير ذلك من الادعاءات التي يكررها أصحاب هذا الاتجاه.

والحقيقة أن فكرة الوحيين لم يبتدعها الشافعي، بل دلّ عليها كتاب الله نفسه.

اقرأ في أوائل سورة البقرة بعد الفاتحة قول الله تعالى:
{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} (البقرة: 142).

وهنا يبرز سؤال مهم:
هل كان النبي ﷺ والصحابة يتوجهون إلى القبلة الأولى اعتمادًا على القرآن أم على السنة؟

المعروف أنه لا توجد آية في القرآن تأمر بالصلاة نحو بيت المقدس، مما يعني أن التوجه الأول كان بالسنة النبوية لا بالقرآن. وهذا يدل على أن سنة النبي ﷺ وحي من الله، وأن له حق التشريع بوحي من ربه.

ثم تأتي الآية التالية لتؤكد هذا المعنى بوضوح:
{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} (البقرة: 143).
فالله تعالى ربط المسألة باتباع الرسول، وجعل من يرفض ذلك كمن ينقلب على عقبيه.

لاحظ أيضًا أن الآية قالت: {مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} ولم تقل “من يتبع النبي”. وهذا يرد على أحد أصول الطرح الشحروري الذي يحاول التفريق بين “النبي” و”الرسول” ليزعم أن السنة مرتبطة بالنبي فقط دون الرسول، في محاولة لإبطال حجية السنة. بينما النص القرآني يثبت الارتباط باتباع الرسول.

ومن الأدلة كذلك قول الله تعالى:
{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} (الحشر: 5).

وقد نزلت هذه الآية في غزوة بني النضير، حيث أمر النبي ﷺ بقطع بعض النخيل، فبيّن القرآن أن ذلك كان بإذن الله. وهذا يدل على أن أوامر النبي ليست اجتهادًا بشريًا محضًا، بل هي بوحي وإذن من الله.

ومن الآيات الواضحة في هذا الباب أيضًا قوله تعالى:
{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا … قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} (التحريم: 3).
فالنبي ﷺ أخبره الله بأمر لم يكن في القرآن، وهذا دليل آخر على وجود وحي غير متلو إلى جانب القرآن.
بل إن كثيرًا من مجملات القرآن لا يمكن فهمها أو تطبيقها إلا من خلال السنة.

فكيف نعرف كيفية الصلاة؟
وكيف نحدد مقادير الزكاة؟
وكيف نؤدي مناسك الحج؟

بل حتى كثير من الآيات المتعلقة بأحداث معينة مثل حادثة الإفك أو الظهار أو بعض الغزوات، لا يُفهم سياقها كاملًا إلا من خلال السنة.

لذلك يمكن القول إن القرآن يضع الأصول العامة، والسنة تأتي بالبيان والتفصيل. ولهذا قال الله تعالى:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44).

وهنا يبرز سؤال بسيط:
كيف يمكن لمن ينكر السنة أن يوضح لنا كيفية صلاة المغرب؟
فليقم ويصلِّها أمام الناس:
كم ركعة؟
ماذا يُقال فيها؟
وكيف تؤدى؟
هل وردت هذه التفاصيل في القرآن؟

عندها سيظهر الأمر بوضوح:
إما أن يعترف بالسنة ويصلي كما يصلي المسلمون، وإما أن ينكرها فيسقط منه أصل التطبيق العملي لأركان الدين.
الخلاصة أن القول بوجود وحيين (القرآن والسنة) ليس اختراعًا للشافعي، بل هو أمر دلّ عليه القرآن نفسه، وعليه إجماع المسلمين منذ عهد النبي ﷺ.

أما الادعاء بأن التراثيين يجمّدون آيات القرآن، فهو ادعاء عجيب. فالمسلمون لم يوقفوا العمل بأي آية من كتاب الله، بل يعملون بها بحسب دلالتها وسياقها.

والأعجب أن صاحب هذا الطرح نفسه يعتمد تقسيمًا مأخوذًا من محمد شحرور، حيث قُسِّم القرآن إلى “قرآن” و”كتاب”، وجُعلت آيات الأحكام مجرد نصوص تاريخية انتهى زمنها.

وبحسب هذا الطرح لم يبق من الأحكام إلا عدد محدود جدًا من المحرمات، بينما أُخرجت بقية آيات التشريع من مجال التطبيق العملي.

فالسؤال هنا واضح:
من الذي جمّد آيات القرآن فعلًا؟

ثم إن إنكار السنة يؤدي بالضرورة إلى تعطيل العمل بكثير من آيات القرآن التي لا يمكن تطبيقها إلا من خلال بيان السنة.
وأخيرًا، من الطرائف التي وقع فيها هذا الطرح أنه نقل دعوى قديمة تزعم أن أبا جعفر المنصور اتفق مع الإمام الشافعي على تغيير الدين. والحقيقة التاريخية أن المنصور توفي وكان الشافعي لا يزال طفلًا في الثامنة من عمره، مما يجعل القصة نفسها غير معقولة أصلًا.

رحم الله الإمام الشافعي، وحفظ الله دينه من كل من يحاول تحريفه أو العبث به.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
17°
23°
أحد
24°
الإثنين
23°
الثلاثاء
24°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة