الأسرة المغربية إلى أين؟

الأسرة المغربية إلى أين؟
هوية بريس – نبيل غزال
تشهد الأسرة المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة تكشف عن اختلالات عميقة في بنيتها القيمية ووظائفها الاجتماعية، وهذا ما أكدته أرقام ومعطيات المندوبية السامية للتخطيط من خلال البحث الوطني حول العائلة.
الأرقام كشفت أن 51.7% من الشباب باتوا لا يرغبون في الزواج، فيما تتصدر الخلافات المنزلية أسباب الطلاق بنسبة 30.9%، تليها الصعوبات الاقتصادية (12%)، ثم النزاعات مع عائلة الزوج (11.6%)، والعنف الزوجي (8.8%). هذه المؤشرات تعكس واقعا اجتماعيا مضطربا ينذر بتصدع الخلية الأساسية للمجتمع.
وخارج لغة الأرقام؛ فلم يعد خافيا على أحد اليوم حجم التوتر داخل البيوت، حيث تتصاعد الخلافات الزوجية إلى العلن، مصحوبة أحيانا بالعنف اللفظي والجسدي. كما أن مظاهر التفكك لا تقف عند حدود العلاقة بين الزوجين أو مع الأبناء، بل تمتد إلى أفراد العائلة الكبيرة والجيران، حيث تراجعت قيم صلة الرحم والتزاور والتضامن والاحترام، وأصبح التكافل ومدّ يد العون لمن يعاني الفقر والهشاشة في العائلة أمرا ثانويا، وإلقاء التحية والسلام أمرا متعذرا، طبعا لا نعمم، لكن لا أحد ينكر بأن دائرة هذه الاختلال في اتساع دائم ومستمر.
الأخطر من ذلك هو التحول العميق الذي أصاب بنية العلاقات داخل الأسرة، حيث تراجعت مكانة الوالدين بشكل ملحوظ، وتصدّعت جسور التواصل بين الأجيال، وتآكل الإحساس بالمسؤولية لدى بعض الأبناء. وفي ظل الرفاهية وسهولة الخدمات الجاهزة، وهيمنة وتحكم العالم الرقمي، تحوّل الهاتف الذكي إلى ما يشبه (جنيّ المصباح) الذي يقدم الخدمات ويفتح نوافذ بلا حدود على الخارج، لكنه في المقابل يخلِد الإنسان إلى الأرض ويغلق أبواب الدفء والتفاعل داخل البيت. وأمام هذا الواقع، لم يعد مستغربا أن ترى آباء مسنين أو مرضى يتحمّلون أعباء يومية شاقة، كحمل المشتريات إلى الطوابق العليا أو إخراج الأزبال أو نقل قنينة الغاز، بينما يُمدّد الأبناء، ذكورا وإناثا، أقدامهم على الأسِرّة، وعيونهم جاحظة ومعلّقة بشاشات هواتف موصولة بالشاحن.
هذا التراجع الخطير على مستوى القيم لدى المغاربة، لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتداخل فيه ما هو اقتصادي بما هو ثقافي وإعلامي وفني.. فارتفاع تكاليف المعيشة يضغط على استقرار الأسر ووضعها الاجتماعي، في حين يسهم الإعلام في الترويج لقيم ومفاهيم ونماذج سلوكية شاذة وغريبة عن المجتمع المغربي، دون تقديم بدائل تربوية رصينة. كما أن المنظومة التعليمية، التي يفترض أن تكون حاضنة للقيم، تعاني هي الأخرى من الارتجالية وضعف كبير في ترسيخ البعد الأخلاقي والتربوي.
إن استمرار هذا المسار ينذر بمخاطر حقيقية، أبرزها تفكك الروابط الأسرية، وتراجع مؤسسة الزواج، وانتشار العنف بمختلف أشكاله. لذلك، فالحاجة ملحة إلى سياسة عمومية متكاملة تعيد الاعتبار للأسرة، عبر إصلاح التعليم، وتوجيه الإعلام نحو ترسيخ القيم، ودعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
فالأسرة ليست النواة الأولى للمجتمع فحسب، بل هي الحصن الأول للقيم، وإذا اهتز هذا الحصن، اهتز معه المجتمع بأكمله.



