الأمازيغ والعربية: ذكاء حضاري لا تعريبا قسريا

06 مارس 2026 18:01

الأمازيغ والعربية: ذكاء حضاري لا تعريبا قسريا

هوية بريس – عبد الإله الرضواني

تنتشر اليوم في المغرب، خصوصًا وعلى نحو شبه حصري في مواقع التواصل الاجتماعي، رواية تُقدَّم في بعض النقاشات وكأنها حقيقة تاريخية نهائية، مفادها أن الأمازيغ تعرّضوا لما يُسمّى بـالتعريب القسري، وأن اللغة العربية فُرضت عليهم بالقوة، فكان ذلك سببًا في فقدانهم لغتهم وهويتهم. غير أن هذه السردية، رغم رواجها، لا تقوم على أساس علمي متين، بل على إسقاط مفاهيم الدولة القومية الحديثة على سياقات تاريخية لم تكن تعرف لا أجهزة قمع لغوي ولا سياسات تعليمية مركزية بالمعنى المعاصر.

أول ما ينبغي توضيحه هو مفهوم التعريب نفسه. فالتعريب تاريخيًا لم يكن عملية محو لغوي ولا صهرًا عرقيًا، بل انتقالًا تدريجيًا إلى لغة امتلكت وظائف حضارية حاسمة: لغة دين، وعلم، وإدارة، وتجارة، وتواصل بين أقاليم شاسعة. اللغات لا تنتشر بالقوة المجردة، بل بقدرتها على أداء وظائف يحتاجها المجتمع. وحين تؤدي اللغة هذه الوظائف، تتبناها الشعوب طوعًا لأنها نافعة، لا لأنها مفروضة.

ومن زاوية تحليلية أدق، لا يمكن فهم انتشار العربية خارج منطق القسر دون استحضار الوظائف الحضارية التي أدّتها هذه اللغة في سياقها التاريخي. فالمقارنة التاريخية تفرض تساؤلًا منهجيًا واضحًا: لو كان التعريب نتيجة سياسة قهر لغوي ممنهجة، فلماذا لم تُعمَّم العربية على جميع الشعوب التي خضعت للحكم الإسلامي قرونًا طويلة؟ فقد احتفظت تركيا بلغتها، كما حافظت إيران على الفارسية، واستمرت لغات أخرى في مناطق واسعة من آسيا، رغم اندماجها السياسي والعسكري المبكر في الدولة الإسلامية، ورغم أن هذه المناطق كانت، تاريخيًا، أقرب إلى مراكز الخلافة. ويُظهر هذا التفاوت أن العربية لم تنتشر باعتبارها لغة مفروضة بالقوة، بل باعتبارها لغة أدّت وظائف حضارية مركزية: لغة دين وعلوم شرعية، ولغة إدارة وتشريع، ولغة تداول معرفي وتجاري عابر للأقاليم. وحيثما كانت هذه الوظائف ضرورية لبناء الدولة وتنظيم المجتمع، تم تبنّي العربية بوصفها أداة فاعلة، لا باعتبارها هوية مفروضة، بينما حافظت المجتمعات الأخرى على لغاتها المحلية حين استمرت هذه اللغات قادرة على أداء الوظائف ذاتها داخل بنياتها الحضارية الخاصة.

من هذا المنظور، يصبح تبنّي الأمازيغ للعربية تعبيرًا عن ذكاء حضاري وسياسي، لا عن خضوع. فبناء دول كبرى وإمبراطوريات عابرة للأقاليم يتطلب لغة جامعة موحِّدة للإدارة، والجيش، والتشريع، والدبلوماسية. الأمازيغ أدركوا ذلك مبكرًا، ولذلك لم يكن ممكنًا قيام دول قوية انطلاقًا من المجال المغربي، تمتد من الصحراء إلى الأندلس، دون اعتماد العربية كلغة دولة. هذا الاختيار لم يكن تخليًا عن الذات، بل استثمارًا واعيًا في لغة القوة والمعرفة في زمنها.

في التاريخ المغربي، لم يكن هناك صراع بين العربية والأمازيغية، بل تكامل وظيفي طبيعي. الأمازيغية ظلّت لغة التداول اليومي المحلي، بينما أدّت العربية أدوارًا أوسع في القضاء، والعلم، والتجارة، والدين. هذا التعايش لم يُفرض بقرار سياسي، ولم يُصمَّم في مكاتب دولة مركزية، بل تشكّل تلقائيًا عبر قرون طويلة، في غياب أي جهاز قادر أصلًا على فرض لغة أو محو أخرى.

أما الادعاء بأن الدولة بعد الاستقلال تعمّدت تهميش الأمازيغية، فينهار عند أول احتكاك بالواقع التاريخي. فالدولة في المغرب خرجت من الاستعمار في وضع هش للغاية، تعاني نقصًا حادًا في الموارد المالية والبشرية، وتواجه تحديات وجودية: تعميم التعليم، بناء إدارة وطنية، توحيد القوانين، ومحاربة الأمية. لم تكن تلك دولة قوية تخطط لإقصاء لغة، بل دولة ضعيفة تحاول أن تولد.

والأكثر دلالة أن العربية نفسها، رغم كونها لغة مكتوبة ومؤسسية، عانت بعد الاستقلال من خصاص كبير في الموارد البشرية. فالمغرب لم يكن يتوفر على عدد كافٍ من الأساتذة المغاربة المؤهلين لتدريس العربية، ما اضطر الدولة إلى استقدام أساتذة من بلدان المشرق لسد الفراغ الآني وتكوين أطر وطنية لاحقًا. هذا المعطى وحده يُسقط فكرة الإقصاء المتعمد من أساسها: فكيف يمكن اتهام دولة بمحاربة الأمازيغية، وهي عاجزة حتى عن توفير ما يكفي من المدرسين للغة العربية نفسها؟

ثم إن الواقع التعليمي بعد الاستقلال يكشف مفارقة أخرى غالبًا ما يتم تجاهلها: كثير من المقررات الدراسية، خصوصًا في العلوم الإنسانية والاجتماعية، استمر تدريسها بالفرنسية لأكثر من عقدين. الفلسفة، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع، والقانون، ظلت في جزء كبير منها تُدرَّس بلغة المستعمر السابق، لا لأن الدولة كانت تفضّل الفرنسية ثقافيًا، بل لأن نقص الأطر والمراجع والبرامج جعل الانتقال السريع مستحيلًا. لو كانت هناك إرادة سياسية لفرض العربية وإقصاء غيرها، لكانت هذه المواد أول ما يُعرَّب، باعتبارها أدوات تشكيل الوعي، لكن ما حدث هو العكس تمامًا.

في هذا السياق، يصبح من غير المعقول الحديث عن تهميش متعمد للأمازيغية. فالأمازيغية آنذاك لم تكن لغة كتابة معيارية، ولا لغة إدارة، ولا لغة تدريس. لم يكن هناك تقعيد موحّد، ولا مناهج، ولا كتب مدرسية، ولا تكوين للمدرّسين، ولا حتى لغة أمازيغية واحدة، بل تنوعات جهوية واسعة. تدريس لغة في مدرسة حديثة يفترض وجود لغة مكتوبة ومعيارية وإنتاج معرفي ومؤسسات بحث، وهي شروط لم تكن متوفرة موضوعيًا، لا بسبب نية إقصائية، بل بسبب واقع تاريخي معروف.

والدليل الأقوى على زيف خطاب التعريب القسري هو بقاء الأمازيغية نفسها. فاللغات التي تُقمع وتُحارب تموت وتندثر، كما اندثرت لغات كثيرة في العالم. أما الأمازيغية فقد استمرت قرونًا، وتطورت داخل فضائها الطبيعي، وهو ما يستحيل تفسيره في سياق قهر لغوي ممنهج.

إن تصوير الأمازيغ كضحايا سلبيين للتاريخ فيه تقليل من شأنهم. فهم لم يكونوا يومًا شعوبًا بلا إرادة، بل فاعلين أذكياء في مسار الحضارة. اختاروا العربية حين كانت لغة الإمبراطوريات والمعرفة، وبنوا بها دولًا قوية، وحافظوا في الوقت نفسه على لغاتهم المحلية. واليوم، حين توفرت شروط تقعيد الأمازيغية وتدريسها، أصبح إدماجها خيارًا ثقافيًا مشروعًا ومكسبًا وطنيًا، لكن دون شيطنة الماضي، ودون اتهام الدولة أو الأجداد بنوايا لم تكن موجودة ولا ممكنة.

التاريخ لا يُقرأ بمنطق الثأر الرمزي، بل بمنطق الفهم. ومن يفهم سياق تشكّل المغرب قبل الاستقلال وبعده، يدرك أن ما يُقدَّم اليوم كـتعريب قسري لم يكن في الحقيقة سوى اختيارات عقلانية فرضها منطق بناء الدولة والحضارة، وأن تحويل اللغة إلى سلاح في صراع هوياتي لا يخدم الحقيقة ولا يخدم التعايش ولا يخدم المغرب.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة