الحجاب والتمييز ضد المرأة المغربية في الدراما والسينما

الحجاب والتمييز ضد المرأة المغربية في الدراما والسينما
هوية بريس – عابد عبد المنعم
أثارت عدد من الأعمال السينمائية والدرامية المعروضة خلال السنوات الأخيرة، سواء بالقاعات أو شاشات التلفزة العمومية، غضبا بسبب استهداف الحجاب والنقاب، بخلفيات أيديولوجية موغلة في الحقد والكراهية. واعتبر منتقدون أن بعض المسلسلات والأفلام ذهبت في اتجاه تكريس صورة نمطية تربط الزي الإسلامي المحافظ بالتشدد أو النفاق والازدواجية، ما ينعكس سلبا على صورة المرأة المحجبة أو المنقبة داخل المجتمع المغربي.
ويستحضر هؤلاء تجارب درامية سابقة في بلدان عربية، خاصة في مصر، حيث اتُهمت بعض الأعمال التلفزيونية بتقديم المرأة المنقبة في أدوار مرتبطة بالتطرف الإرهاب أو الانغلاق والتشدد، وهو ما خلف سجالا مجتمعيا واسعا هناك. ويرى منتقدو هذا المنحى أن انتقال بعض هذه الصور إلى الدراما المغربية يتم أحيانا دون مراعاة الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع.
في السياق هذا الصدد، تصاعد الجدل حول مشاهد من مسلسل “بنات لالة منانة” في جزئه الثالث، الذي بثته القناة الثانية دوزيم في رمضان، حيث اعتبر البعض أن طريقة تقديم بعض الشخصيات النسائية ذات المظهر المحافظ لم تكن منصفة، وأنها أسهمت في ترسيخ تمثلات سلبية. كما أثير جدل مماثل عقب الترويج على القناة نفسها (2M) لفيلم “جوج رواح” في عرضه الأول، والذي رأت فئات من المتابعين أنه يتناول قضايا حساسة بأسلوب صادم، ويطبع مع العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والشذوذ الجنسي، في مقابل استهداف الحياء والعفاف في أبرز صوره، وفي المرأة المنقبة بالذات، التي يقدمها الفيلم في صورة المنافقة ذات الماضي المتسخ.
المنتقدون يعتبرون أن هذا النوع من المعالجة الفنية لا ينفصل عن توجهات فكرية تسعى إلى إعادة تشكيل صورة التدين في الفضاء العام، عبر ربط بعض مظاهره بالتشدد أو بالنفاق الاجتماعي. وهم يرون أن المرأة المنقبة، التي تعاني أصلا من تحديات في الاندماج المهني والاجتماعي، تجد نفسها موضوعا لتمثيلات تزيد من حدة الأحكام المسبقة بدل أن تفتح نقاشا موضوعيا حول حقوقها وخياراتها.
غير أن الملاحَظ أن هذا التحريض لا يرتبط باللباس المستمد من الفقه المالكي وغيره من المذاهب الأخرى، بقدر ما يرتبط بمكانة المرجعية الدينية في الفضاء العمومي، وبكيفية تمثيل المرأة التي تختار الالتزام بزي تعتبره منسجما مع قناعاتها الفقهية. فحين يُربط هذا الاختيار في المخيال الدرامي بالعنف أو التطرف، فإن الرسالة الضمنية هي التنفير الاجتماعي من هذا الزي الذي ينتشر يوما بعد آخر، حتى وإن لم يُصرَّح بذلك بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، لا يبدو استهداف الزي الشرعي مجرد اختلاف فني عابر، بل يتصل بالقفز على المرجعية الدستورية والتاريخية للمغرب، التي تنص على أن المملكة تستمد مقومات هويتها من الدين الإسلامي وثوابته الجامعة.
فالحجاب، بأشكاله المتعددة، ظل عبر قرون جزء أصيلا من لباس المرأة المغربية في المدن والبوادي، وتطور داخل سياق ثقافي محلي متجذر، بينما تبقى أنماط اللباس الوافدة نتاج تحولات حديثة رافقت موجات العلمنة والعولمة. وعندما يُقدَّم هذا الزي في الدراما باعتباره علامة تخلف أو ازدواجية، فإن الأمر يتجاوز حرية الإبداع ليصبح مساهمة في إعادة تشكيل الوعي الجماعي خارج سياقه الحضاري.
إن أي عمل فني يتجاهل هذا العمق القيمي ويختزل الإنسان في بعد استهلاكي، يغامر بالاصطدام مع ذاكرة مجتمع يرى في لباسه المحافظ امتدادا لهويته، لا مادة للسخرية والتنفير.



