الحسيمة.. رحيل الأستاذ الفقيه النحوي محمد العطلاتي

هوية بريس – نجيب بنعلي
رحيل الأستاذ الشيخ العلامة الفقيه النحوي محمد العطلاتي عن عمر ناهز ستة وتسعين عاماً-1930م
بقلوبٍ يعتصرها الأسى، ودّعت الحسيمة مساء اليوم (الأحد) أحد أعمدتها الشامخة: الأستاذ الشيخ محمد العطلاتي، المروتيُّ الأصل والنشأة، الحسيمي المنزل، الفقيه المالكي، النحوي اللغوي، المُوقِّتي، الخطيب المدقِّق؛ عَلم من أعلام المدينة الكبار، ورجلٌ من رجالاتها الأفذاذ الذين يُشهد لهم بالعلم والوقار قبل الاسم واللقب.
وحسبُك بمقامه شرفًا أنه من حفاظ كتاب الله، ومن خريجي المدرسة العتيقة وجامعتها العريقة ، تلك الجامعة التي لا تُخرِّج إلا راسخي القدم في الفقه واللسان. فكان مالكيّ المذهب، نحويّ العبارة، مُوقِّتًا بصيرًا، دقيقَ الفهم، عاليَ الكعب في تخصصه.
درّس اللغة العربية في المعهد الديني بالحسيمة، فخرّج أجيالًا، وربّى رجالًا، وغرس في القلوب قبل العقول حبَّ العلم وهيبة النص.
وقد حكى لي من درسوا عليه ودرّسوا معه،أنه ظلّ وفيًّا لمهنته، قائمًا بخدمتها بإخلاص، حتى أُحيل على شرف المهنة بعد أن أدّى الأمانة كما ينبغي، وقد قضى فيها ما يزيد على أربعين سنة.
ومن جميل الأقدار أني التقيت به قبل عشرين سنة أو يزيد في مناسبة، وجلستُ إليه جنبًا إلى جنب، ولم أكن يومها أُدرك مقام الرجل ولا علوَّ كعبه في الفقه والعربية. طُلبتُ لإلقاء درسٍ استجابةً لصاحب البيت، فتقدّمت غير شاعرٍ أني أقف أمام عَلَمٍ من أهل التحقيق.
ومضيتُ في حديثي، وكان مما ورد فيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم -في عثمان بن عفان: “ما ضرَّ عثمانَ ما فعل بعد اليوم”.
فلما انتهيتُ، التفت إليّ بنظرة العالم الخبير، وأثنى على الدرس ثناءً عفيفًا، لطيب معدنه، ثم قال في هدوء المعلّم الممحِّص: أعد قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في عثمان.
ابتسمت ابتسامة خفيفة فرحا به وبمقامه إذ لا زال بين الناس من يهتم لمثل هذا فأعدته كما هو.
فقال: لِمَ نصبتَ “عثمانَ”؟
قلت: لأنها مفعولٌ به مقدَّم، ولا يستقيم المعنى إلا على هذا الوجه.
فهزّ رأسه رضًا، وربّت على كتفي، وقال بكلمة لا تزال عالقةً بقلبي:
تبارك الله… ما كنت أظن أنه بقي من الشباب من يتذوق العربية هذا التذوق ويتقن النحو هذا الإتقان. لقد فرّجتَ عني اليوم.
لم تكن كلماته مجرّد ثناء ،بل كانت شهادةَ عالمٍ يخشى على لسان القرءآن من الوهن، ويفرح إذا رأى في الشباب بقيةَ نور يحفظ العربية من الذبول.
كان رحمه الله مثالَ العالم العامل؛ تواضعًا يسبق خُطاه، وسَمتًا يفرض الاحترام دون تكلّف، وخُلُقًا رفيعًا يشهد له به القريب والبعيد.
عاش في الظل بين أهله، محبا للعزلة، ليس من أهل الضجيج؛ عاش للعلم لا للذِّكر، وأخلص للمنبر والدرس لا للمنابر الإعلامية.
درّس وربّى، وضبط ووقّت، وأفنى عمره في تعليم لغة القرآن وخدمة الشريعة، دون أن يطلب تكريمًا أو ينتظر تشريفًا.
رحل، وقد قصّر أهل المدينة -التي تضيق أحيانًا بأهل العلم والفضل- في الاحتفاء به حيًّا، وفي تكريمه ميتًا بجنازةٍ تليق بمقامه؛ ولكن “ما عند الله خيرٌ وأبقى للذين آمنوا”.
رحم الله العالم الوقور، الخفيَّ التقيَّ النقيَّ، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن مدينته وطلابه خير الجزاء.
وإنا لله وإنا إليه راجعون. وأحر التعازي لأبنائه، ولابنه أكرم أبي أياد، وأسرته وأصدقائه في المدينة وخارجها.



