الخسارات الكبرى للحروب

الخسارات الكبرى للحروب
هوية بريس – ابراهيم أقنسوس
تندلع الحروب، حينما يضمر صوت العقل، ويتوارى نداء الحكمة ؛ حين تتحول لغة الحديد والنار إلى وسيلة لفض النزاعات وتدبير الخلافات، حين يتخلى المختلفون، بعضهم أو جلهم، عن قيمهم الرمزية، وعن صورتهم البشرية، لصالح قيم التوحش والغطرسة والرغبة في إشاعة الخراب ؛ ما يعني أن الحديث عن الحروب، هو حديث عن خسارات مؤكدة، تتكبدها كل الأطراف المعنية بها، حتى التي ترفع لواء النصر، أو تعتقد ذلك، ومن تم كانت الحروب مبدئيا، دائما مدانة، من طرف العقلاء، على امتداد التاريخ البشري، من مختلف التوجهات والآراء ؛ فالحرب تبقى حربا، في النهاية، خساراتها مؤكدة وبالجملة، ومنافعها مرجوحة وبلا ضمانات. وكثيرا ما يتم الحديث عن خسارات الحروب، في صورتها المادية السطحية والظاهرة، التي تعني القهر والغلبة، لجهة على أخرى، والتي تعني هدم البنايات في صورتها الإسمنتية، وقلما ينتبه إلى الخسارات الكبرى للحروب ؛ الخسارات التي تهدد هذا الكائن البشري في كينونته وحقيقته، وترهن وجوده على هذه الأرض، وهذه بعض تلك الخسارات :
أولا : إن اندلاع الحروب وإثارتها، يعني استقالة العقل، وتوقف حركته عن الإشتغال الهادف والسليم، وانحداره إلى خدمة الغرائز البدائية وتبريرها، بدل المساهمة في إبعاد التوحش، وصناعة الحياة ؛ فنشوب الحروب والسعي إليها، مؤشر إلى نهاية، ولو مؤقتة، لكل السرديات والأفكار الكبرى التي ساهم في صناعتها أجيال من المفكرين والعلماء والمبدعين، وأهل الرأي والنظر، عبر تاريخ البشرية العريض ؛ تأتي الحروب لتوقف كل هذه الإمتدادات الفكرية و العلمية العميقة، وتجرف كل هذا الزخم القيمي الذي صنع للإنسان صورته البديعة والراقية.
ثانيا : إن اندلاع الحروب، والسعي إليها، يعني تدمير حضارات كاملة، استغرق إيجادها آلاف السنين، بكل حمولاتها الدينية والعلمية والثقافية، وبكل سردياتها، التي تأتي البشرية لتقرأها وتستفيد من آثارها، جيلا بعد جيل ؛ تأتي الحروب فتقتلع كل هذا الإرث بضربة نار همجية، لا تبقي ولا تذر، مقابل مصالح مادية أنانية عابرة في الزمن.
ثالثا : إن اندلاع الحروب وانتشارها، يعني عجز البشرية عن تدبير الحد الأدنى من العيش المشترك، الذي يسع الجميع، ويشعر فيه الجميع بالكرامة والإعتبار، مع كل الإختلاف الممكن والمفترض، واتجاه العالم إلى تضخيم نوازع الأنانية، وحماية مصالح حفنة من المتغطرسين والقتلة والمضاربين، وسارقي خيرات البشرية ومدخرات العالمين، بقوة الحديد والنار.
رابعا : إن اندلاع الحروب، والحرص على إشاعتها في العالمين، يعني إلحاق الأذى بجماعات من البشر الطيبين، أولئك الذين لا شأن لهم بحسابات تجار الحروب وأنانياتهم، التي لا تنتهي ؛ إشعال الحروب، يعني تجويع وقتل واغتصاب وترويع، جماعات من الأبرياء، من الرجال والنساء والأطفال، من غير المحاربين ؛ ممن لا ينتظرون شيئا من هذا العالم، عدا العيش بسلام ؛ ولنا أن نتفكر في أعداد هؤلاء الطيبين الذين يرقدون تحت أنقاض كل الحروب التي اندلعت عبر التاريخ، ولنا أن نفكر في أعداد النساء والفتيات اللواتي تم اغتصابهن كرها وبشاعة، فقط، لأنهن تواجدن في لحظة ما، في أماكن النزاعات والحروب.
خامسا : إن اندلاع الحروب، والسعي إليها يعني، اجتثاث جمال الطبيعة، وإفساد منابع الحياة الرائعة والبديعة، بتلويث المياه والهواء، وإخراس أصوات البلابل والطيور، وتحويل الخضرة والخصب إلى سواد، وأرض يباب.
هذه هي بعض الخسارات الكبرى للحروب ؛ الخسارات التي لا يلتفت إليها، لأنها لا تخضع لمنطق إعادة الإعمار، كما يقول تجار الحروب عادة ؛ ولأنها ببساطة، ليست أشياء قابلة للتعويض ؛ ولإنها تعني صورة الإنسان وكينونته وحقيقة، ومعنى وجوده في هذا العالم.



