الخليج بين فكّ الارتباط وإعادة تشكيل المركز

الخليج بين فكّ الارتباط وإعادة تشكيل المركز
هوية بريس – فرج كُندي
تحولات العلاقة بين السعودية وقطر والإمارات
لم تعد العلاقات داخل الخليج العربي تُقرأ بوصفها علاقات تقليدية بين دول متجاورة يجمع الدين والعرق والتاريخ والمصالح المشتركة، بل أصبحت مرآة لتحولات أعمق تمسّ بنية السلطة الإقليمية نفسها.
فالمسألة لم تعد مجرد خلافات سياسية عابرة تظهر على السطح حينا وتختفي أكثر الأحيان، وإنما انتقال تاريخي من نموذج “المركز الواحد” إلى فضاء تتنازع فيه الإرادات، وتتقاطع فيه مشاريع النفوذ. وفي قلب هذا التحول تقف المملكة العربية السعودية بوصفها المركز التقليدي، في مواجهة مسارين مختلفين تتبناهما دولتين خليجيتين: مسار قطري سعى إلى فك الارتباط دون كسر النظام، ومسار إماراتي يتجه نحو إعادة صياغة ميزان القوة وربما تفكيك مركزه.
الجذور التاريخية: حين يتكوّن المركز:
منذ تشكّل الدولة السعودية الثالثة، تكرّس موقعها بوصفها القوة المرجعية في الخليج، ليس فقط بحكم المساحة والموارد؛ بل أيضًا بما تمثله من ثقل ديني وسياسي. هذا الموقع لم يكن مجرد واقع جغرافي؛ بل تحول إلى نمط في العلاقات حيث بدت الدول الأصغر وكأنها تدور في فلك هذا المركز، بدرجات متفاوتة من القبول أو التحفظ.
غير أن هذه البنية لم تكن مستقرة بالكامل؛ فقد شهدت العلاقة مع قطر توترات مبكرة، عكست أن فكرة “الأخ الأكبر” لم تكن مقبولة دائمًا بصمت دون بروزها ظاهرياً، ومع ذلك ظل الخلاف محكومًا بسقف النظام الخليجي العام، إلى أن بدأت ملامح التحول تظهر بوضوح في تسعينيات القرن الماضي.
التحول القطري: من التبعية إلى الندية
مع منتصف التسعينيات، دخلت قطر طورًا جديدًا في سياستها الخارجية يمكن وصفه بأنه مشروع استقلال هادئ. لم يكن الهدف مواجهة السعودية؛ بل التحرر من تعريف الذات من خلالها؛ فبدأت الدوحة في بناء شبكة علاقات متعددة، وتبنّت سياسة خارجية أكثر انفتاحا مع توظيف أدوات جديدة للنفوذ، أبرزها الإعلام والدبلوماسية النشطة.
هذا التحول لم يكن صداميًا في بدايته، بل كان أشبه بعملية انسحاب تدريجي من عباءة الهيمنة. لكن مع تراكم هذه الخطوات أصبح التوتر حتميًا، وبلغ ذروته في الأزمة الخليجية عام 2017، حين تم فرض حصار شامل على قطر.
غير أن هذه الأزمة كشفت حقيقة مهمة:
قطر لم تكن في طور التمرد اللحظي، بل كانت قد أنجزت بالفعل مشروعها في إعادة تعريف موقعها داخل الخليج، والأهم من ذلك أنها رغم الضغوط لم تتجه إلى مشروع مضاد يستهدف إضعاف السعودية؛ بل حافظت على سقف الانتماء للنظام الخليجي، وهو ما مهّد لاحقًا لعودة العلاقات بين البلدين مع إصرار قطر على التحرر من التبعية دون السعي إلى إسقاط المركز.
خلاصة المسار القطري:
الإمارات من الشراكة إلى المنافسة
إذا كان المسار القطري قد انطلق من سؤال الاستقلال؛ فإن المسار الإماراتي ينطلق من سؤال مختلف؛ من يملك تعريف القوة في الخليج؛؟
خلال العقد الأخير تحوّلت الإمارات من فاعل داعم داخل النظام الخليجي إلى قوة تسعى لإعادة صياغة هذا النظام. لم تعد المسألة مجرد تعزيز الحضور؛ بل أصبحت أقرب إلى بناء نموذج موازٍ في السياسة والاقتصاد والنفوذ الإقليمي.
فالإمارات وسّعت حضورها في الممرات البحرية والموانئ
انخرطت بعمق في ملفات إقليمية معقدة وتبنّت سياسات اقتصادية تنافسية تستهدف موقع القيادة، وهنا يظهر الفارق الجوهري بينها وبين قطر
قطر أرادت مساحة مستقلة، أما الإمارات فتسعى إلى إعادة توزيع مركز الثقل ذاته.
الصدام غير المعلن تنافس بلا حرب
الصراع بين السعودية والإمارات لا يتخذ شكل المواجهة المباشرة، لكنه حاضر في تفاصيل متعددة:
في الاقتصاد يظهر التنافس في جذب الاستثمارات، وإعادة تموضع الشركات العالمية، ومحاولات كل طرف أن يكون بوابة المنطقة.
وفي السياسة يتجلى الاختلاف في إدارة ملفات إقليمية حساسة، حيث لم يعد التطابق في الرؤى أمرًا مفروغًا منه.
أما استراتيجيًا، فالمشهد يكشف عن نموذجين مختلفين:
السعودية كقوة مركزية تقليدية تستند إلى العمق الجغرافي والديني
والإمارات كقوة مرنة تعتمد على الشبكات الاقتصادية والتحالفات المتعددة
هذا التباين لا يعني القطيعة لكنه يعكس انتقال العلاقة من التبعية أو التنسيق إلى المنافسة الهادئة القابلة للصدام.
بين النموذجين اختلاف في الفلسفة
يمكن فهم التحول الخليجي من خلال مقارنة دقيقة:
قطر اشتغلت على فك الارتباط في حين الإمارات تشتغل على إعادة تعريف القيادة.
الأولى تحركها رغبة في الاستقلال، والثانية تحركها إرادة إعادة تشكيل موازين القوة.
وهذا الفرق ليس شكليًا؛ بل يعكس انتقال الخليج من مرحلة البحث عن موقع داخل النظام إلى مرحلة التنافس على صياغة النظام نفسه.
مالات التحول: الخليج في زمن السيولة
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في خلافات ظرفية، بل هو جزء من إعادة تشكل أوسع للنظام الإقليمي. ويمكن تصور ثلاث مسارات محتملة:
الأول، استمرار التوازن التنافسي، حيث يتعايش الجميع ضمن نظام غير مستقر لكنه قابل للاستمرار.
الثاني: تصاعد التنافس إلى مستويات أعمق، خصوصًا في الاقتصاد والنفوذ الإقليمي دون الوصول إلى صدام مباشر.
الثالث: إعادة إنتاج مركز جديد، سواء بعودة السعودية إلى موقعها القيادي الحاسم، أو بتحول الخليج إلى نظام متعدد الأقطاب.
لكن المؤكد أن فكرة “الأخ الأكبر” بصيغتها التقليدية لم تعد صالحة كما كانت، وأن العلاقات تتجه نحو تعقيد أكبر وتوازنات أكثر هشاشة.
إعادة تعريف الخليج
ما بين التجربة القطرية والتجربة الإماراتية، تتكشف حقيقة جوهرية:
الخليج لم يعد فضاءً لهيمنة واحدة، بل ساحة لإعادة تعريف القوة ذاتها.
قطر كسرت فكرة التبعية دون أن تكسر النظام، والإمارات تدفع نحو إعادة تشكيل النظام دون إعلان صريح للصدام.
وفي هذا التداخل بين التحرر والمنافسة، يقف الخليج عند لحظة فارقة: إما أن يعيد إنتاج توازنه بصيغة جديدة، أو أن يدخل في مرحلة من التنافس المفتوح الذي يعيد رسم خرائط النفوذ داخله.
ويبقى السؤال الأكثر عمقًا:
هل يتحول الخليج إلى منظومة تعددية ناضجة،
أم إلى فضاء تنافسي مفتوح بلا مركز واضح؟



