السقوط القيمي الحر يفقد مسلسل بنات لالة منانة رأسماله الفني

23 فبراير 2026 14:43

السقوط القيمي الحر يفقد مسلسل بنات لالة منانة رأسماله الفني

هوية بريس-عبد الإله دحمان

يعود مسلسل بنات لالة منانة في جزئه الثالث – رمضان 2026 – بعد أكثر من عقد على نجاحه الكبير في بداية العقد الماضي، بطابع ما دأب عليه عيوش من اشتغال على الجنس سولء المبطن أو الصريح ، مستغلا توظيف رهانين الرهان الأول ممثل في استعادة نوستالجيا الجمهور المغربي واستثمار نجاح الأجزاء السابقة وما كرسته من التفاف الجمهور حول قيم اهل الشمال . الرهان الثاني تمثل في محاولة اضاف العيوشية على الجوء القثالث تحت غطاء مواكبة تحولات المجتمع المعاصر. غير أن الحلقات الأولى أثارت جدلا واسعا وموجة من الانتقاد، بحيث يمكن معالجة هذا العمل من زوايا متعددة.

1- الادعاء زورا ان الجزء الثالث يتحول من الدراما الاجتماعية إلى الدراما الصادمة (العيوشية )، من خلال اقحام الخط الفني القائم على زعزعة القيم الدارجة للمجتمع .هو مقاربة بئيسة تتكرر في اعمال “عيوش” ، اذ بعد نجاح الجزأين الأول والثاني من المسلسل الذي كان قائما على الحميمية العائلية والواقعية الاجتماعية داخل بيئة شفشاونية محافظة صنعت شخصية اهل شفشاون وجبال عموما ، ولتقوبض هذه الصورة التي صنعت مجد الأجزاء السابقة ، نجد الجزء الجديد اختار القفز نحو قضايا أكثر حساسية من قبيل الحرية الفردية و العلاقات الأسرية المعقدة ، والاساءة للنقاب والتمثلات الدينية واصطناع صراع هواياتي نسائي مستورد من خصوصية مجتمعات غريبة عن المغاربة ، بمبرر أن هذا التحول جرأة فنية ضرورية، بينما الحقيقة أن الانتقال أو التحول في الهوية الفنية للمسلسل هو قيمة تجارية سطحية فقط لصنع الإثارة والجدل بدل تقديم عرض فني يقوم على العمق الاجتماعي وهو ما يفسر سقوط المسلسل في المعالجة المباشرة وادراج قيم هي اقرب إلى ثقافة الدعارة المقنعة عوض معالجة قضايا من صميم المجتمع الشمالي بالمغرب فالجرأة الفنية ليست مشكلة في حد ذاتها، لكن الإشكال يظهر حين تصبح وسيلة للاحتيال على الجمهور قصد جذب الانتباه بدل خدمة البناء الدرامي.

2- فقدان الهوية الفنية للمسلسل : يتجلى ذلك من خلال السيناريو الجديد الذي تحولات إلى أزمة، ونشرها فقدان الروح الأصلية للمسلسل ، وتتجلى من خلال ضعف الترابط بين الأحداث ، بحيث تبدو الاحداث وكانها مواقف معزولة لا تحتكم الى خط فني ناظم ، اللهم سوى الاعتماد على ما ينعته المختصون ب “الصدمات الدرامية” عبر إدخال مشاهد بشكل تعسفي لا تخدم تطور الشخصيات.
ولا تحترم ذاكرة الجمهور الذي يرتب تطور المشاهد والشخصيات بناء على التراكم القديم ومنظومة القيم الاجتماعية والفنية، مما جعل الكثير من المتابعين يعتبرون أن العمل “فقد هويته الاجتماعية” التي أحبها الجمهور، واتجه نحو خلق ثقافة البوز لرفع نسب المشاهدة ولعل الجنس وايحاءاته اسهل أداة . وهو ما جعل الجزء الثالث يبدو أحيانا وكأنه مسلسل جديد يستعمل الاسم القديم فقط، بدل أن يكون امتدادا عضويا للسرد السابق ، هكذا تتكرس التجارية المخدومة و ادلجة الفن لتفكيك منظومة قيم المجتمع وتعويض بقيم لا تمت بصلة للمجتمع المغربي الكبير أو مجتمع شمال المغرب .

3- الجزء الثالث قفزة غبية في حبكة درامية غير مكتملة ، فإشكالية الجرأة الفنية ليست موضوعا ولا مرجعا لمناقشة ما تعرض له مسلسل للا منانة من مسخ فني واجتماعي ، بل الأنكى ان المسلسل يقدم بانتهاء جغرافي وثقافي اصيل بالمغرب لا يستحق هذه الإهانة ، خصوصا مع حدود العرض الرمضاني ، حيث البرمجة الرمضانية في المغرب لها خصوصية عائلية واضحة، ولذلك تعمد القائم خلف النسخة الجديدة من المسلسل على الإثارة لخلق النقاش والمكسب منه تجاريا وحتى فنيا للاستمرار في الساحة الفنية والتهام الدعم ولو كان ذلك على حساب عدم مراعاة الحساسية الثقافية للمشاهد المغربي. ونقول للخط الدرامي لعيوش الدراما الناجحة هي التي تخلق النقاش المجتمعي لكن حول قضايا تشكل اولوية للمجتمع وليس التلاعب بتيمات وايحاءات جنسية لجلب الجمهور ، كما نقول له ان الدرما الاي تخلق البوز هي التي تثير النقاش دون أن تفقد ثقة جمهورها التقليدي ولعل ما وقع الان هو طمس وتقويض النجاح الذي حققته الاجزاء الماضية .

4- معالجة جمالية و فنية مختلة: من حق الجمهور المغربي انتقاد الأعمال الفنية بخلفية قيمية أو أخلاقية، لأنه المعني بهذه الأعمال الممولة من المال العام ، لكن ليس هذا المستوى فقط ما يجعل هذا العمل متواضعا وغير ذي قيمة فنية ، بل هناك محدودية المعالجة الفنية والجمالية كذلك ، فمثلا أزمة الزمن والشخصيات أحد أكثر الملاحظات تداولا على هذا العمل ،
بحيث نجد عدم انسجام أعمار بعض الشخصيات مع الممثلات. فقدان صورة “البنات” التي رسخها العمل سابقا.
بعد مرور عشرين سنة داخل القصة، حاول العمل الانتقال إلى جيل جديد وتطورات حياتية مختلفة، لكن هذا الانتقال لم يكن دائما سلسا دراميا ولا مبتكرا ، والمشكلة ليست في تقدم الزمن، بل في غياب إعادة بناء عميقة للشخصيات بما يناسب هذا التحول. كما أن السيناريو كتب بدون رؤية شمولية للعمل ، وكأني به كتب مشاهد دون رابط باستثناء الرسائل المشفرة وغير المشفرة التي يبعث بها العمل أو من خلال الإجراءات الجنسية ومنظومة العلاقات المختلة التي تقدم مفهوما جديدا للاسرة يمتح من ” الماخورية ” ، ولتغليف هذا العجز الفني ، اعتمد الجزء الثالث على جودة الصورة والإخراج واجتهاد في الاداء التمثيلي .
وعموما الجزء الثالث من بنات لالة منانة يقف بين مشروعين: مشروع دراما اجتماعية مغربية أصيلة.
ومشروع دراما تجارية باجندة خاصة تبحث عن الصدمة والجدل والبوز ، فالعمل فقير من حيث الجرأة الفنية والعمق السردي. وإذا استمر الحلقات القادمة في الاعتماد على الإثارة الجنسية بدل البناء النفسي والفني للشخصيات، فقد يخسر العمل أهم رأسماله وهو تعاطف الجمهور الذي صنع نجاحه الأول ان لم يكن خسره فعلا .

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
20°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة