العدالة الأهلية بالمغرب 1926 (2/2)

22 يونيو 2026 23:17

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

2- القضاء الشرعي:

أصحاب هذه السلطات القضائية هم القضاة الشرعيون الذين تشمل اختصاصاتهم مسائل الأحوال الشخصية والميراث، بالإضافة إلى وضع العقارات المسجلة، القضاة الشرعيون من حيث المبدإ، هم خبراء قانونيون بارزون، ونزيهون، يجوز استئناف القضايا التي يبت فيها قضاة المنطقة القروية في المرحلة الابتدائية، أمام قضاة المناطق الحضرية، وصولا إلى محكمة الاستئناف الشرعي في الرباط، وبذلك يحترم مبدأ الاستئناف، احتراما كاملا، مع أنه لا يجوز للأطراف الاستعانة بمحامين مسيحيين، إلا أنه يجوز تعيين فقهاء مسلمين.

يخضع القضاة الشرعيون لإشراف مزدوج؛ من المراقبين ومندوبي مديرية الشؤون الشرعية، الذين يتفقدون المحاكم الشرعية دوريا، لذا يبدو أن هذه المحاكم، يجب أن تعمل على نحو يرضي الجميع، في الواقع، هذه الحاكم تكلف المتقاضين أكثر من غيرها، وتقدم للأطراف أقل ضمانات للحياد، وباختصار هي الأسوأ أداء.

يمكن تفسير هذا الوضع بأسباب عدة:

إن العدالة الشرعية دينية في جوهرها، فالزواج والأسرة والميراث، تنظم مباشرة بالقرآن، وتخضع الأراضي الإسلامية من حيث المبدإ، للنظام القانوني الإسلامي، وأي تدخل في هذه الأمور، يعد بالغ الحساسية، فاللوائح التقييدية المفرطة، أو الإصلاح المفاجئ، لنظام ما قبل الحماية، كان من شأنه أن يثير استياء، ليس فقط من القضاة، بل أيضا غالبية السكان، ولم يرغب المارشال ليوطي ومعاونوه، في تكرار الخطأ الذي ارتكب في الجزاير، فقرروا التعامل مع العدالة الدينية بحذر شديد، ولم يفكروا في التدخل في تطبيق القانون، بل قرروا احترام أشكال إقامة هذه العدالة، وإقامة رقابة تتسم بالسرية قدر الإمكان.

أثبتت هذه الرقابة صعوبة بالغة في الواقع العملي، فضباط المخابرات والمراقبون (باستثناءات قليلة) لم يكونوا فقهاء في الشريعة الإسلامية، ولا متحدثين باللغة العربية، حتى أن من يتقنون العربية، وجدوا صعوبة في فهم سجلات القضاة، ولاسيما الوثائق الإجرائية، ووجدوا صعوبة، في تجنب الخوض في تفاصيل الشريعة الإسلامية.

ومع ذلك في السنوات الأولى للحماية، احتفظ المراقبون العسكريون والمدنيون بنفوذ مباشر كبير، على قضاتهم لمنع حالات إنكار العدالة وضوحا، وفي مراقبة أحكام العقارات على الأقل، عندما يكون الأوربيون طرفا فيها، وفي ضمان احترام نسبي، للمواعيد والرسوم التي يحددها الظهير.

استمر هذا النظام التعاوني في العمل في بعض الأماكن، بفضل حسن النية المتبادلة بين المراقبين والقضاة، ولكن في أماكن أخرى كثيرة، أصبحت الرقابة شبه مستحيلة.

في الواقع نجح المخزن في فرض موقفه على مديرية الشؤون الشريفة، وبموجبه، لم يستطع المراقبون المحليون تقديم أي ملاحظة مباشرة لقضاة الشرع، بل اقتصر دورهم على الإبلاغ عن أي مخالفات يتم العثور عليها إلى مقر الإقامة، تقارير المراقبين الذين تبنوا هذه الصيغة الجديدة، تبين لهم أن تسعة حالات من أصل عشرة، لم يكن لها أي تأثير، وعندما يُتخذ قرار ما صفة لإنهاء وضع متوتر، ينقل القاضي المخالف ببساطة، وأحيانا إلى منصب أكثر فائدة، وتكافأ القبائل بقاض جديد، يكرر أخطاء سلفه، إذ جرت العادة أيضا أن يعين المخزن القضاة، دون استشارة السلطات المحلية، أو اقتراح مرشح، أو طلب إبداء رأيها، ليس من المستغرب أن تفقد هذه السلطات اهتمامها في نهاية المطاف بهذا الشكل الضعيف من الرقابة.

أما مندوبو مديرية الشريفيان الذين لا يزورون المحكمة إلا نادرا، ربما لبضع ساعات، لا يمكن أن يكون لهم تأثيرهم.

لم تتأخر نتيجة هذه السياسة، فبينما لا يزال هناك قضاة جديرون بمكانتهم، من حيث العلم والنزاهة، فإن الكثيرين منهم من جميع النواحي، أقل بكثير مما ينبغي أن يكونوا عليه، وقد انعكس سوء سمعتهم على الجميع فالمحاكم الشرعية مدانة بالإجماع، والجميع يسعى لتجنبها. فالقضاة لم يظلوا بسمعة طيبة قط في الدول الإسلامية، وفي المغرب على وجه الخصوص.

في هذا الشأن تكثر الأمثال، وأكثرها شيوعا:

“من بين ثلاثة من قضاة، اثنان سيذهبان للجحيم حتما”.

أما حالته على وجه الخصوص، فمحل شك، ولذلك فإن انتهاك العدالة أقل إثارة للصدمة، مما هي عليه في أماكن أخرى، ومع ذلك يندهش الأهالي، وسيزداد اندهاشهم يوما بعد يوم، لرؤية مؤسسات الشرع لا تزال تعاني من هذا النقص، بينما تتحسن منظمات أخرى بفضل الرقابة المشددة المتزايدة، ومن الطبيعي أن يستغرب الأوربيون خضوعهم لمثل هذه القوانين.

ليس من الممكن ولا من المستحب لنا تعديل مبادئ هذه الأنظمة القضائية، ولكن تغيير النهج ضروري لتحقيق تطهير هيئة القضاة والعدول، وتوسيع نطاق رقابة أكثر جدية على أفعالهم، وعليه فنحن نوصي بالإصلاحات التالية:

1- أولا وقبل كل شيء، هنا كما هو الحال مع القضاة، من الضروري أن يدرك كل فرد في المخزن، من القضاة والعدول، أننا عازمون على عدم التسامح مع التجاوزات التي استمرت حتى يومنا هذا، وأننا لن نقبل بعد الآن التعيينات المبنية على المحسوبية، أو حتى على دوافع أقل شرفا، وأننا على استعداد لعزل ومحاكمة غير الأكفاء، وغير الأمناء، سيكون من السهل جدا، بل من الضروري أن نضرب فورا بعض الأمثلة التي من شأنها أن تدفع الجميع إلى التفكير.

من المهم أيضا البدء من الآن، في تحسين عملية تعيين القضاة الأهليين، بحيث يتم اختيارهم حاليا بشكل عشوائي ومحدود لحد ما، مع أن العديد منهم بعيد كل البعد عن تقديم ضمانات كافية للكفاءة، وإذا أنشأنا الغرفة الاستئنافية الإقليمية المخزنية، فسنواجه صعوبة أيضا في إيجاد أعضاء لها، فسيكون إذن من المفيد التفكير في إنشاء مدرسة مخصصة بالتعاون مع الجامعات الإسلامية، لإعداد الشباب الأهالي لشغل مناصب قضائية مختلفة.

لوسيان سانت المقيم العام الفرنسي فوق بلوكوس مدينة ارفود شهر مارس سنة 1932

2- يبدو لنا أن نظام الرقابة بحاجة إلى تعديل، وكما ذكرنا سابقا فإن المراقبين المدنيين غير مؤهلين لهذه المهمة، علاوة على ذلك، فإن تعدد مهامهم لا تسمح لهم، وسيقل هذا السماح لهم تدريجيا، بتخصيص الوقت الكافي لهذه الرقابة الحساسة والمعقدة، ولا يبدو من الممكن حاليا تعيين مفوض من الحكومة الفرنسية لكل محكمة، لحضور جميع الجلسات:

لأنه لن يتم العثور على عدد كاف، من المحامين الفرنسيين المتقنين للغة العربية، لهذه المهمة، كما أن العدد الكبير من الوظائف الجديدة التي سيتطلبها الأمر، سيتعارض مع مبدأ الاقتصاد الذي ندعوا إليه.

لأن مثل هذه الرقابة الدقيقة ستكون صعبة على القضاة وسيقبلها المخزنيون، لكن من الضروري إنشاء هيئة من القضاة الفرنسيين، تكلف تحديدا بهذه الرقابة، وفي غضون فترة زمنية محددة، ينبغي تعيين مفوض حكومي لمدة عام على الأقل، بالقرب من كل قاض في المدن، وسيتابع هذا المفوض قضايا الاستئناف عن كثب، وسيمارس من خلال جولات متكررة، إشرافا فعليا وفعالا على قاضيين أو ثلاثة -في المناطق القروية- الخاضعين لسلطته، وسيزور كل محكمة في يوم محدد لتلقي شكاوى جميع المتظلمين.

لا يمكننا التفكير في استبعاد القضاة من معرفة كل ما يتعلق بالأحوال الشخصية للمغاربة، علاوة على ذلك، ليس لدينا أي نية للقيام بذلك، يبدو لنا من ناحية، أنه يستحسن العمل على تقليص اختصاصهم قدر الإمكان في مسائل العقارات، وهي المسائل الوحيدة التي يلزم الأوربيين بالتعامل معهم فيها، ولتحقيق هذه الغاية فيما يتعلق بالطلب، يكفي تشجيع تقديم طلبات التسجيل، لا يزال بعض الملَّاك يترددون في تقديم طلبات التسجيل، بسبب طول الإجراءات، بزيادة عدد قضايا التسجيل، سيقتنع معظم الأوربيين باستخدام هذا الإجراء، أما بالنسبة للسكان الأصليين، فهم لا يزالون غير ملمين إلى حد كبير بهذا الحق الممنوح لهم، لكن التحقيقات القبلية الأخيرة، والأحكام الصادرة في السنوات الأخيرة، تركت انطباعا ممتازا لديهم، فازداد عدد طلبات التسجيل من الأهالي في عام 1925 بشكل ملحوظ، حتى أن القضاة لجأوا إلى هذا الإجراء لممتلكاتهم الشخصية، مما يثبت أن الجميع يتقبله جيدا، من المؤكد أن هذا التوجه سيزداد، ولا يوجد سوى شيء واحد نخشاه، إن لم نتوخ الحذر، أن تُثقل كاهل سجلات الأراضي والمحاكم مرة أخرى، كما حدث مند بضع سنوات.

من منظور عقاري نؤيد أيضا إعفاء القضاة من جميع إجراءات الحيازة، فالمحاكم الفرنسية على دراية تامة بجميع الحالات التي يكون فيها أحد خصوم تلك المحاكم طرفا فيها، ومن المنطقي توسيع اختصاصها كلما كانت الأرض المتنازع عليها قيد التسجيل؟

أما بالنسبة للعقارات الأخرى، فالحل الأمثل هو تعميم الممارسة المتبعة في العديد من المناطق، ومنح القايد الذي يلزم عادة بالتدخل في النزاعات المتعلقة بالحيازة لضمان الأمن العام، ومنع النزاعات، وهو السلطة المختصة الوحيدة، ما يعني أنه وحده من يحافظ على الوضع الراهن قائما، إلى حين صدور قرار القاضي، وبما أن حقوق الحيازة مسألة واقعية بحثة، فإن القاضي (تحت إشراف المراقب) يبدو لنا أكثر كفاءة من القاضي في إجراء تحقيقات ميدانية شاملة، علاوة على ذلك، لا يعترف القانون الفرنسي (المحكمة العليا) بمحكمة الحيازة، وهي محكمة فرنسية بحثة.

3- يمكن اتخاذ تدابير فعالة ومفصلة للحد من تجاوزات القضاة والمحاكم الشرعية، وذلك من خلال؛ نشر رسوم الخدمات المختلفة في جميع المكاتب، وإلزام هؤلاء القضاة بعدم تحصيل أي مبالغ مالية، دون إصدار إيصال منفصل عن دفتر الإيصالات، وما إلى ذلك.

هذه الإصلاحات المتنوعة، دون أن تسبب أي عوائق سياسية أو تكون مكلفة للغاية، كافية لتحسين أداء المحاكم الشرعية بشكل ملحوظ.

بعد الانتهاء من هذه الدراسة المطولة، سيلاحظ قراؤنا أننا باختصار، نرى أن التطبيق الكامل لبعض التدابير في المغرب ممتازة في فرنسا، ونعتقد أيضا أن الإصلاح القائم عليها غير ممكن حاليا، مع ذلك نُقر بضرورة إصلاح مختلف الأنظمة القضائية الأهلية، لكننا نؤكد أنه لإنجاح هذا الإصلاح، لا فائدة من الخروج عن إطار الظهائر الحالية، ونحن نحاول تحديد التدابير الرئيسية التي يستحسن تطبقها فورا.

لاشك أن الكثيرين سيجدون الحلول المقترحة متواضعة وغير كافية، لكننا لم ندْع قط لتثْبيت النظام القضائي المغربي، إلى أجل غير مسمى، فالحكم استشراف للمستقبل، لكن الاستشراف لا يعني استباق الأحداث، بعد بضع سنوات، قد يحين الوقت المناسب لاتخاذ خطوة أخرى إلى الأمام، ونعتقد أن النظام الموضَّح هو الأنسب في الوقت الراهن، للعقلية المغربية، خطوة بخطوة.

من أبرز مزايا المارشال ليوطي، إدراكه أن إصلاح مؤسسات شعب ظل خاملا لقرون، يتطلب حكمة وتدريجا، وتُظهِر الاضطرابات التي تهز العديد من دول العالم، ولاسيما روسيا والصين بوضوح، إن التسرع في الأمور لا يقل خطورة عن التشبث بالمحافظة الجامدة، لطالما تميزت فرنسا في معظم الأحيان بحِسٍّ ناضج، لذلك نحن على ثقة بأن المسؤولين حاليا -بعد ضمان استقرار المغرب- سيتمكنون من تزويد البلاد بنظام قانوني، يتكيف مع الاحتياجات الجديدة، التي أفرزها نموها السريع، دون المخاطرة بزعزعة استقرارها، من خلال تغييرات مفاجئة لمؤسساتها العريقة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

أنظره في:La justice indigene au maroc

Patrick Montfert

في:Bulletin du comite de l,afrique francaise,renseignements coloniaux 1926..pp 153-155

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
24°
الأربعاء
23°
الخميس
23°
الجمعة
24°
السبت

كاريكاتير

حديث الصورة