العمل العلمي بالمغرب (1923م)

20 مايو 2026 21:38
الإصلاح الفرنسي الإسلامي بالمغرب 1903م

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

سلط مؤتمر معهد الدراسات العليا المغربية، الذي عقد بالرباط، في الفترة من 7 إلى 9 دجنبر على جهد علمي وتنظيمي متميز، يشرف المغرب الفرنسي.

ففي عام 1912 بعد أشهر قليلة من تأسيس الحماية، أنشئت مدرسة عليا للغة العربية واللهجات البربرية في الرباط، وكان هدفها الرئيسي تدريب كوادر من المترجمين المدنيين، وتزويد الموظفين المدنيين والضباط -الذين يعدون ركيزة أساسية في تحقيق السلام، وتنظيم البلاد- بمعرفة بالعادات واللهجات المغربية، وقد جمعت لجنة الدراسات البربرية، إلى جانب أساتذة المدرسة، نخبة من الباحثين المتحمسين لإجراء دراسات أهلية، واستكشاف التراث الغني للمغرب البكر، الذي أثار فضولهم في علم الإنثروبولوجيا وعلماء اللغة، والتاريخ، وقد وُفِّرت لهم مجلة جديدة هي “أرشيفات المغرب archeve berber” وسيلة للتعبير في عام 1913، وسرعان ما أصبح من الضروري إضافة مجموعة من المنشورات، والتي ظهرت فيها بعض الأعمال المهمة في علم اللغة والقانون الإسلامي، والإنثروبولوجيا، ولدت جميعها بالمغرب، نتيجة بحوث مبكرة.

ارتبطت المدرسة والجمعية برباط وثيق مع مؤسسة التعليم العالي أثناء تكوينها، بالرغم من بدايتها المتواضعة، إلا أنهما لبَّتا حاجة مزدوجة استدعت تطويرهما.

وبموجب مرسوم وزاري صدر في 18 شتنبر 1921 حُوِّلت المدرسة العليا بالرباط إلى معهد الدراسات العليا المغربية، يعمل على إعطاء موظفي المراقبة المدنية وضباط الاستعلامات، بالإضافة إلى المعرفة الضرورية لأداء مهامهم، تعليما عاما يُؤهل بعضهم على الأقل للمساهمة الفعالة في البحث العلمي في البلاد، علاوة على ذلك، يجد أبناء الموظفين المدنيين والمستوطنين والوجهاء المحليين، بعد تخرجهم من ثانوية الدار البيضاء، أو كليات الرباط ووجدة، أو الكليات الإسلامية في المعهد، الوسائل اللازمة لتوسيع آفاقهم التعليمية، ويكتسب بعضهم العناصر الأساسية للتحضير لامتحانات درجة الإجازة التي سيخوضونها لاحقا في الجامعات الفرنسية.

مهما كانت أهمية هذا الدور التعليمي وفائدته، فإنه يبقى ثانويا، إذ الهدف الرئيسي للمعهد، يتمثل في تحفيز وتشجيع البحث العلمي، المتعلق بالمغرب وسكانه، وتنسيق النتائج وتوحيدها، ونشر المعرفة، باللغتين العربية والبربرية، والجغرافية، والتاريخ، والإثنوغرافيا، والحضارة المغربية.

بالطبع هذا البحث الأهلي، هو أكثر من مجرد جهد جماعي، إنه عمل متخصصين، لكن المعهد يجمعهم، ويوفر لهم أحيانا متعاونين، ويتيح لهم خلال اجتماعات شهرية، فرصة اللقاء وتبادل الأفكار، وتوفر لهم مكتبة المحمية، التي أنشئت بالتعاون الوثيق مع المعهد، أدوات بحثية عديدة، وهي في ازدياد مستمر.

تنشر مجلة (هيسبريس) الفصلية التي دمجت فيها “المحفوظات البربرية” مع “نشرة معهد الدراسات المغربية العليا”، نتائج عمل الفريق، بينما تنشر مجموعة المنشورات (ثمانية مجلدات منشورة) أعمالا طويلة الأمد.

قبل الشروع في أعمالها الأهلية، سعى المعهد في مؤتمره الأول الذي عقد في يونيو 1920 إلى تقسيم الدراسات المغربية، وقدم كل مشارك، ضمن مجاله، عرضا موجزا، محددا الوضع الراهن للبحوث، ومسلطا الضوء على نقاط الضعف والثغرات، وممهدا الطريق لدراسات مستقبلية.

وأظهر المؤتمر الثاني الذي عقد في مايو 1921 جاهزية المنظمة للعمل، أما المؤتمر الثالث الذي عُقد مؤخرا فقد حقق نتائج مشجعة للغاية، وتعطي التقارير التي قرأها الأمين العام، والعديد من المتخصصين، فضلا عن الأعمال الجغرافية والتاريخية والأثرية التي عرضت في المؤتمر، انطباعا واضحا عن جهد منهجي وعمل جاد ومثمر.

ومن السمات الجديدة والمثيرة للاهتمام لهذا المؤتمر، مشاركة عدد كبير من الباحثين المحليين، ورغم اختلاف موضوعات أبحاثهم ومناهجهم عادة عن مناهجنا، إلا أنهم يمثلون قوة تقليدية، يجب علينا السعي إلى تكييفها وتطويرها.

إن قدرتنا على النجاح في هذا المؤتمر، هو أن نصبح أفضل -على الأقل- متعاونين في عملنا، وهو ما سمعنا في الخطاب البليغ والملهم، الذي ألقاه مندوب الصدر الأعظم لشؤون التعليم، السيد محمد الحجوي، خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر وإلى جانب المارشال ليوطي الذي أصر على رئاسة الجلسة.

جلس أصحاب السعادة؛ الصدر الأعظم، وحاجب جلالة السلطان، ووزراء الأوقاف والعدل، وكانت الجلسة الأهلية بامتياز أكثر تميزا، حيث قدم السيد محمد الحجوي باسم الصدر الأعظم لجمهور عربي بالكامل، خطة ومزايا أساليب التدريس والثقافة الفرنسية.

قرأ عدد من علماء المسلمين أوراقا بحثية، ومن بين هذه الأوراق، برزت دراسة قيمة ومبتكرة للسيد العربي ناصري، سكرتير وزير العدل، حول تاريخ القانون الإسلامي في المغرب، وقد رأينا أنه من المفيد نشر ثلاث من الخطابات التي ألقيت في المؤتمر، لأنها مليئة بالأفكار الجوهرية وتعكس فخرا كبيرا ليس فقط بالنشاط العلمي المغربي، ولكن أيضا، بالأساليب السياسية الفرنسية

1- خطاب السيد هاردي

مدير عام التعليم العمومي

“سعادة المارشال

أصحاب السعادة

سيداتي سادتي

قد يستغرب المرء من عقدنا مؤتمرات حيوية ونشطة للغاية، واجتماعاتنا الدورية، وجلساتنا الشهرية بشكل منتظم تماما، وعرضنا نماذج من أعمالنا في نشرتنا التفصيلية، علاوة على ذلك، لا تتخلل مآدبنا واستقبالاتنا، سوى بضع خطابات روتينية، فهل هذا بدافع التقليد فحسب؟ أم أننا أسسنا هذا النظام وسعينا إليه؟

بالتأكيد لا، ونوايانا واضحة تماما، فالمؤتمر السنوي تحديدا، يعد فرصة بل واجبا، لمراجعة الضمير، بل الأفضل من ذلك، الاعتراف العلني، بأننا لا نعيش في أبراج عاجية، ونجد من الطبيعي والصحيح أن تظهر صدقنا.

ومن هنا كان الصدق واجبنا الأول كأعضاء في المؤتمر،

فلو حدث أن أخطأنا في أحد مشاريعنا أو تأخرنا فيه، أو كان عامُنا جافّاً، لكن علينا أن نعلن ذلك، ونعلم به، هكذا نجد أنفسنا مخولين، دون تواضع زائف، بالإشارة إلى جوانب مهمتنا التي يمكن اعتبارها ناجحة.

وإليكم ما يمكننا من تقييم لنشاطنا لعام 1922.

خلال المؤتمر الأخير”أعلنتُ عن تعزيز الهيئات المركزية، وتوثيق الروابط مع الهيئات الخارجية وتكثيفها”، وقد قمنا بتوضيح هذه الصيغة العامة وترجمتها على النحو التالي:

فبدلا أن يكون معهد الدراسات المغربية العليا، مجرد كيان منفصل عن المدرسة العليا للغة العربية واللهجات الأمازيغية، فقد استوعبها بالكامل، وأصبح أساتذة المدرسة مديرين للدراسات في المعهد، وأصبح تنظيم العمل العلمي أولوية رسمية في العمل الأكاديمي، وفي المراكز الرئيسية في المغرب، كلفت لجان محلية بتجميع الباحثين، وإجراء مسوحات تفصيلية، وتوسيع شبكة مرنة في جميع أنحاء المحمية.

من جهة أخرى، تعززت تقاريرنا مع الأوساط العلمية الأهلية، التي قمنا بإيجادها وتنظيمها، وأغتنم هذه الفرصة لأعرب عن خالص امتناني لسعادة السي الحجوي، نائب الصدر الأعظم للتعليم العام، الذي تابع جميع اجتماعاتنا التي تميزت بنشاطها العلمي المحافظ والودي، والذي كان لنا عونا دائما في تنسيق جهودنا.

سيختتم المؤتمر الحالي بجلسة أهلية خالصة، تعد بأن تكون مثيرة للاهتمام، ولن يغيب عن العالم الإسلامي بالتأكيد طابعها الجديد، علاوة على ذلك، سيُستهل هذا التعاون المنشود، ويعزز بشكل فريد، من خلال نظامنا للتعليم العالي الإسلامي، الذي اتخذ هذا العام شكلا نهائيا ومبتكرا للغاية في قلب الإسلام، مما يتيح لنا الأمل في نهضة مغربية لعلوم إسلامية خالصة.

ها قد دُشِّن الجِسر الذي حَلمنا ببنائه نحو فرنسا على يد زوار مرموقين وهم السادة: ديشت، ومال، وجيزيل، وأغوستين برنارد، الذين وافقوا في أكتوبر 1921 على استضافة المعهد، والذين أظهروا له منذ ذلك الحين، دعما فاعلا ومتواصلا.

كان من المقرر أن تعبر قافلة جغرافية كبيرة، مؤلفة من شخصيات بارزة الجسر نفسه، هذا الخريف، إلا أن إضراب الأعضاء المسجلين، أدى إلى تأخيره فقط، باختصار من الواضح أنهم لم يعودوا معزولين.

يبدو أيضا أن أساليب عملنا قد اتخذت، وإن كانت بطريقة ملتوية، المسار الذي كنا نرغب فيه، فلا أحد هنا ينعزل في ركنه، متسترا بأيدي الكيميائيين على الأسرار التي انتزعت من البلاد أو المحفوظات، بل تسود روح التعاون والتكاثف في هذا المكان، دون أن تهدد أي شخصية فردية أدنى تهديد، إذ يمكن للجميع الاعتماد على نصيحة أو بحث مجاوِريهم، وهنا أحد أعمالنا المُوقَع باسم واحد، يمثل جهدا جماعيا جادا للغاية، والأفضل من ذلك، أن طلابنا ملمون بشكل منهجي بهذا المفهوم القديم والحديث في آن واحد، للفريق العلمي: فعلى سبيل المثال لا الحصر، قام طلاب دورة علم اللهجات العربية -بعمل مشترك بشكل جماعي، تحت إشراف أستاذ- بدراسة حول عمل الجلد بالرباط، وهي دراسة تتقدم بسرعة، وستمنحهم إلى جانب عادات البحث والكتابة الجيدة، شغفا بالبحث المستقل.

لقد تحسنت مواردنا، افتتحنا مركزا للتوثيق الجغرافي، لا يزال متواضعا، لكنه يضم غرفة خاصة به، مؤثثة بالكامل، والذي بفضل جهود حثيثة، يرسخ وجوده ويتوسع، كما أنشأنا بدعم من دائرة الآثار التاريخية، ودائرة الفنون الأهلية، مختبرا لتاريخ الفن، سيتبادل الوثائق مع مؤسسات مماثلة في فرنسا والخارج، وسيوفر لنا الوسائل اللازمة لدراسة كنوز هذه الأرض العريقة الفنون.

وأخيرا؛ وفي مكان قريب، تشيد مباني المكتبة العامة وفقا للخطة الموضوعة، وبتصاميم عصرية بالكامل، وسيجد الباحثون أو الزوار الفضوليون، سواء كانوا مقيمين في المغرب، أو عابرين به، قبل عام 1923 ظروفا مثالية للتوثيق والهدوء والراحة.

جورج هاردي (موظف سامي)

لقد تحسنت مرافقنا، فافتتحنا مركزا للتوثيق الجغرافي لا يزال متواضعا، ولكنه يضم غرفة خاصة به، مجهزة بالكامل، والذي يفضل بعض اللمسات الإبداعية يستحق بجدارة وجوده وتوسعه، كما أنشأنا بدعم من دائرة الآثار التاريخية ودائرة الفنون الأصيلة، مختبرا لتاريخ الفن، سيتبادل الوثائق مع مؤسسات مماثلة في فرنسا وخارجها، وسيوفر لنا الوسائل اللازمة لدراسة كنوز هذه الأرض العريقة للفنون، بطريقة علمية دقيقة، وأخيرا، وعلى مقربة منا، يجري تشييد مباني المكتبة العامة وفقا للخطة الموضوعة، وبتصاميم حديثة بالكامل، وسيجد الباحثون والزوار الفضوليون سواء كانوا مقيمين في المغرب أو عابرين به، موارد بحثية لا مثيل لها، قبل نهاية عام 1923.

سيظهر أمين المؤتمر أن المهام التنظيمية لم تستحوذ على كل نشاطنا، فقائمة الأعمال المنشورة التي يعمل عليها حاليا، مثيرة للإعجاب، كمّا ونوعا، والحقيقة أن اللغويات والإثنوغرافيا تحتلان بلا شك مكانة مرموقة في نطاق أبحاثنا، إلى جانب العلوم الأخرى، ولاسيما التاريخ، وعلم الآثار، وتاريخ الفن، والجغرافيا التي بدأت تُظهِر حيوية ملحوظة.

وكل المؤشرات تدل على أننا نسير نحو تحقيق منهج التقارب بين مختلف المجالات، التي طرحناه عام 1920 كأحد الأهداف الرئيسية لجهودنا، والمتمثل في هذا الربط والموجهة بين المناهج المتحقق الآن.

أجل هذا في رأيـي ربما يكون الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في نتائج مؤسستنا الحالية لتحديد ميزانيتنا الحقيقية، لا يجب أن نكتفي بالنظر إلى ما نبنيه أو ما ننتجه، بل يجب أن نضيف أيضا عمليات الاستحواذ التي قد تكون أقل وضوحا، ولكنها بالتأكيد أكثر أهمية، ولها مستقبل واعد، أعني هذا الدافع نحو الإنجاز، وهذا الشغف الفكري الرائع، وهذه الأجواء المفعمة بالفرح الخالص، والتنافس النبيل الذي يزداد قوة بعد قوة، ويربطنا جميعا أكثر فأكثر بهدف مشترك، هل يتعلق الأمر بتأثيث جلسات المؤتمر؟

المراسلات المقترحة كثيرة للغاية، هل من الممكن وضع خطة حملة عام 1923؟

ربع ساعة كافية، فالجميع بطريقة أو بأخرى تحت ضغط، وكل ما يريدونه هو وقت لترتيب ملاحظاتهم.

هل يعني هذا أنه لا توجد أي شوائب في هذه الصورة الواضحة؟ إليكم اثنتين أقل وضوحا:

أولهما عدم انتظام نشرة “نشرتنا” ستصدر ثلاثة أعداد موجزة متتالية، وهو أمر مؤسف بلا شك ومع أنه من الإنصاف الإشارة إلى أن الإطلاق بسبب بعض الظروف غير المتوقعة، تأخر قليلا، إلا أنه لا يقل أهمية عن مطالبة المحررين بمزيد من الانتظام والسرعة في تصحيح وتسليم مسوداتهم القيمة.

أما الثانية فهي بطء معظم اللجان المحلية في الشروع في المسار الذي أشرنا إليه، وهو مسار قد يكون مثمرا للغاية في الاستكشافات في عام 1923، سيتعين علينا اتخاذ التدابير المناسبة لمعالجة هذه الجوانب الضعيفة أو المريضة في عملنا، ولكنني أسرع لأضيف بأنه لا داعي للقلق. فأنت باق لنا سيدي المارشال، وفيّاً مثيرا للإعجاب

وأنا أومن بصوابك؛ فجوٌّ مُتَّقد يشتعل على هذه الثلة التي تراها وفقا لميولك كجبل سانت جينيفيف صغير، جذوة نقية لا تحترق إلا بجوهر مختار، وتجمع حول لهيبها أعدادا متزايدة من ذوي النوايا الحسنة، فرنسيين ومغاربة، عازمين على التواصل إلى التفاهم والتوحد في رحاب العلم الهادئة.

لقد أثبت رُدان براعته في العمل بالأقاليم، ونحن من جانبنا، نرغب في إثبات ذلك لهم مرة أخرى، إذ أسلافنا العظام لا ينقصهم الدليل على أن العمل الفكري والحياة الاستعمارية متناقضان جوهريا.

نرفض التسليم بأن الإجهاد المفرط يُحْمد الرغبة في النور، وأن المناخ يُضعف الروح، وأن اختلال التوازن البيئـي يُقمع الإدارة حتما، أو أن ضخامة المهمة المُلحة لا تترك مجالا للتأمل الموضوعي، نريد أن نرى تحت هذه الشكاوى الشائعة، الأعذار الواهية للمتعبين والعاجزين فقط.

من جهة أخرى كلما تقدمنا في مسيرة الاكتشاف ازداد انبهارنا بحداثة المجال الذي نخضعه للدراسة، نشعر بنوع من الإثارة الممتعة، وبنشوة الوجود التي تستوعب مشهد الإثارة، ونشوة الوجود التي تستوعب مشهد “البلدان الكبيرة الصامتة” التي يتعين غزوها أو استكشافها، ونعلم أيضا أن الوقت جوهري وأن الجماعات الاجتماعية التي تبدو جامدة في قوالب الماضي قادرة على التحول فجأة، وأنه من الحكمة الإسراع إذا أردنا أن ننقل للأجيال القادمة صورة دقيقة إلى حد معقول عن الناس والأشياء المحيطة بنا، فلماذا لا نعترف أخيرا بطموحنا في المجال العلمي، شيئا مختلفا تماما عن أقاربنا الفقراء؟ لطالما أدركت فرنسا أن أبناءها الذين تشتتوا على مدى قرن من الزمن في أرجاء العالم الأربعة، أنهم لم يكونوا رغم الظروف الصعبة، أقل ولاء ولا أقل فائدة؛ فهي تدرك تماما بوجود قادة عسكريين وإداريين تلقوا تعليمهم في الهند الصينية، ومدغشقر، والسودان، وشمال إفريقيا؛ وقد دربت فرنسا قواتها الاستعمارية تدريبا مكثفا للدفاع عن نفسها، وهي تسعى بوضوح، وستسعى بشكل متزايد إلى الحصول على عناصر أساسية من إمداداتها الزراعية والصناعية من مستعمراتها البعيدة، وهي تكشف باختصار أنها من خلال إنفاقها في الخارج، فهي تقوم بطريقة غير متوقعة باستثمار ممتاز، وأسست إلى جانب مؤسساتها التقليدية، مدرسة جديدة للتنظيم والمبادرة والذكاء.

والآن سيظهر هذا التجديد للقوة الفرنسية من خلال التعليم الاستعماري قريبا في المجال العلمي، كما هو الحال في المجالات العسكرية والإدارية، والاقتصادية، إن عملية النقل تفرض على عقولنا تلك العملية الشهيرة المتمثلة في البدء من الصفر، والتي يصعب القيام بها بمعزل عن الآخرين، إنها تجبرنا على التعامل مع موضوع يتحدى عاداتنا، وبالتالي على تعديل أساليب بحثنا والتفكير في أساليب جديدة، وإعادة النظر في مبادئ فلسفتنا العلمية بأكملها.

يسهل علي أن أبين أنه منذ أن بدأت فرنسا بالتوسع خارج حدودها التقليدية، استفادت العلوم الفرنسية استفادة مباشرة من هذا التوسع، بل وازدادت قوة في تلك المناطق النائية التي بدت وكأنها انحرفت عنها، هذا واضح تماما فيما يتعلق بالجغرافيا والعلوم الطبيعية والميكانيكية، ولكن هل الأمر أقل وضوحا بالنسبة للعلوم الأخلاقية؟

ألا ترى كل ما تسهم به اللغويات والإثنوغرافيا للشعوب الإفريقية والآسيوية، على سبيل المثال من عمقها وقيمتها في فهمنا العام للعقل البشري؟

هل يجوز لنا اليوم أن نتجاهل الدور الأصيل الذي لعبته هذه الشعوب في تاريخ العالم والمشاكل الكبرى الناجمة عن عواقب أفعالها؟

يبدو في الحقيقة أنه لإشباع فضولنا كباحثين متقدمين في السن، ولإعادة توجيه رؤيتنا كغربيين، قامت يد إلهية فجأة بتمزيق الحجاب الذي كان يفصلنا عن العالم بأسره، لذا كان دور علماء الحقبة الاستعمارية بارزا، ومسؤوليتهم جسيمة، وهذا يعني أن واجب المثابرة والتدوير الذاتي يقع على عاتقهم، وأن عليهم التمسك بمثل عليا سامية لرسالتهم، وأن الحرص على التأمل والنزاهة بجب أن يحفز مساعيهم العلمية ويدعمها ويوسع نطاقها، إنهم يجسدون فضائل الطليعة النبيلة: الشجاعة، والمثابرة، وروح التضحية، والرضا بالقيم الخفية، كل ذلك باختصار منذ فجر التاريخ، مكن العلم الحقيقي من تجديد قوته والحفاظ على نبله.

سعادة المارشال

أصحاب السعادة

سيداتي سادتي

أعلن افتتاح المؤتمر الثالث للمعهد العالي للدراسات المغربية”.

خطاب ممثل الصدر الأعظم بالتعليم الإسلامي

“سيدي المارشال

أصحاب السعادة

سيداتي سادتي

نشكركم جزيل الشكر على حضوركم المكثف لمؤتمر المعهد العالي للدراسات المغربية، إن حضور معالي المشير ليوطي المقيم العام، ومعالي الصدر الأعظم ومعالي الوزير يملآنا فرحا عميقا، إذ يجسد هذا الحدث التقدم الذي أحرزه المعهد في شتى مجالات النشاط العلمي.

نتقدم جميعا بالشكر الجزيل للمشير على تأسيسه هذا المعهد، وعلى اهتمامه المتواصل بنشر الدراسات المتعلقة بالمملكة المغربية، فإنشاء اللجان المحلية يشرك جميع أفراد الدولة الشريفة في هذا المسعى كما نشكره على مساعدته القيمة في التعاون بين الباحثين الأهليين والباحثين الفرنسيين، وعلى سياسة التعاون والوحدة المستمرة التي رسخها المعهد بكل أشكاله.

إن تعاون العلماء المتخصصين، وتعاونهم المتبادل في البحوث المشتركة الذي يتيح فائدة أشار إليها المتحدث السابق، سيعطي هذا التعاون نموا أكثر قوة، إذ سيستفيد كل طرف من خبرة زميله، والتاريخ خير دليل على ذلك.

فقد حققت شعوب ذات عبقريات مختلفة، من خلال تبادل إبداعاتها نتائج باهرة، ففي الشرق، قام الخلفاء العباسيون، وفي الأندلس قام الأمويون بترجمة مؤلفات يونانية وفارسية وهندية، وجنَوا منها فوائد جمة، وقد نبتت هذه البذرة العلمية بينهم وأثمرت الثمار التي نعرفها.

أما أوروبا فقد ترجمت مؤلفات عربية، وأبدت اهتماما بالحضارة والتاريخ الإسلاميين، واتخذتها منطلقا لتطويرها، ثم جاء دور أمريكا واليابان.

يقول المثل الشائع في بلادنا، غرس أجدادنا ونأكل من ثمار الأشجار التي غرسوها، ونغرس نحن ليأكل أحفادنا وأبناء إخوتنا من ثمار أشجارنا، اليوم تعلمت الأمم الإسلامية الملتزمة بالنهج العملي، من العلوم الأوربية، ليت إخواننا المغاربة يحذون حذوهم ويتوقفوا عن التشبث بالأساليب البالية.

العمل شرط أساسي لتقدم البشرية، فمن خلاله تحقق البشرية النتائج، ستستمر العلوم في النمو، وستظل العقول تنخرط في نقاش فكري إلى ما شاء الله.

محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي

تركز أنشطة المعهد بشكل خاص على التخصصات التالية:

تاريخ أجدادنا وجغرافية المغرب، والأدب والتاريخ المغربي، وعلم اللهجات العربية والبربرية، يقدم كل فرع من هذه الفروع فائدته الخاصة، فالعلم خير من الجهل.

من الضروري أن يأتي الباحثون الأهليون إلى هذا المعهد، وينضموا إليه، ويطلعوا على أبحاثه، ونتائجها، ويروا الكنوز التي يضمها من مؤلفات وكتب ومخطوطات وأدوات.

ما يزال هؤلاء الباحثون يجهلون أهمية المحفوظات التاريخية، مع أن مستقبل العلم يكمن في الحفاظ على آثار الماضي، لا يوجد بلد يُبدي سكانه اهتماما أقل بماضيهم منا، ولا حرصا أقل على صون محفوظاتهم الوطنية.

إذا كنا نتحدث عن ما بين النهرين، أو العراق أو اليمن،

أو بابل، فإننا نعرف تاريخها بتفاصيله، بفضل الحفريات والاكتشافات التي أجريت هناك، وسيكون الأمر كذلك هنا، كم من الكنوز مدفونة في أرجاء الأرض؟

ومن تاريخ البحث العلمي وعلم المكتبات، الذين يتمثلان في أروع مجموعة كتب من المغرب، أدوات عملية أسهمت في تطوير العلوم المغربية.

سنرى قريبا ثمار اجتماعاتنا ومؤتمراتنا الشهرية كما هو الحال هنا في مؤتمرنا السنوي، نستعرض إنجازات العام، مما سيؤكد جدوى هذه التجربة.

تحدث السيد هاردي عن البهجة التي يشعر بها الباحثون الفرنسيون عند لقائهم شهريا لتتبدل الأفكار، وبالمثل، نعرب عن أملنا في أن تثمر الأدبيات المغربية هنا، وأن تحظى بالتقدير في اجتماعاتنا، لعل هذا المعهد يكون لطلاب وباحثي الرباط وسلا، النور الهادي الذي ينير دربهم.

نطلق سهما بإذن الله، سيصيب هدفه، ونستعد للاستماع إلى محاضرات عربية بليغة لا تضاهى بلاغة، ستتناول إحدى المحاضرات التعليم الأهلي، وأخرى الأدباء المغاربة، وثالثة تاريخ المغرب، والأخيرة نشر الأعمال، لا شك أن هذه المؤتمرات ستلقى استحسانا من المثقفين.

كل هذا بفضل عناية سيدنا الإمام بمنه تعالى وأن يحفظ عائلة سيدنا أبي المحاسن مولاي يوسف بن مولاي الحسن، رحمة الله”.

خطاب المرشال ليوطي

“لقد قلت كلاما ممتازا، وبأفضل لغة، لم يفاجئنا هذا، فنحن معتادون على ذلك، وما قلته للتو هو ككل ما كتبته جيد جيدا.

لقد كنت مهتما جدا بخطاب السي الحجوي، ليس لأنه فاجأني، فأنا أعرفه وأعرف ما يقوله؛ لكن خطابه ربما فاجأ بعض الضيوف الذين ليسوا معتادين على السكان الأهالي، والذين ربما أعجبوا بهذا القدر من الدقة والتوثيق، حيث امتنع عن إحاطتها بغلاف أدبي كثيرا ما يزين الخطب، إنه تقييم حقيقي، وبرنامج حقيقي.

يسعدني أن أعرب له عن خالص تقديري، آمل أن يكون متفهما، فمع أنه لا يتحدث الفرنسية بعد، إلا أنه يفهمها تماما.

أشكر السيد هاردي على لطفه في التعبير عن اهتمامي بما يقومون به هنا، لا شيء أصدق من ذلك، أُولي هذا الأمر أهمية بالغة، ولا يسعنـي وصف مدى سعادتي برؤية هذا المركز الفكري يَنشأ هنا على هذا الجبل الصغير، الذي ازدهر بالفعل، بعد سنوات قليلة على إنشائه.

ما يسعدني أكثر هو تضافر جهودكم، سواء في مجالات التاريخ، أو تاريخ الفن، أو الإنثروبولوجيا، أو في مجال البحث الذي يُجرى بنشاط كبير، تحت إشراف السيد شيتيلان هناك من جانب جميع أولئك الذين يساعدوكم بمعرفتهم المتخصصة، جهد علمي أو أدبي أو فكري مثير للاهتمام للغاية.

من دواعي سروري حقا أن أرى ما يحدث حولنا هنا في الرباط، أمر بالغ الأهمية ومثمر، يجري على قدم وساق، ألا وهو انخراط السكان الأهاليين بشكل متزايد في عملكم، أعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا، لا أريد أن أبالغ في مدح أنفسنا، أناشد كل من يعرف شمال إفريقيا، لكنني أعتقد أننا لن نبالغ في التواضع إذا قلنا؛

بأن هذا الجهد المشترك بيننا وبين السكان الأهليين، لم ينفذ من قبل بهذه الطريقة المتواصلة والوثيقة، وهذا له دلالة بالغة الأهمية.

كلما قضيت وقتا أطول مع الأهالي، كلما ازداد شعوري بالانتماء إلى هذا البلد، أزْدادَ يقيني بعظمة هذا الأمة، بينما لم أجد في نقاط أخرى من إفريقيا الشمالية سوى غبار اجتماعي، وآثار أوضاع سابقة متعطشة للسلطة.

هنا بفضل استمرارية السلطة المضمونة في جميع السلالات التي تعاقبت على الحكم بشكل مستمر، رغم التوترات، في المؤسسات الأساسية، ووجدنا إمبراطورية قائمة، ومعها حضارة جميلة وعظيمة.

الدور السيء لليوطي في المغرب من خلال "الصناديق السرية" (ج.الأخير)
المارشال ليوطي

كان هناك اكتشاف مذهل عند وصولنا، كان الناس يتحدثون عن روائع المغرب، كآثار من ماض عظيم زائل، ولم يخطر ببالنا قط أن هذه الروائع لا تزال حية، لدينا مثال صارخ على ذلك في الفنون، فقد قيل إنها ضائعة، أو على وشك الزوال، ومع ذلك فقد كان كافيا استعادة النظام، لكي يعود هؤلاء الحرفيون والفنانون المهرة للظهور مجددا على مسرح الحياة،

لم يكن عليهم إحياء الفن المغربي، بل كان عليهم فقط منعه من الاندثار، وبالمثل في المجال الفكري مع عودة النظام، ومع تعمقنا في المجتمع المغربي، اكتشفنا علماء ومفكرين ورجالا بارزين كانوا يعيشون في عزلة.

ولكن شيئا فشيئا، وبفضل دِفْء التواصل، انفتحت العقول وتفهمت بعضها بعضا، لا شك أن حاجز اللغة ما يزال قائما، وأنا معجب جدا برجال مثل الوزير والباشا والشخصيات البارزة الأخرى الموجودة هنا، عندما أراهم يحضرون جلساتنا الطويلة حيث يغيب عنهم بالتأكيد الكثير من الأمور؛

إنها لفتة تعاطف ثمينة من جانبهم، لأني أدرك أن هذه الاجتماعات قد تكون مملة بالنسبة لهم، لكن هذا العائق يتلاشى يوما بعد يوم، كثير من أعضاء معهد الدراسات المغربية العليا لدينا، الذين يبذلون جهودا حثيثة، يتحدثون العربية، ومن بين غير الناطقين بها، يتعلمها الكثيرون، كما أن اللغة الفرنسية تدرس بشكل متزايد بين الشخصيات المغربية البارزة، الذين لم يكونوا على دراية بها عند وصولنا، وكثير ممن لا يتحدثون لغتنا يفهمونها جيدا.

يُبدي الجيل الجديد اهتماما والتزاما كبيرين بدراساتنا ويعمل جنبا إلى جنب معنا، لبناء جسور تواصل حقيقية يتميز هذا الجيل بميزة جديرة بالثناء، وهي شغفه بالبحث العلمي، واهتمامه بأحدث القضايا، واحترامه العميق لتقاليد هذا البلد، وحبه لتاريخه وعظمته، يمكن بناء مغرب جميل وجيد مع الحفاظ على هويته المغربية والإسلامية.

اعتمد على هذا الجيل ليكون سندنا الأقوى في الجهود التعاونية التي ستستمر هنا بين المسلمين والفرنسيين.

لقد أدركتم جميعا أنني أردت التحدث في بداية هذه الجلسات التي استمرت ثلاثة أيام، عن هذا الشعور بالتعاون الحميم والودي والعاطفي الذي يسود بيننا وبينهم، لن نحقق شيئا يذكر بدون، هذه الروابط الفكرية التي تمثل قوة المجتمع وشرفه وعظمته”.

ـــــــــــــــــــــــــ

أنظره في:

Le travail scientifique au maroc

Bulletin de comite de l,afrique francaise

Renseignement s colonieux 1923 pp 20-24

 

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
23°
الخميس
23°
الجمعة
24°
السبت
24°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة