القبض والسدل المنسي

25 فبراير 2026 14:48
د. عوام ردا على الرميد: هل يقبل المغاربة من بينهم من يجعل بيته وكرا للدعارة والفساد بحجة الفضاء الخاص؟!

هوية بريس – د.محمد عوام

من أزمة فكر المسلمين اليوم أنه يخوض معارك جزئية، على حساب قضايا كلية ومصيرية، ينشغل بالمستحبات وفضائل الأعمال على حساب الواجبات والفرائض، مما يدل على اختلال الموازين عنده، أعني موازين إقامة الأحكام الشرعية، وضبط نسبها ومقاصدها.

ويبدو أن المخالف سواء كان سياسيا أو أيديولوجيا قد فهم نفسية هذا الفكر المأزوم، فتراه يعمل جاهدا على إشغاله وتوريطه في مثل هذه القضايا، ولا يخفى أن هذا مدخلا من مداخل الفساد والاستبداد، حتى لا يفكر الناس في قضاياهم وقضايا أمتهم، وما هو جدير بأن يناضلوا من أجله، ولا يرغبوا عنه.

وما قضية القبض والسدل إلا نموذج مما ذكرت. ما كنا في حاجة إلى خوض معارك من أجل بيان سنية القبض، فيكفينا أنه ثابت بالسنة القولية والفعلية، ويرويه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه يبلغ عددهم ثمانية عشرة صحابيا، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن صلى بالسدل، ولا قال به، حتى إمام المالكية مالك بن أنس رحمه الله أثبت سنية القبض في موطئه، وهو مقدم على المدونة.

لكن لم يقل أحد من الأئمة ببطلان صلاة المسدل، لأنهم يعتبرونه من المستحبات وفضائل الأعمال في الصلاة، والصلاة لا تبطل إلا إذا اختل أو فقد ركن من أركانها وشروطها، كما هو منصوص عليه عند الفقهاء، ليس غرضنا أن نخوض ونفيض في ذلك، فمن أراد تفصيلها فليرجع إليه في مظانه.

اليوم نحن في حاجة للحديث عن القبض والسدل المنسي، وهو من الواجبات، ومعنى ذلك:

أن تقبض يديك عن المال العام، ولا تتخوض فيه، بغير حق وتنهبه، وتستعمله بخلاف ما هو منصوص عليه في القانون المنظم لذلك، فإن خوضك وتخوضك فيه مجلبة لسخط الله، وإضاعة لحقوق عباده. فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن خولة بنت ثامر رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة”.

فحينما يقبض المسلم يده عن التخوض في مال الله بغير حق، فقد سلم وأنجى نفسه من النار، أما إذا أسدلها فقد جلب على نفسه سخط الله. فهل فهم مسؤولونا وحكامنا معنى هذا القبض الواجب؟

وأن تقبض لسانك عن أعراض الناس، ولا ترسله في غيبتهم، وإذايتهم، وشهادة الزور عليهم، وتلفيق التهم إليهم، وجلب المصائب لهم. فهذا كله حرام بنصوص من القرآن والسنة.

وأن تقبض الدولة يدها عن التطبيع، والارتماء في الحمأ المسنون للصهاينة، وتسدلها في الإصلاح الحقيقي النافع والجاد، نفعا للعباد والبلاد. فإن التطبيع مجلبة للشر، وموقع في سخط الله، لأنه تعاون مع أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكيف لدولة مسلمة أن تفعل ذلك، وهي ترى إخوانها في الملة والدين يقتلون ويشردون ويبادون، ولا تنصرهم وتنتصر لهم؟ كيف بها تمد يدها للأعداء أليس هذا خذلانا وولاء لأعداء الأمة، وكل ذلك حرام.

وأن يسدل المسلم يده في الصلاح والإصلاح، ويقبضها عن الفساد والإفساد، فالله تعالى لا يحب المفسدين، وإنما يحب الصلاح والمصلحين، أن يسدل يده في كل أنواع الصلاح والخيور “وافعلوا الخير لعلكم تفلحون” فهو عام في كل خير وصلاح وفوز وفلاح.
وأما الحكام فعليهم أن يقبضوا أيدهم عن الظلم والفساد والاستبداد والطغيان، ويرسلوها في إحقاق الحق، وجلب المنافع، فإن أخطر شيء يهدد العمران، ويعرض الدول إلى الهلاك والزوال هو الظلم والفساد. ولكم في قصة فرعون عبرة، كيف أهلكه الله تعالى حين طغى وعتا عتوا كبيرا، وكان من المفسدين، فكذلك سنة الله تعالى في كل طاغية وجبار، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
أما نواب الأمة الذين يمثلونها في مجالس الشعب والبرلمان فعليهم أن يرسلوا أيديهم في المصالح العامة بإقامتها، وجلب المنافع والدفاع عنها وتحصيلها، ودرء المفاسد وتعطيها، فقد قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في(ميزان العمل): “فاعلم أن مراعاة مصالح العباد من جملة العبادة، بل هي أفضل العبادات. قال عليه السلام: “الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله“. وأن يقبضوها عن الخوض في الباطل، أو جلب قوانين والمصادقة عليها، وهي مضرة بعباد الله، أو الاسترسال مع ذوي السلطان في هواهم من غير نصح، أو الركون إلى الظالمين من الأجانب، بموافقتهم على باطلهم، وجلب مضارهم ومفاسد وجعلها قوانين تتحكم في رقاب عباد الله.

وأما العلماء فعليهم أن يرسلوا أيديهم وألسنتهم بالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقول الحق، ولا يركنوا إلى السلاطين ويقبضوا ألسنتهم، يتفرجون على غرق السفينة، ولا يبالون بما يقع، ويحاك لأمتهم ودولتهم من دسائس، طمعا في المناصب والإتاوات، والحظوة عند الحكام، فذلك لن ينفعهم يوم القيامة، وإن أشد خيانة خيانة أمانة التبليغ ورسالة البيان، وكتمان الحق. قال عز وجل: “وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون“. فكل عالم يسكت عن البيان وقول الحق ويكتمه، إرضاء لذوي السلطان فقد خان رسالته، ويحق عليه هذا الوعيد. والآية وإن كانت واردة في اليهود لكن حكمها يعم غيرهم، فقد ذكر القرطبي في تفسيره عن الحسن وقتادة: “هي في كل من أوتي علم شيء من الكتاب. فمن علم شيئا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة.”
وقال ابن عاشور بعد أن أفاض في تفسير الآية وبيان ما وقع فيه أهل الكتاب من التحريف والتزوير والتأويل لأكل أموال الناس بالباطل:”وهذه الآية وإن كانت في أهل الكتاب إلا أن حكمها يشمل من يرتكب مثل صنيعهم من المسلمين، لاتحاد جنس الحكم والعلة فيه” (التحرير والتنوير).

فإذا فهمنا هذاالنوع من القبض والسدل المنسي، وفعلناه في واقعنا وحياتنا الخاصة والعامة، فقد نكون إن شاء الله في منجاة من أمورنا الدنيوية والدينية. فهذا النوع هو الذي يغفل عنه كثير الناس، فبدل خوض معركة القبض والسدل في الصلاة، فلنحولها إلى معركة القبض والسدل في حياتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها.

وإني لأعجب من بعض المتزلفين المحسوبين على أهل العلم، من كونهم يعلمون الحق، ويعلمون سنة النبي صلى الله عليه، ومع ذلك يستنكفون عنها، ويتنكبون طريقها، حتى يرضى عنهم أسيادهم، فهذه خيانة للأمانة. ونعوذ بالله من الخذلان.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
24°
24°
السبت
25°
أحد
26°
الإثنين
26°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة