الكويت تعمم على مساجدها خطبة غد الجمعة عن المسجد الأقصى وهذا نصها

20 يوليو 2017 21:36
الكويت تعمم على مساجدها خطبة غد الجمعة عن المسجد الأقصى وهذا نصها

هوية بريس – وكالات

خطبة -المَسْجِدُ الأَقْصَى في قُلُوبِنَا- بتاريخ 27 من شوال 1438هـ الموافق  21/7/2017م، هكذا اختارت دلو الكويت أن تكون خطبة جمعتها غدا موحدة حول موضوع “المسجد الأقصى” وقيمته وما يتعرض له من اعتداءات، وهذا نصها:
المَسْجِدُ الأَقْصَى في قُلُوبِنَا

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَّفَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَالْمَسْجِدِ الْمُبَارَكِ الأَقْصَى، وَجَعَلَ الشَّامَ شَامَةَ الدُّنْيَا مِنْ غَرْبِهَا إِلَى شَرْقِهَا الأَقْصَى، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَدَّرَ الأَيَّامَ دُوَلاً بِعَدْلِهِ، وَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ بِفَضْلِهِ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَيْرُ مَنْ وَطِئَتْ قَدَمَاهُ ثَرَاهَا، وَعُرِجَ بِهِ لَيْلاً مِنْ أَقْصَاهَا، فَدَعَا لِلشَّامِ وَأَهْلِهَا وَبِهِمَا أَوْصَى، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمْ مِنْ خَلْقِهِ صَفْوَةً خُلَّصاً، وَزَادَهُمْ مِنْ لَدُنْهُ فَضْلاً لَا يُجْحَدُ وَلَا يُقْصَى، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمٍ يُجْزَى فِيهِ الطَّائِعُ بِطَاعَتِهِ، وَيُؤْخَذُ فِيهِ الْعَاصِي بِمَا عَصَى.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً، قَالَ تَعَالَى: )وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ( [الطَّلَاقِ:2-3].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِنَّ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَسْجِدِهِ الأَقْصَى مَكَانَةً سَامِقَةً فِي دِينِنَا، وَمَنْـزِلَةً شَامِخَةً فِي قُلُوبِنَا، فَهُوَ مَسْرَى نَبِيِّنَا r، وَمِنْهُ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَصَلَّى فِيهِ إِمَاماً بِالأَنْبِيَاءِ، كَمَا أَنَّهُ أَوَّلُ قِبْلَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإلَيْهِ تَحِنُّ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، تُضَاعَفُ فِيهِ الصَّلَوَاتُ، وَيُتَقَرَّبُ فِيهِ إِلَى اللهِ بِسَائِرِ الطَّاعَاتِ، دَرَجَ فِيهِ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَبِهِ تَعَلَّقَتْ قُلُوبُ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَتَعَبَّدَ فِيهِ الأَوْلِيَاءُ، وَرَخُصَتْ مِنْ أَجْلِهِ دِمَاءُ الشُّهَدَاءِ. وَقَدْ جَاءَ فِي بَيَانِ فَضْلِهِ آيَاتٌ قُرْآنِيَّةٌ، وَأَحَادِيثُ نَبَوِيَّةٌ؛ تُبَيِّنُ مَكَانَتَهُ وَفَضْلَهُ، وَتُظْهِرُ مَنـْزِلَتَهُ وَقَدْرَهُ.

وَقَدْ جَعَلَ اللهُ – سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى – لِبِلَادِ الشَّامِ عَامَّةً وَلِلْقُدْسِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى خَاصَّةً: جَعَلَ لَهَا فَضَائِلَ عَتِيدَةً، وَخَصَّهَا بِخَصَائِصَ فَرِيدَةٍ، وَمَيَّزَهَا بِمَزَايَا عَدِيدَةٍ؛ فَهِيَ الأَرْضُ الَّتِي قَدَّسَهَا اللهُ وَطَهَّرَهَا، وَأَعْلَى شَأْنَهَا بَيْنَ الْعَالَمِينَ وَأَظْهَرَهَا؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى مُخْبِراً عَنْ مُوسَى r: )يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ( [المائدة:21]، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي الشَّامَ.

وَهِيَ مُهَاجَرُ خَلِيلِ اللهِ إِبْرَاهِيمَ وَلُوطٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: )وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ( [الأنبياء:71] وَهِيَ أَرْضُ الشَّامِ. وهِيَ الأَرْضُ الَّتِي يَكُونُ الحَشْرُ إِلَيْهَا فِي قُرْبِ القِيَامَةِ، ويُنْشَرُ النَّاسُ عَلَيْهَا إِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ: «أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ» [رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ وصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

وَمِنْ تِلْكَ الأَرْضِ المُبَارَكَةِ المَذْكُورَةِ؛ عُرِجَ بِالنَّبِيِّ r إِلَى السَّمَوَاتِ الْعُلَى فِي حَادِثَةِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ الْمَشْهُورَةِ، قَالَ تَعَالَى: )سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ( [الإسراء:1].

عِبَادَ اللهِ:

وَتِلْكَ الأَرْضُ الْمُبَارَكَةُ هِيَ مَهْدُ أَكْثَرِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَهْوَى الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنَ الأَنَامِ، وَهِيَ خِيرَتُهُ مِنْ أَرْضِهِ؛ يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ؛ عَنِ ابْنِ حَوَالَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «سَيَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً؛ جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ» قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَاكَ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالشَّامِ؛ فَإِنَّهُ خِيرَةُ اللهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهِ خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ]. وَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ r لَهَا بِالْبَرَكَةِ إِلَى بَرَكَتِهَا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، وَفِي يَمَنِنَا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا].

وَهِيَ فُسْطَاطُ الْمُسْلِمِينَ وَمُجْتَمَعُهُمْ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ الْكُبْرَى فِي آخِرِ الزَّمَانِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: «إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ، إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ، مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ]. وَفِيهَا أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ، وَثَانِي الْمَسْجِدَيْنِ فِي الْبِنَاءِ، وَثَالِثُ الْمَسَاجِدِ فِي الْمَنْزِلَةِ الشَّمَّاءِ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ t قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

وَإِتْيَانُ المَسْجِدِ الأَقْصَى لِلصَّلَاةِ فِيهِ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ والآثَامَ، ويَحُطُّ الخَطَايَا والأَوْزَارَ العِظَامَ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: «لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ والنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ]. وهُوَ أَحَدُ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَيْهَا، وَأَحَدُ الأَمَاكِنِ الَّتِي لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ فِيهَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ r، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، وذَكَرَ النَّبِيُّ r وهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ الدَّجَّالِ فَقَالَ: «عَلَامَتُهُ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ كُلَّ مَنْهَلٍ، لَا يَأْتِي أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ: الْكَعْبَةَ، وَمَسْجِدَ الرَّسُولِ، وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَالطُّورَ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ].

وفِي تِلْكَ الأَرْضِ المُبَارَكَةِ سَتَكُونُ نِهَايَةُ أَعْظَمِ فِتْنَةٍ فِي الأَرْضِ وَهِيَ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ؛ حَيْثُ يَقْتُلُ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ المَسِيحَ الدَّجَّالَ؛ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ t قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ r الدَّجَّالَ… إِلَى أَنْ قَالَ: «فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ، وَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً، وَخَلَقَ الْخَلْقَ فَفَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ تَفْضِيلاً كَبِيراً، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ هَادِياً وَمُعِيناً وَنَصِيراً، وَلِلْكَافِرِينَ خَاذِلاً وَمَاحِقاً وَعَلَيْهِمْ ظَهِيراً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ هَادِياً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَتِهِ بِمَا رَزَقَكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ كَمَا أَمَرَكُمْ؛ يَزِدْكُمْ مِنْ فَضْلِهِ كَمَا وَعَدَكُمْ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

وَتِلْكَ الأَرْضُ الْمُبَارَكَةُ مَكْلُوءَةٌ بِحِمَى الرَّحْمَنِ، وَتَحْرُسُهَا مَلَائِكَةُ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ t قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ r يَوْمًا حِينَ قَالَ: «طُوبَى لِلشَّامِ، طُوبَى لِلشَّامِ» قُلْتُ: مَا بَالُ الشَّامِ؟ قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَجْنِحَتِهَا عَلَى الشَّامِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ].

وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا مَأْوَى الإِيمَانِ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي، فَعُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

وَهِيَ – زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ – مَحَطُّ رِحَالِ الصَّالِحِينَ، وَمَقْصِدُ الزُّهَادِ وَالْعَابِدِينَ، فَمَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلَّا وُلِدَ فِيهَا، أَوْ هَاجَرَ إِلَيْهَا، أَوْ وَطِئَتْ قَدَمَاهُ أَشْرَافَ الْبِقَاعِ فِيهَا، وَفِيهَا تَخْرَّجَ عُلَمَاءُ أَفْذَاذٌ وَرِجَالٌ، وَبَرَزَ قَادَةٌ نُجَبَاءُ وَأَبْطَالٌ، وَهِيَ مَهْدُ الدِّيَانَاتِ، وَأَرْضُ الْحَضَارَاتِ، وَإِذَا فَسَدَ أَهْلُهَا – وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ – فَلَا خَيْرَ فِيمَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ، وَلَا يَزَالُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ، لَا يُبَالُونَ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِنَّ أَرْضاً هَذَا شَأْنُهَا وَمَنْزِلَتُهَا، وَتِلْكَ فَضَائِلُهَا وَدَرَجَتُهَا: لِحَقِيقَةٌ أَنْ تُفْدَى بِالنَّفْسِ وَالنَّفِيسِ، وَأَنْ يُبْذَلَ لَهَا الْغَالِي وَالرَّخِيصُ؛ لِتُخَلَّصَ مِنْ بَرَاثِنِ الْيَهُودِ الْمُعْتَدِينَ، وَتُطَهَّرَ مِنْ دَنِسَ الصَّهَايِنَةِ الْغَاصِبِينَ، الَّذِينَ مَا بَرِحُوا يُدَنِّسُونَ الْمُقَدَّسَاتِ، وَيَنْتَهِكُونَ الْحُرُمَاتِ، وَيَبْذُلُونَ قَصَارَى جُهْدِهِمْ لِطَمْسِ مَعَالِمِ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وَنَسْفِ تَارِيخِهِ الْمُنِيفِ، وَدَفْنِ الْحَقَائِقِ الْمُشْرِقَةِ، وَإِبْرَازِ مَزَاعِمِهِمُ الْمُخَرَّقَةِ، فَلَا قِيمَةَ – كَمَا يَرَوْنَ – لِكِيَانِهِمُ الْمَرُومِ، بِغَيْرِ الْهَيْكَلِ الْمَزْعُومِ، إِلَى حَدِّ أَنْ وَصَلَ الأَمْرُ بِالصَّهَايِنَةِ إِلَى أَنْ يَمْنَعُوا إِقَامَةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى فِي هَذِهِ الأَيَّامِ؛ كَمَا شُوهِدَ وَنُقِلَ فِي وَسَائِلِ الإِعْلَامِ، مَعَ إِغْلَاقِ أَبْوَابِ الأَقْصَى عَنِ المُصَلِّينَ، ومَنْعِ المُتَعَبِّدِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَكَانَ مِنْ نَتِيجَةِ هَذِهِ الإِجْرَاءَاتِ التَعَسُّفِيَّةِ مُوَاجَهَاتٌ بَيْنَ سُلُطَاتِ الِاحْتِلَالِ وَالْفِلَسْطِينِـيِّينَ أَدَّتْ إِلَى سُقُوطِ شُهَدَاءَ وجَرْحَى، وَاعْتِقَالٍ وتَعَسُّفٍ وَتَعْذِيبٍ ، قَالَ تَعَالَى: )وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ( [البقرة:114].

إِنَّ جَبِينَ الإِنْسَانِيَّةِ وَالتَّارِيخِ – يَا عِبَادَ اللهِ- لَيَنْدَى لِمَا يَقُومُ بِهِ هَؤُلَاءِ مِنْ أَعْمَالِ تَخْرِيبٍ وَاغْتِصَابٍ لِبُيُوتِ الْمَقَادِسَةِ، وَتَشْدِيدِ الإِجْرَاءَاتِ وَمَنْعِهِمْ مِنْ بِنَاءِ بُيُوتِهِمُ الْمُتَهَالِكَةِ، وَعَدَمِ السَّمَاحِ لَهُمْ وَلَوْ بِتَرْمِيمِهَا؛ فَأَصْبَحَ لِزَاماً عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ أَنْ يَنْصُرُوا إِخْوَانَهُمْ فِي فِلَسْطِينَ؛ لِإِيقَافِ أَعْمَالِ الْحَفْرِيَّاتِ وَشَبَكَاتِ الأَنْفَاقِ تَحْتَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى؛ الَّتِي يَبْغُونَ مِنْ وَرَائِهَا هَدْمَهُ وَنَقْضَهُ؛ لِبِنَاءِ الْهَيْكَلِ الْمَزْعُومِ عَلَى أَنْقَاضِهِ، وَمِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْضاً إِنْهَاءُ سَائِرِ مُخَطَّطَاتِ الْكَيْدِ وَالْمَكْرِ وَالْعُدْوَانِ، وَتَحْرِيرُ الْمُقَدَّسَاتِ وَرَدُّ الْحَقِّ السَّلِيبِ إِلَى أَهْلِهِ.

وَإِنَّنَا لَعَلَى ثِقَةٍ وَيَقِينٍ؛ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ؛ كَمَا أَخْبَرَنَا الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى r؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ؛ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وَإِنَّ غَداً لِنَاظِرِهِ قَرِيبٌ. وَيَرْحَمُ اللهُ مَنْ قَالَ:

يَا قُدْسُ هَذِي خُيُولُ الْفَتْحِ قَادِمَةٌ فَأَبْشِرِي إِنَّ لَيْلَ الظُّلْمِ مُنْدَحِرُ

إِنَّـا لَمِنْ أُمَّـــةٍ اللَّـهُ يَكْلَــؤُهَـــا نَبِيُّـهَا أَحْمَـدٌ فَارُوقُهَــا عُمَرُ

أَقْـسَمْتُ بِاللهِ رَبِّي لَا شَرِيكَ لَـهُ يَا أُمَّةَ الْحَقِّ إِنَّ الْحَقَّ مُنْتَصِرُ

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الأَرْبَعَةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالأَئِمَّةِ الحُنَفَاءِ المَهْدِيِّينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْيَهُودِ الْغَاصِبِينَ، وَانْتَقِمْ مِنَ الصَّهَايِنَةِ الْمُجْرِمِينَ، وَرُدَّ الأَقْصَى الجَرِيحَ إِلَى حَوْزَةِ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَمَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَالشُّكْرَ عَلَى النَّعْمَاءِ، وَالصَّبْرَ عَلَى الْبَلَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ. اللَّهُمَّ آمَنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَعَافِنَا فِي أَبْدَانِنَا، وَاسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَاحْفِظْنَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً، سَخَاءً رَخَاءً، دَارَ عَدْلٍ وَإِيمَانٍ، وَأَمْنٍ وَأَمَانٍ، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.

لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M