المغرب: الجيل الجديد من برامج التنمية

17 أبريل 2026 07:45

المغرب: الجيل الجديد من برامج التنمية

هوية بريس – بلال التليدي

أثارت سياسة “الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة” في المغرب نقاشات عميقة حول مستقبل الديمقراطية، والجدوى من الأحزاب السياسية، ومن مشاركتها السياسية، وذلك غداة الاستعداد للاستحقاق الانتخابي التشريعي والجماعي الذي سيجرى في سبتمبر المقبل.

القوى اليسارية اعتبرت أن هذا الجيل هو استكمال لآخر حلقات إنهاء الديمقراطية، فهي ترى أنه لم تعد هناك فائدة من المشاركة في العملية الانتخابية، إن كانت المشاريع التنموية كلها ستدار من خلال وزارة الداخلية، وبأسلوب الشركات، بعيدا عن نخب السياسة، ومنطق المسؤولية والمحاسبة، فيما ترى نخب أخرى، قريبة من الإدارة الترابية، في المقابل، أن مشاريع التنمية تعطلت كثيرا بسبب التراتبية البيروقراطية التي تفرضها العملية الديمقراطية، وأن كسب الأغلبية، لتمرير المشاريع، أضحى يخضع لاعتبارات سياسية وانتخابية، ويمارس فيها كثير من الابتزاز المالي، وذلك كله على حساب مصلحة الساكنة، وأن التحديات المرتبطة بالنهوض، ومواكبة استحقاق تنظيم كأس العالم، صار يفرض مستوى عاليا من الفعالية ، وذلك لا يكون إلا بتدبير مباشر من وزارة الداخلية، تحت إشراف الولاة والعمال، وبتنفيذ نخب تكنوقراطية مؤهلة.

الأحزاب الإصلاحية الوطنية، ومنها الإسلاميون، انتقدت هذه البرامج في البداية، لكنها، فضلت في نهاية المطاف أن تتكيف معه، ما دام الأمر، قد صدر عن مجلس وزاري يرأسه الملك، وهي في جميع الحالات لن تكون ضد إرادة الملك، ولا تحب أن تربك معركتها، وتغير من طبيعة الصراع، كما تتصوره، ولذلك لا نجد في خطابها سوى استمرار المفردات السابقة، أي محاربة الفساد والريع، وتضارب المصالح، دون وضع هذه القضية في أولويات النظر السياسي.

والذي يثير الانتباه أن خطاب الإسلاميين، في الأسبوع الماضي حمل جديدا، فالمعركة وإن كانت مع ما يسمونه بـ”التحكم”، فالتحكم قد يكون أحيانا مفيدا حسب تصريح الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، فبفضله تمت إزاحة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وهو مكسب كبير للديمقراطية، حسب الخطاب نفسه!

الذين تتبعوا خطاب الوطنية الإصلاحية والإصلاحية الإسلامية، خرجوا بنتيجة مهمة، وهو أن هذه النخب، بواقع من ضعفها، أنتجت “أطروحة ضمنية” تميز بين مستويات التحكم، وأن بعضه قد يكون أرحم من بعض، بل إن بعضه قد يكون مفيدا في مسار الإصلاح، وأنه لا يمكن بحال أن تحلم نخب الإصلاح بإمكان هزيمة التحكم، أو هزيمة الريع، أو هزيمة الفساد، بل لا بد من التعايش مع التحكم!

لا يهم مناقشة هذه الأطاريح الجديدة في تماسكها، وإنما ينبغي تحليلها في سياقها، أي في سياق تكيف الفاعل السياسي مع مبادرات الدولة، التي تبدو وكأنها تحمل تقييما مختلفا لدور الأحزاب والنخب السياسية.

الملك كان دائم النقد للأحزاب السياسية، وفي بعض المحطات انتقد بقسوة حادة الأحزاب واتهمها بدفع الجمهور للاحتكاك المباشر بالملكية، وأنها غائبة تماما عن القيام بدورها في الوساطة، لكن الأحزاب الإصلاحية، تنظر للمآل الذي انتهى إليه المشهد السياسي بشكل مختلف، وتعتبر أن ضعف الأحزاب، وهامشيتها، وعدم تأثيرها، يعود إلى إشكال بنيوي مرتبط بأدوار السلطة، وتدخلها في المشهد السياسي، واضطلاعها بصناعة خرائطه.

الدولة، حسب ممارستها، سواء منها الداخلية أو حتى الخارجية، تميل إلى الهدوء والإنجاز في صمت، والفعالية، وقد مارست قطيعة كلية مع ممارسة العهد السابق (الحسن الثاني)، من جهة الدخول في معارك مع المعارضة السياسية، وقد بدأ عهد الملك محمد السادس بالرهان على الدمقرطة، لكنه انتهى في نهاية المطاف، بفعل ضرورات الإقلاع واقتناص الفرص، إلى البحث عن الفعالية والإنجاز، وعدم رهن التنمية بديناميات الصراع السياسي.

ومهما يكن تمثل الدولة لاستحقاقات التنمية واٍرساء قواعد العدالة، فإن الواقع، من حيث كونه تعبيرا عن مخرجات السياسة، التي تفزرها العملية الانتخابية، ومخرجات سياسات التنمية، التي بدأت تخرج عن بنية المؤسسات الديمقراطية، يسير في اتجاه مزيد من تكريس الفوارق الاجتماعية، وإبعاد المسؤولية عن المحاسبة، وخلق فرز متناقض، بين نخب تتولى التدبير ولا تحاسب، ونخب أخرى سياسية، لم يبق لها شيء كثير من الصلاحية في مباشرة الفعل التنموي، لكنها هي التي تخضع للمساءلة.

هناك اليوم ثلاث أطاريح تؤطر نقاشات ما بعد الديمقراطية في المغرب: أطروحة تقليدية، تتمسك بالديمقراطية، وعلاقتها الطردية مع التنمية، فلا تنمية إلا بالديمقراطية، والنخب التي ينبغي أن تدير التنمية هي النخب التي أفرزتها صناديق الاقتراع، ولذلك، ترى أنه ينبغي أن تكون العملية الانتخابية شفافة ونزيهة، وينبغي أن يؤطرها إصلاح دستوري يضع مزيدا من الصلاحيات التنفيذية في يد رئيس الحكومة.

الأطروحة الثانية، مقابلة، ترى أن الديمقراطية مهمة، لكن في الحدود التي لا ينبغي أن تعطل الإنجاز والفعالية، وأنه بالإمكان خلق المزاوجة بين متطلبات الديمقراطية ومتطلبات التنمية السريعة والفعالية، وأن الجيل الجديد من برامج التنمية يمثل هذه الصيغة التوفيقية، ويمثل البديل، وأن التحديات الكبرى التي يواجهها المغرب تتطلب المضي إلى هذا الأفق.

الأطروحة الثالثة، أطروحة الوطنية الإصلاحية والإسلاميين، وهي التي تخلت عن عمقها الفكري والسياسي، واستسلمت لمنطق التكيف، وأنتجت توفيقيات تناقضية تبقي على مساحة من المناورة، فما دام التحكم بعضه مفيد، وبعضه مضر، فهذا يعني أن مساحة المواجهة مستمرة، لكنها ستكون جزئية وانتقائية، وتوفر أريحية في التموقع مع التحكم ضد التحكم، وأن مشاريع الجيل الجديد، هي مسألة مرهونة بمدى زمني يحكمه استحقاق تنظيم كأس العالم، وليس استراتيجية، ولذلك، فأفضل طريقة للتعامل معه هو التكيف، مع حسن التموقع السياسي، فالتموقع السياسي والانتخابي مهم، حتى ولو سحب جزء من البساط من نخب السياسة، لأنه يخدم مصلحة الجاهزية لمواجهة ما بعد انتهاء صلاحية هذا الجيل الجديد من البرامج التنموية التي تقتل السياسة في حال استمرارها.
في التقييم، الأطروحة الأولى أضحت ضعيفة في أفقها حتى ولو حافظت على تماسكها الفكري والسياسي، وتبدو الثانية، أي أطروحة الفاعل الأقوى، مهيمنة، ولا تجد أي مقاومة، وتستمد قوتها من ضعف نخب السياسية، ومن الاستحقاق التنموي وتحدي جاهزية المغرب لتنظيم كأس العالم، ومن غياب جواب عن ضعف بديل السياسة، ما دام الإسلاميون، رغم هزيمتهم الانتخابية سنة 2021، يشكلون في واقع الأمر القوة السياسية شعبيا، ثم رابعا، من تكيف القوى الوطنية الإصلاحية معها وعدم ممانعتها.

أما الأطروحة الثالثة، التي يحكمها التكيف، فيفسرها، رفض الاصطدام ببنية الدولة أولا، وواقع ضعفها السياسي، ثانيا، ووجود إمكان للمناورة بالتمييز بين مستويات التحكم، والتعامل مع بعضه، ومواجهة البعض الآخر ثالثا، ورابعا، أملها في أن يكون الوقت خادما بها.

الشيء الوحيد الذي بيد القوى الوطنية والإصلاحية الإسلامية بالمغرب، هو الزمن، فالتجارب السياسية، أثبتت أن التغييرات الأساسية التي تتم في حقل السياسة المغربية تتم إما بتغيرات دولية إقليمية، أو بأزمات اقتصادية واجتماعية تضطر الحكم إلى التفكير في الرهان على القوى الإصلاحية، أو ضرورات الانتقال الصعبة، التي تتطلب أحيانا طلبا على الدور الإصلاحي. ما عدا ذلك، تبقى أطروحة التكيف جزءا من أزمات النخب السياسية المغربية، وليس فقط الإسلاميين.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة