الولاء والبراء بين الأصل العقدي والتحريف السياسي

14 مارس 2026 15:28

الولاء والبراء بين الأصل العقدي والتحريف السياسي

هوية بريس – نور الدين درواش

الولاء والبراء أصل عقدي دل عليه الكتاب والسنة، وهو من لوازم تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن توحيد الله في العبادة يستلزم توحيده في المحبة والنصرة، فيحب العبد ما أحب الله، ويبغض ما أبغض الله، ويوالي أولياءه، ويتبرأ من أعدائه، على وجه منضبط بالعدل والشرع.

قال الله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ [المجادلة: 22].

وهذه الآية نصٌّ في أن الموالاة القلبية والنصرة العملية لا تجتمع مع حقيقة الإيمان إذا تعلقت بمن حادَّ الله ورسوله.. فدل ذلك على أن رابطة الإيمان مقدمة على كل رابطة، وأن المعيار في الولاء والبراء هو موقف الشخص من الدين، لا نسبه ولا وطنه.

وجاءت السنة مؤكدة لهذا الأصل؛ فقد روى أحمد بن حنبل في المسند عن معاذ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أفضل الإيمان أن تحب لله، وتبغض في الله، وتعمل لسانك في ذكر الله».

وروى الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله».  فجعل النبي ﷺ هذا المعنى من أوثق عرى الإيمان، أي من أشد ما يتمسك به العبد في دينه.

وقرر أهل السنة أن الولاء والبراء يتفاضلان بتفاضل ما في العبد من الإيمان والمعصية؛ فيوالى المؤمن على قدر طاعته، ويبغض على قدر بدعته أو فجوره، من غير إخراج له من دائرة الإسلام ما دام باقيا على أصله. كما أن البراءة من الكفر لا تعني الظلم أو العدوان، بل يلتزم فيها العدل الذي أمر الله به، لقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ [الممتحنة: 8]. فهناك فرق بين البراءة العقدية وبين العدل في المعاملة.

غير أن هذا الأصل العقدي تعرض في العصر الحديث لاضطراب بَيِّن، خاصة بعد سقوط الخلافة العثمانية وتقسيم ديار الإسلام إلى دول قطرية متمايزة، ترتبط كل واحدة منها بسيادة وحدود وقوانين خاصة. ومع مرور الزمن انتقل ميزان الولاء عند كثير من الناس من الانتماء للأمة الإسلامية إلى الانتماء الوطني الضيق، حتى صار مفهوم المواطنة هو المحدد الأعلى للولاء والبراء، ولو تعارض مع مقتضى الأخوة الإيمانية.

ومن آثار هذا التحول أن دولتين مسلمتين إذا دخلتا في صراع مسلح لا يقوم على موجب شرعي، انقسمت ولاءات الشعوب تبعا للحدود السياسية، لا تبعا لميزان الحق والعدل. وقد يقع الانحراف عند بعض الخاصة المنتسبين إلى الدعوة أو العلم، حين ينزلون نصوص الولاء والبراء على مقتضيات الاصطفاف السياسي، فيجعلون المعيار هو الدولة لا الدين، والراية لا العقيدة.

ومن أشد صور الخلل أن تستعين دول استعمارية بمسلمين لقتال مسلمين آخرين، فيتحول الانتماء العسكري إلى أداة مواجهة بين أبناء الأمة الواحدة. وقد ظهر ذلك بوضوح في الحرب العالمية الثانية، حيث قاتل بعض المسلمين مع فرنسا وحلفائها، وقاتل آخرون مع ألمانيا وحلفائها، في حرب دولية لا تعلّق لها بنصرة الإسلام، وإنما هي صراع مصالح بين قوى كبرى.

وكذلك استعانت فرنسا بجنود (مسلمين) من السنغال والجزائر في حربها على المغرب المسلم زمن الاستعمار، فكان المسلم في صف المحتل يقاتل مسلما آخر في بلده. وهذه الوقائع تكشف كيف يمكن أن ينقلب مفهوم الولاء والبراء إذا جرّد من أصله العقدي وربط بمصالح الدولة أو بإكراهات السياسة.

ومن صور الانحراف أيضا اصطفاف بعض المسلمين في نزاعات معاصرة إلى جانب اليهود في مواجهة مسلمين آخرين، وهو ما يدل على أن معيار الولاء لم يعد عند بعضهم هو رابطة الدين، بل التحالفات والمصالح.

كما شهد العصر الحديث تحريفًا كبيرا لمفهوم الولاء والبراء قامت عليه مؤسسات غربية مغرضة تتحكم في بعض الطوائف الإسلامية، إذ ضخموا خطر المبتدع من المسلمين وخففوا من خطر الكافر الأصلي، حتى صار اليهودي أو النصراني يُفضل على المسلم المبتدع في المواجهات العسكرية، رغم وضوح القرآن والسنة في ترتيب الأولويات.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة؟

فأجاب: “..كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد ﷺ فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفرا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام. والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول ﷺ لا مخالف له لم يكن كافرا به، ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول ﷺ” [مجموع الفتاوى35/201].

وينصف شيخ الإسلام أهل البدع فيقول: “وقد ذهب كثير من ‌مبتدعة ‌المسلمين: من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين وهو خير من أن يكونوا كفارا، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزوا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثما بذلك ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين، وذاك كان شرا بالنسبة إلى القائم بالواجب وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير” [مجموع الفتاوى 13/96].

ويقرر عدل أهل السنة في معاملة أهل البدع فقول: “ألا ترى أن أهل السنة وإن كانوا ‌يقولون ‌في ‌الخوارج ‌والروافض وغيرهما من أهل البدع ما يقولون، لكن لا يعاونون الكفار على دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر وأهله على ظهور بدعة دون ذلك” [منهاج السنة6/375].

فالبراءة من البدع والضلالات وسائر الانحرافات العقدية لا تعني الارتماء في أحضان الكفر وأهله الذين هو أضل وأظلم، وخطرهم أعمّ وأكبر.

فالواجب إعادة ضبط هذا المفهوم وفق أصوله الشرعية؛ أن تكون الموالاة مبنية على الإيمان، والبراءة مبنية على الكفر والعدوان، مع التزام العدل واجتناب الغلو والتفريط. فلا يجعل الولاء أداة تكفير بغير حق، ولا يفرغ من مضمونه حتى يصير مجرد شعار لا أثر له. وبهذا يتحقق التوازن الذي دلت عليه النصوص، وتبقى عرى الإيمان موصولة بأصلها الذي جاء به الكتاب والسنة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
18°
22°
السبت
24°
أحد
23°
الإثنين
23°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة