بعد أن أعجزه الرجال الفايد يتجاسر على النساء!

بعد أن أعجزه الرجال الفايد يتجاسر على النساء!
هوية بريس – عابد عبد المنعم
لم يعد الأمر مجرد رأي شاذ أو اجتهاد معزول، بل تحول إلى خطاب متكرر يستهدف بشكل مباشر ثوابت دينية، ويطعن في مؤسسات قائمة على تأطير الشأن الديني، ويزرع الشك في نفوس العامة دون أي مسؤولية علمية أو أخلاقية. ما صدر قبل أيام عن المدعو محمد الفايد من هجوم لاذع على الواعظات والمرشدات داخل المساجد، ونعتهن بأوصاف قدحية قبيحة من قبيل “المنافقات”، يمثل انزلاقا خطيرا من دائرة حرية التعبير إلى مربع الإساءة الممنهجة للدين ومؤسسات رسمية للدولة.
إن وظيفة الوعظ والإرشاد داخل المساجد ليست نشاطا عشوائيا، بل هي جزء من مشروع وطني مؤطر تشرف عليه مؤسسات رسمية، في مقدمتها المجلس العلمي الأعلى الذي يرأسه أمير المومنين، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، هدفه حماية الأمن الروحي للمغاربة وتحصينهم من الانحرافات الفكرية والسلوكية. والطعن في هذا المشروع لا يُفهم إلا باعتباره استهدافا مباشرا لمرجعية دينية اختارها المغرب منذ قرون، قائمة على الوسطية والاعتدال.
الأخطر في هذا الخطاب أنه لا يقف عند حدود النقد، بل يتجاوزه إلى التشكيك في مصادر الدين، والاستهزاء بالتراث، وإثارة الفتنة بين الناس، ما يفتح الباب أمام فوضى فكرية قد تعصف بالاستقرار القيمي للمجتمع. فحين يتم وصف التراث العلمي للأمة بـ”الخردة”! وتهاجم كتب التفسير والسيرة والحديث النبوي ويطعن في إمام المذهب مالك بن أنس، وجهود العلماء والشعائر الدينية والواعظات، فإننا لا نكون أمام نقاش علمي، بل أمام محاولة لهدم الأسس التي يقوم عليها الوعي الجمعي للأمة المغربية.
ولا يمكن تجاهل أن مثل هذه التصريحات، خاصة حين تُبث عبر منصات واسعة الانتشار، يكون لها أثر مباشر على فئات واسعة من الشباب والنساء، ممن قد يفتقرون للأدوات العلمية التي تمكنهم من التمييز بين النقد الرصين والهجوم المؤدلج من فئات أدارت ظهورها للدين منذ زمان وناصبته العداء بوجه مكشوف.
من الناحية القانونية، فإن ازدراء الدين والطعن في مؤسساته ليسا مندرجين ضمن حرية التعبير، بل يخضعان لضوابط واضحة في التشريعات الوطنية، التي تجرم كل ما من شأنه المس بالمقدسات أو التحريض على الكراهية أو زعزعة الأمن الروحي. كما أن الشريعة الإسلامية، التي تشكل مرجعية أساسية في هوية المجتمع المغربي، تضع ضوابط صارمة لحماية الدين من العبث والتشويه.
إن الصمت أمام هذا النوع من الخطاب لم يعد مبررا، لأن الاستمرار في التغاضي عنه يمنحه شرعية زائفة ويشجع على مزيد من الانفلات. المطلوب اليوم، وفق أكاديميين ومختصين، هو تدخل حازم من الجهات المعنية، سواء عبر التوضيح والتأطير العلمي، أو من خلال المساءلة القانونية عند الاقتضاء، حماية للدين وصونا لاستقرار المجتمع الذي لا يمكن أن يُترك رهينة لأصوات تبحث عن الإثارة ولو على حساب ثوابته، ولا يمكن القبول بأن تتحول المنصات الرقمية إلى فضاءات مفتوحة للطعن في الدين دون رقيب أو مساءلة. فالدين في المغرب لم يكن يوما مجرد خيار فردي، بل هو ركيزة من ركائز الهوية الجماعية، وأي استهداف له هو استهداف للأمة في أمنها واستقرارها.
في الختام، يتعين التذكير بأن الفايد لم يستجب لدعوة المناظرة التي وجّهها إليه د.رشيد نافع، بل اختار الهروب إلى الأمام، منتقلا من تحدي الرجال (لي راجل فيكم يطلع!) إلى استهداف النساء الواعظات والمرشدات داخل بيوت الله (المنافقات!). هذا التحول يكشف نمطا يقوم على افتعال الجدل بدل مقارعته بالحجة، وعلى توسيع دائرة الاستهداف كلما ضاق عليه مجال الإقناع.
وتزداد خطورة هذا المسار حين يتقاطع مع روايات وتحذيرات متداولة، من بينها ما صرّح به صديقه السابق سالم المعطاوي، بخصوص وجود تحالف بين عصيد وأيلال والفايد، وأشخاص آخرين من الخليج واليمن والسينغال، وقنوات موجهة للمغاربة، الهدف منها زعزعة المعتقد وتشكيك المغاربة في ثوابت دينهم.
وأمام هذا الواقع، يصبح لزاما على المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها الجهات المشرفة على الشأن الديني والأجهزة المختصة، أن تنهض بواجبها القانوني والأخلاقي دون تردد أو تأخير. ذلك أن المساس بثوابت الدين، والترويج لخطاب متطرف، لا يدخل في مجال رأي وحرية التعبير، بل يعد تهديدا مباشرا للأمن الروحي للمجتمع، وتقويضا صريحا لقيمه واستقراره.



