بين حرية الفكر وفوضى التشكيك.. إشكالية الطعن في المحكمات الدينية والثوابت الوطنية

07 أبريل 2026 17:13

هوية بريس – ذ.إلياس اليوسفي

إن الخطاب الذي يريد بعضهم ترويجه من خلال بعض المنابر الفكرية في سياقنا المغربي، والذي يتخذ من الحرية الفكرية والنقد العلمي ستارا للترويج للإلحاد، والطعن في ثوابت الدين، والتشكيك في مكانة اللغة العربية، خطاب غير مسؤول علميا ولا دينيا ولا أخلاقيا ولا وطنيا، لأنه لا يقف عند حدود البحث المعرفي الرصين، بل يتجاوزه إلى تقويض المرجعيات الجامعة التي يقوم عليها تماسك المجتمع، ويفتح باب العبث بالمقدسات تحت دعوى التنوير، ويسلم عقول الشباب إلى شبهات مموهة تلبس لبوس العقل وهي في حقيقتها اضطراب منهجي وانفلات قيمي.

ثم نقول، هل هذا الذي يطرح اليوم يعتبر فكرا حرا بالفعل؟ فإن قيل نعم، لزمهم قبول كل قول، ولو كان هدما للإنسان وقيمه وثوابته، وهذا يفضي إلى سقوط معنى الحق والباطل رأسا. وإن قيدوها بمعيار، بطل إطلاقهم، وثبت أنهم يمارسون انتقاء إيديولوجيا لا حرية فكرية، إذ يوسعونها حيث توافق أهواءهم، ويضيقونها حيث تعارضها، فيقصون الخطاب الديني والمحافظ بدعوى الرجعية، ويحتفون بكل طرح ناقض للثوابت ولو كان خاليا من التحقيق العلمي. فظهر بذلك أن المسألة ليست حرية فكر، وإنما توجيه للفكر وفق خلفيات مسبقة، وهو عين ما يدعون إلى محاربته.

ثم إن هذا المسلك يقوم على خلط ظاهر بين النقد العلمي المشروع، الذي هو أساس كل نهضة، وبين الطعن العدمي الذي لا يبني معرفة ولا يقيم حجة، بل يكتفي بإثارة الشبهات وتفكيك المسلمات دون تقديم بديل معرفي متماسك. وهذا الخلط فادح في ميزان العقلاء، لأن النقد إنما يقصد به التقويم لا الهدم، والبناء لا الفراغ.

وقد يقال إن هذا من باب حرية التعبير، فنقول إن الحرية في كل الأنظمة الفكرية ليست مطلقة، بل مقيدة بعدم الإضرار بالمجتمع وقيمه الجامعة. فإذا تحول الخطاب إلى أداة لزعزعة العقائد والسخرية من المقدسات والطعن في اللغة التي هي وعاء الدين والهوية، خرج عن كونه حرية إلى كونه فوضى فكرية تهدد السلم الرمزي للمجتمع.

ثم إن استهداف بعضهم للغة العربية في هذا السياق ليس مسألة لغوية محضة، بل هو مساس بأحد أعمدة الهوية الحضارية للإسلام والمغرب، المرتبطة بدينه وتاريخه ووحدته الثقافية. ومن زعم أن إضعافها أو إحلال غيرها محلها مدخل للتقدم، فقد خالف ما استقر عليه علم الاجتماع اللغوي من أن اللغات ليست مجرد أدوات تواصل، بل حوامل للذاكرة والمعنى والانتماء.

وقد يقول بعضهم بأن الشباب يحتاج إلى تحرير العقل من القيود الدينية، فنقول إن هذا الطرح مبني على تصور قاصر للدين، إذ يقدمه كعائق لا كمصدر للمعنى والقيم. والحقيقة أن الإشكال ليس في الدين ذاته، بل في سوء فهمه أو تقديمه بصورة منفصلة عن مقاصده، أما تحويل هذا الخلل إلى دعوة لهدم الثوابت فليس إلا انتقالا من خطأ إلى ما هو أشد خطرا.

ثم إن من أخطر ما في هذا الخطاب أنه يحول الشك من مرحلة منهجية عابرة في طريق البحث إلى حالة دائمة يراد لها أن تكون أصلا قائما بذاته، فيفقد الإنسان يقينه دون أن يمنحه بديلا معرفيا مستقرا، فيبقى معلقا بين نفي لا ينتهي وفراغ لا يحتمل.
ولا زم هذا المسلك أن تصبح كل الثوابت محل مراجعة دائمة، لا على أساس علمي منضبط، بل تبعا للاتجاهات الفكرية المتقلبة، فيفضي ذلك إلى نسبية مطلقة تسقط كل معيار، وتجعل الحقيقة نفسها موضع تفاوض، وهو ما يفضي في النهاية إلى تفكك المرجعيات وانهيار الثقة في كل خطاب.

بل إن من لوازمه كذلك فتح الباب للطعن في كل مكونات الهوية، دينا ولغة وتاريخا، بدعوى النقد، وهو لازم باطل يكشف فساد هذا التوجه، لأن المجتمعات لا تقوم إلا على قدر من الثوابت المشتركة التي تمنحها الاستقرار والاستمرارية.

وهذا من دقائق الفرق بين النقد المسؤول الذي يراد به الإصلاح، وبين التوظيف الإيديولوجي للفكر من أجل الهدم، وهو فرق يغيب عن كثير ممن يتصدرون هذا الخطاب، فيحسبون ما يمارسونه شجاعة فكرية، وما هو في حقيقته اضطراب في المنهج، وخلل في تنزيل المفاهيم، وانفصال عن السياق الحضاري الذي ينتمون إليه.

وعليه، فإن حماية الفضاء الفكري في المغرب لا تكون بإغلاق باب النقاش، بل بضبطه بأصوله العلمية، وربطه بمسؤولية الكلمة، وصيانة ثوابته من العبث، والاحتكام إلى المحكمات الشرعية التي تشكل مرجعية ضابطة للفهم والاستدلال، والثوابت الدينية التي انعقد عليها إجماع الأمة واستقر بها وجدانها، حتى يبقى الفكر مجالا للبناء لا معولا للهدم، ووسيلة للنهضة لا أداة لاقتلاع الإنسان من جذوره، ولا ذريعة لتسييب الحقائق القطعية أو جعلها محلا للمساومة باسم الحرية أو التجديد.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°
22°
السبت
23°
أحد
24°
الإثنين
23°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة