بين فراقشية البهـْايم وفراقشية الدين!

بين فراقشية البهـْايم وفراقشية الدين!
هوية بريس – نبيل غزال
خلال الأشهر الأخيرة عاد إلى الواجهة بقوة مصطلح “الفراقشية”، وهو تعبير شعبي طريف ارتبط في الأصل بعصابات سرقة الماشية في العالم القروي، قبل أن ينتقل إلى البرلمان والخطاب السياسي والإعلامي ليصبح وصفا لكل من يقتات على الأزمات والفرص، ويستغل النفوذ لتحقيق امتيازات ومكاسب خاصة على حساب المصلحة العامة. ومع توسع استعمال هذا المفهوم، لم يعد مقتصرا على مجالات “البهايْم” والاقتصاد والمال، بل بات بالإمكان الحديث عن أشكال أخرى من التفرقيش، من بينها ما يمكن تسميته بفراقشية المجال الديني.
فكما يوجد من يتربح من معاناة المواطنين وأزماتهم الاقتصادية، كما شهدنا ذلك جميعا خلال عيد الأضحى الأخير، يوجد أيضا من يتربح من الخطاب الديني فيوظفه لمآرب خاصة وخدمة مشاريع ومخططات وأجندات مرتبطة بجهات رسمية وغير رسمية. وهؤلاء لا ينطلقون بالضرورة من كونهم موظفين أو مستأجرين؛ ولا يصدرون أيضا عن اجتهاد علمي مستقل أو رؤية شرعية معتبرة، بقدر ما ينطلقون من تقديرات مصلحية تجعلهم مستعدين لتبرير أي موقف أو قرار ما دام يعزز حضورهم ويقربهم من دائرة السلطة وأصحاب القرار.
وقد برز هذا النمط من الخطاب في عدد من القضايا التي أثارت نقاشا واسعا داخل المجتمع. فمن ذلك الجدل الذي رافق اعتماد الخطبة الموحدة في المساجد. فبدل فتح نقاش علمي هادئ حول إيجابيات هذا الاختيار وسلبياته، وحول تأثيره على وظيفة المسجد ورسالة الخطيب وحدود الاجتهاد الدعوي بعد مرور أكثر من سنة على دخوله حيز التنفيذ، اتجه بعض المتصدرين (وهم قلة بالمناسبة) للدفاع بأعين مغمضة عن القرار، مستندين إلى أخطاء معزولة قد يرتكبها بعض الخطباء، وكأن تلك الحالات الفردية تكفي للحكم على 23 ألف خطيب ظلوا يؤدون رسالتهم التربوية والدعوية بمسؤولية وكفاءة.
وهكذا تحولت الاستثناءات إلى قواعد، وأصبحت الأخطاء المحدودة مبررا لإضعاف المبادرات والاجتهادات التي كانت تمنح الحياة الدينية قدرا من الحيوية والتنوع والتفاعل مع قضايا الواقع والمجتمع. والأخطر من ذلك أن بعض الأصوات لم تكتف بالدفاع عن القرار، بل تعاملت مع أي رأي مخالف باعتباره فكرا دخيلا وخروجا عن الإجماع وتشويشا على اختيارات الأمة! وهو ما أضعف فرص النقاش المسؤول الذي تحتاجه مثل هذه القضايا المصيرية في الاختيارات المغربية في مجال التدين.
غير أن الوجه الأكثر وضوحا للفراقشية في المجال الدعوي برز مع التطورات المأساوية التي يشهدها قطاع غزة وما رافقها من موجة تضامن شعبية وحقوقية واسعة داخل المغرب وخارجه. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام من بعض الوجوه المتصدرة للدعوة على شبكات التواصل الاجتماعي الإسهام في تعزيز الوعي بحقيقة ما يجري، والدفاع عن القيم التي تنبذ الظلم والاحتلال والحصار والتجويع واستهداف الأبرياء والعزل، انشغل بعض المتحدثين باسم الدين بمهاجمة من يقاوم الاحتلال ومن يتضامن مع المستضعفين ويعمل من أجل فك العزلة والحصار عن القطاع.
فتحولت بذلك سهام النقد لدى بعضهم من أصل المأساة إلى ضحاياها والمتعاطفين معها، وأصبحت القوافل الإنسانية والمبادرات التضامنية والفعاليات الشعبية والكوفية الفلسطينية موضوعا دائما للتشكيك والتخوين والطعن في النيات. بل إن بعض الخطابات تجاوزت حدود النقد إلى المس بالشرف والأعراض وتوزيع الاتهامات الجاهزة وإطلاق أحكام قيمية لا يمكن القبول بها أبدا من شخص ينسِب نفسه إلى الدين ومجال الدعوة إلى الله.
واللافت للنظر أن الحماسة التي يبديها بعض هؤلاء في مهاجمة المتضامنين لا نجد لها الحضور نفسه عندما يتعلق الأمر بمناقشة السياسات الاستيطانية أو مشاريع الهيمنة والتوسع أو الانتهاكات الموثقة التي يتعرض لها الفلسطينيون، بل لا نجد عشر معشارها اتجاه حملات الكيان الإرهابي لهدم المسجد الأقصى المبارك، فبدل صرف الجهد الفكري نحو تحليل المخاطر الحقيقية التي تواجه الأمة والمنطقة برمتها، ينشغل البعض بتصنيف المخالفين وتوزيع شهادات الوطنية والشرعية عليهم، وإعادة تدوير -باسم الغيرة على الدين- لتهم المدينة الإعلامية بمصر (جهاد النكاح/قوارب النكاح) في مشهد بئيس يبعث على الغثيان، وكأن المشكلة الأساسية لم تعد الاحتلال ولا العدوان ولا الإبادة ولا الحصار.. بل أولئك الذين يرفعون أصواتهم احتجاجا على ذلك.
لقد علمنا التاريخ أن العلماء الذين احتفظوا بمكانتهم في وجدان الأمة لم يكونوا أولئك الذين سايروا المزاج الغالب وقرارات السلطة أو تاجروا بالمواقف، وإنما كانوا الذين حافظوا على استقلاليتهم الفكرية والأخلاقية، وانتصروا للدين الحق والمبادئ والقيم مهما كانت النتائج. ولذلك فإن مواجهة الفراقشية الملتحين ليست مواجهة مع أشخاص أو تيارات بعينها، بل هي دفاع عن مكانة الدين نفسه، وعن حق المجتمع في مرجعية واضحة وخطاب نزيه ومتوازن يحكمه ميزان العدل والإنصاف لا ميزان المصالح و”بَّاك صَاحبي” والحسابات الضيقة.
فإذا كان مصطلح الفراقشية في معناه الأصلي يطلق على سرقة ممتلكات الناس والسطو على أرزاقهم، فإن الفراقشية باسم الدين يمثلون اعتداء أخطر، لأنهم تستهدفون الوعي ويعبثون بالقيم ويشوّهون الحقائق. وإذا كانت خسارة المال قابلة للتعويض، فإن خسارة الوعي أكثر خطورة، ذلك أن الأمم تستطيع أن تستعيد ثرواتها المادية، لكنها تدفع أثمانا باهظة وأوقاتا لا حصر لها عندما تفقد بوصلتها الفكرية والأخلاقية وتصبح عاجزة عن التمييز بين الحق والباطل والنصيحة الصادقة والمتاجرة بالدين.



