بين نقد الخطب ونقد المنهج الذي أسست عليه! هل حقا كانت خطبة اليوم مسددة!!؟؟

13 فبراير 2026 22:23

هوية بريس – ذ.ادريس ادريسي

بين نقد الخطب ونقد المنهج الذي أسست عليه!.. هل حقا كانت خطبة اليوم مسددة!!؟؟

من عادتي أني لا أشيد بالخطب النموذجية(!!!) التي يمدحها العامة ويشيد بها الخاصة؛ ليس ذلك مني غمطا للحق، أو إجحادا للفضل والخير؛ بل لأن تقويم الخطب ليس لذاتها، وإنما للمنهج الذي أسست عليه، وهذا المنهج لا شك عندي في بطلانه، ولا ريب عندي في انحرافه واعوجاجه، ولو كان الخطأ أو الانحراف متعلقا ببعض الخطب دون بعض، لكان الصمت أولى وأسلم، مراعاة لهيبة المنبر، ومكانة المؤسسة، ومنزلة العلماء، لكن الانحراف، انحراف منهج لا انحراف خطبة، والفساد فساد في الرؤيا، لا فساد خطيب أو عالم فحسب.

وبيان ذلك وتفصيله؛ أن الدعوة إلى الله؛ أمر بالمعروف ونهي عن النكر، ومنابر الجمعة ليس للوعظ والرقائق فحسب (مثل: الصيام، الصلاة، الذكر، الإحسان…)، بل لمعالجة نوازل العصر أيضا (مثل علمنة مدونة الأسرة، أحداث غزة، نكبة إخواننا في الشمال والغرب…)، وأمانة التبليغ توجب مراعاة كل هذه الجوانب في بناء الخطب وتنزيلها، وإعداد المواعظ وتقديمها، بتدرج وحكمة، وتأن وتؤدة؛ وبرفق ولين، دون جفاء أو غلظة.

والناظر المتبصر في منهج بناء الخطب بعد توحيدها، وتقديم المواعظ بعد تسييسها، يجد أنها تركز على بعض هذه الجوانب وتتعمد إغفال البعض الآخر، لحاجة في نفوس أصحابها؛ تركز هذه الخطب على الأمر بالمعروف، وتغفل النهي عن المنكر، وتتناول باستفاضة الوعظ والرقائق، وتتحاشى بالكلية الحديث عن النوازل والحقائق؛ وإلا كيف نفسر غياب منبر الجمعة عن معالجة الكثير من المواضيع لها أولويتها وراهنيتها.

هل يعقل أن يمر عام كامل دون الحديث عن خطورة الربا وحرمة الخمور والقمار…؛

وهل يصح في الأذهان؛ أن يعاين العلماء ما يحدث في المواسم البدعية من ظواهر خطيرة، كالذبح لغير الله والاستغاثة بالأموات، والاعتداء على الأعراض… فلا يخصصون ولو خطبة واحدة لمعالجتها؛

وهل من الأمانة أن يمر فصل الصيف دون الحديث عن الحجاب والتحذير من خطورة مهرجانات الفسق والفجور، وما يحدث فيها من مخالفات شرعية كبيرة وخطيرة؛

وهل من المروءة والإنسانية أن تنزل النوازل العظام ببلدنا الحبيب مثل الفيضانات الأخيرة التي تناولت أحداثها كل المنابر إلا منبر الجمعة تم تعطيله عن وظيفته؛

والجميع يتساءل أين علماء أمة الجسد الواحد، ومنبر الجمعة من القضية الفلسطينية، وما يحدث في غزة من مجازر جماعية في بلد شرفه الله بأن يكون أمير المؤمنين نصره الله هو رئيس لجنة القدس!؟

إن إصابة الحق في بعض الخطب (كما هو الحال في خطبة اليوم) مع تعمد كتمانه في بعضها الآخر، وليّ أعناق نصوص الشريعة لتوافق أهواء أصحاب السلطة والمال ليس تسديدا للتبليغ كما توهمه بعض الفضلاء من إخواننا، ولا إصابة للحق كما ظن ذلك بعض الأخيار من علمائنا، بل هو لبس للحق بالباطل بالنظر إلى المنهج الذي تبنى عليه هذه الخطب بإظهار بعض الحق وإخفاء بعضه الآخر، وهو أشد أنواع التحريف الذي إن خفي على العامة، فلا يخفى أبدا عن الخاصة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

إن انتقادنا لهذا المنهج واعتراضنا على أهله؛ إنما هو تحذير مسبق من المفاسد المترتبة عنه، والأخطار المتولدة عليه.

فتعطيل منبر الجمعة عن شعيرة النهي عن المنكر موجب لمقت الله وغضبه، ومؤذن بعقوبته وسخطه، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾؛

والسكوت عن الفساد والرضا به وعدم الإنكار على أهله؛ مؤذن بخراب الديار، فالأمم تحفظ بالمصلحين فيها وإن قلّوا، فإن هم غابوا أو غيبوا (!!!!)، فانتظر الوعيد، وارتقب الهلاك؛ تلك سنة ثابتة، وقانون مطرد؛ سئل رسول صلى الله عليه وسلم “أنهلك وفينا الصالحون؟” قال: “نعم إذا كثر الخبث“؛

إن تنبيه إخواننا لخطورة هذا المنهج وفساده ليس خيارا، فنسكت عنه، بل ضرورة شرعية توجب على العقلاء الدفاع عن استقلال منبر الجمعة منعا لتسيسه وعلمنته، حتى يظل المنبر خادما للأمة كلها، لا لطائفة بعينها، ويكون الخطاب الديني حاميا لثوابت الأمة ومقدساتها، ومسهما في بناء مجتمع قوي ومتماسك تحت القيادة الرشيدة لمولانا أمير المؤمنين نصره الله.

اللهم إني قد بلغت؛ اللهم فاشهد.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
24°
24°
أحد
22°
الإثنين
23°
الثلاثاء
23°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة