حزب العدالة والتنمية بين ملكية المناضلين وتملك الجماهير (ج1)

24 أغسطس 2018 22:39
حزب العدالة والتنمية بين ملكية المناضلين وتملك الجماهير (ج1)

هوية بريس – امحمد الهلالي

يسعى هذا المقال إلى مناقشة واحدة من المقولات الأكثر حضورا في النقاش العمومي حول حزب العدالة والتنمية طبيعة وموقعا ودورا وأداء ومآلا.

هذه المقولة هي أن “حزب العدالة والتنمية لم يعد ملكا لأعضائه، بل اصبح ملكا لكل المغاربة”. وهي مقولة سيقت للترافع ضد منطق تفكير بائد وتقليدي ينعت بالطائفي، يصدر عن منطق تنظيمي وفئوي يغلب سقف الامة على سقف الوطن، ويغلب روابط العقيدة على وشائج المواطنة. وفي المقابل من أجل الدفاع عن منطق محسوب على أنه منفتح بسقف الوطن والمشترك الانساني. ومن هذا المنطلق تتم الدعوة الى توديع مرحلة التنظيمات ذات الطابع الهوياتي التي تنظر الى الشأن العام بمنظور فئوي خاص وليس بمنظور وطني جامع، او تستحضر رهانات دعوية تركز على الاخلاق والقيم عوض الرهانات السياسية والهموم الديموقراطية، وهو ما يفرض ضرورة ولوج طور جديد يكون فيه الحزب ملكا لكل المغاربة وطموحه هو طموح كل المغاربة ورهاناته هي رهانات المغاربة وليس رهانات اعضائه التي قد لا تزيد عن مجرد الحفاظ على الوجود والمحافظة على المكتسبات، اي ان يكون همه هو حماية الارادة الشعبية وليس الحفاظ على بيضة التنظيم تحت حجة الحفاظ على عدم التفريط في الاستقرار بالنسبة للوطن والوحدة بالنسبة للحزب.

نقاش قديم متجدد:

هذا المنطق يستعيد نقاشا قديما متجددا، حول طبيعة الحزب السياسي وحول المعايير المعتمدة في تحديد هويته القمينة بحمل فكرته الاصلاحية وباحتضان مشروعه المجتمعي والدفاع عن برنامجه السياسي.

ان اثارة هذا النقاش اليوم لا يعد سوى استعادة لنقاشات قديمة شهدتها احزاب مماثلة في عز فورتها التنظيمية وتمددها الجماهيري. ولعل ابرز تجليات ذلك هو ما مثلته احدى مفردات تسمية حزب الاتحاد الاشتراكي ليس بحسبانه حزب كبير لكل الاشتراكيين فقط، كما كان طموح بعض قادته، ولكن، ايضا بوصفه اطارا لكل القوات الشعبية حسب المتخيل الجماعي لمؤسسيه. غير ان واقع الحال والتاريخ الحزبي اظهرا ان هذا الحزب لم يستطع حتى الحفاظ على كل مناضليه واضطر الى اشهار شعار “ارض الله الواسعة” في وجه أبرز تياراته وقطاع عريض من شبابه ومثقفيه ونقاببيه وجمهور عريض من مناصريه.

وهو نفس النقاش الذي دار في اروقة اليسار الجديد وهم يبحثون عن الاداة الثورية المناسبة التي يتعين “بناؤها تحت هدير نيران العدو” هل هي الحزب الثوري الجماهيري ام حزب الطليعة التكتيكية المؤهلة لقيادة التغيير الثوري.

هذا النقاش حضر ايضا في المسلك الذي نهجه بعض متقاعدي اليسار في مبادرة “حركة لكل الديموقراطيين” عندما جمعوا كل المتناقضات في حركة قدمت نفسها فوق الاحزاب، قبل أن يحاولوا لاحقا تكتيلهم في تجمع حزبي هجين، ثم في مجموعة G8 بعد ذلك.

غير ان الواقع كان اعند من الامنيات والرغبات الفوقية حيث تبخرت كل هاته الاحلام بعد الولادات المشوهة وغير الطبيعية لكائن لا يحمل من الحزب الا اسمه ورسمه.

وفي ذات المنحى تم اسقاط هذه الاشكاليات في النقاش الداخلي بين اطر وقيادات العدالة والتنمية واستنساخ ذات الاجوبة خالية من اي ابداع او تجديد وتباينت وجهات النظر حول اشكاليتين: الاولى تتعلق بسؤال الاختيار بين حزب المناضلين أو حزب الاعيان، والثانية تتعلق بسؤال المفاضلة بين حزب الجماهير أو حزب الاطر؟

والسؤال الاهم هنا، هو ما هي من الاطروحة التي يمكن ان تتناسب مع الاحزاب ذات المرجعية او ذات الهوية الأيدولوجية (حتى لا اقول الرسالية) أو الحاملة لفكرة اصلاحية، كما هو الشأن بالنسبة لحزب العدالة والتنمية.؟ ثم هل بوسع اي حزب ان يحسم بشكل مسبق وارادي في عناصر طبيعته ام ان المهمة والوظيفة والمسار الذي يتخلق فيه كل حزب وظروف نشأته وطبيعة المشروع الذي يحمله، هي العناصر التي تتحكم في رسم معالم هويته وتموقعاته، في الحسم في الاختيار بين المناصلين والاعيان او بين الاطر والجماهير، او بين خيارات خارج هذا التفكير الجاهز والتقليدي، ثم الا يمكن الجمع في كيان حزبي واحد بين تمثيل وازن ومتوازن لمختلف هاته المكونات خاصة بالنسبة لحزب كل مشروعه هو الاصلاح وليس تمثيل حساسية معينة، او الدفاع عن مصلحة فئوية او خاصة. وهنا استحضر بمثر من التقدير أطروحة الاستاذ امحمد طلابي الذي قدم توليفا مبدعا لكل هاته التعبيرات في والفكرة الملهمة والصفوة العالمة والشبيبة العاملة والحماسة الملهبة.

هذا النقاش ليس جديدا على العدالة والتنمية ولن يحسم بإجابة نهائية، بل سيظل نقاشا متواصلا ومفتوحا على اشكالات جديدة واجوبة متجددة على الدوام.

وقد انطلق اول نقاش حول هذه الاشكالية داخل العدالة والتنمية عقب احداث 2003، وذلك عندما واجه الحزب ضغوطا رهيبة لثنيه عن التمسك بمرجعيته الاسلامية في معرض اتهامه بالمسؤولية المعنوية. غير ان الحزب كان حاسما وباتا في تشبته بمبرر وجوده والعنصر الاهم في ميزته التنافسية والمتمثل في الانطلاق من المرجعية الاسلامية رغم كل الضغوط التي مورست عليه قانونيا وسياسيا وامنيا واعلاميا، والتي وصلت الى حد اقحام بند منع الاحزاب على أساس ديني لأول مرة في قانون الاحزاب السياسية، وإيراد فقرة في خطاب ملكي تقول ان السياسة والدين لا يجتمعان الا في مقام امارة المؤمنين، فضلا عن حملات ممنهجة ومكثفة تزعم استغلاله الدين في السياسة، وتدعي توظيف المساجد لأغراض انتخابية، وأخيرا وليس آخرا، ترويج مزاعم بإخلال الحزب بالتنافس السياسي بارتباطه بحركة دعوية وشبكات جمعوية تقوم على مدار السنة بحملات انتخابية دائمة وسابقة لاوانها، مما يستدعي ضرورة الفصل بين الدعوي والسياسي ومنع احتكار العمل الخيري او توظيفه سياسيا.

ان رفض الحزب لأي مساومة على مرجعيته الاسلامية سوف يسهم في تراجع السلطوية عن تهديداتها الرامية الى حل الحزب، لكنه في المقابل سيدفع الحزب الى فتح النقاش حول هاته القضايا وخوض واحدة من اهم المراجعات في فكره السياسي واختياره المذهبي وفي تجديد مشروعه الاصلاحي.

وهي مراجعات لم تقتصر على تقديم جواب ظرفي عن اشكالية الهوية والتدبير بما يعنيه ذلك من ضرورة التخفف من هموم الهوية والتوسع في الاهتمام بانشغالات التدبير، ولكن امتدت لتطرح اشكالات اعمق تتصل بقضايا من مثل مفهوم الحزب السياسي ذي المرجعية الاسلامية، والقطع مع مفهوم الحزب الاسلامي، الذي كان يسهل على خصومه اتهامه بالقيام على اساس ديني والتعارض مع قيم الديموقراطية، ثم اطروحة التمايز بين الدعوي والسياسي، الذي انهى بها جدل الصور المبتسرة للخلط بين الديني والسياسي، او الفصل التنافري بين الدين والسياسة، مقدما بذلك اطروحة غير مسبوقة تستند الى اطر شرعية ومعرفية ومنهجية ذات لمسة تجديدية واجتهادية واضحة، ثم معالم رؤيته الجديدة حول الدولة المدنية ذات المرجعية الاسلامية، التي قطع بها الشك باليقين حول اتهامات وجهت الى عموم الاسلاميين على انهم يحيون مفهوم الدولة الكهنوتية التي تحكم بنظرية الحق اللاهي ومزاعم الدولة الدينية القائمة على الاستبداد باسم الدين، ثم اجوبته عن علاقة المرجعية الاسلامية بالقيم الكونية، التي نادى بموجبها بضرورة تنويع مصادر القيمة الكونية وانفتاحها على المرجعيات الحضارية التي اسهمت في بلورة المشترك القيمي والثقافي للإنسانية، بما يعزز الامن والسلم وتعايش الحضارات وتلاقح الثقافات والقبول بالأخر عوض التمركز على النموذج الغربي وتنميط العالم حول قيم امبريالية بمبرر انتصارها في حرب ظالمة وغاشمة، ثم منظوره للمشروع المجتمعي وموقع قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والديموقراطية وحقوق الانسان فيه. وهي قضايا يمكن الرجوع اليها في مقالات لاحقة.

اما في العلاقة بموضوع هذا المقال المتعلق بطبيعة الحزب، فقد افضت المناقشات الى الفرز بين قضيتين وذلك على النحو التالي:

اولا: بين الهوية والتدبير:

منذ تشكله ظل الحزب يواجه بتهمة تضخيم الهوية على حساب البرامج الاقتصادية والاجتماعية والقضايا المعيشية للمواطنين، وفي ذات الوقت الافتقار الى الكفاءات والقدرات التدبيرية لبساطو لان روافد الحزب هي مخالفة لطبيعة الحزبية وانه بتعاطى مع الديموقراطية تعاطيا استعماليا معها وهذا ما يجد جدوره وتمثلاته الحزب في وظيفته وفي خطابه وكذا في بنيته التي سوف نخصها بالمناقشة في هذا المقال.

تمثلات الهوية والتدبير في بنية الحزب عكيتها المناقشات في المفاضلة ببن المناضلين والاعيان وبين الاطر والجماهير.

1- بين حزب المناضلين وحزب الاعيان:

ابان هذا النقاش ظهرت وجهتي نظر الاولى تنحاز الى المناضلين والثانية تنادي بضرورة الانفتاح على الاعيان اذا اراد الحزب ان يؤهل نفسه للمراحل المقبلة.

أ- حزب المناضلين:

يستند هذا الرأي الى حجج عديدة منها ان من ساهم في بناء الحزب واكسبه قوته واشعاعه، هو الاقدر على تحصينه وحماية مشروعه، وان طرح سؤال الكفاءة والنجاعة في مقابل العضوية والنضالية والرسالية هو طرح مغلوط، ومتعارض مع الفكرة الديموقراطية، اذ لولا هذه الكفاءة التي توفرت للمناضلين لما استطاع الحزب ان يصل الى ما وصل اليه وان المجهود المبذول في تدبير نجاحات الحزب في مرحلة البناء ومرحلة المعارضة واللحظات الصعبة، يبقى كافيا لتدبير نجاحاته في تدبير المؤسسات المنتخبة سواء من موقع القرار وانتاج السياسات العمومية وتنفيذها او من خلال المعارضة نقدا للخيارات القائمة وطرحا للبدائل الممكنة.

ويعزز اصحاب هذا الرأي وجهة نظرهم بحجج اخرى ابرزها ان دور الحزبي ينحصر فيما هو سياسي وليس تدبيري او تقني طالما ان الادارة بكفاءاتها وتقنييه تبقى دستوريا رهن اشارة السياسي وتأتمر بتوجيهاته وليس العكس.

كما ان الاطار السياسي، من الناحية النظرية، هو الذي يضع السيناريوهات التقنية في موضعها الصحيح وهو الذي يمكنه ان يعبئ لها الامكانات المادية والمعنوية والبشرية والمالية اللازمة لحسن تنفيذها.

كما أن الكفاءات والخبراء اذا ارادوا ان يساهموا من الموقع السياسي ما عليهم سوى ان ينخرطوا في العمل السياسي من بوابة المعترك الحزبي.

واخيرا فان الاحترام الفعلي للديموقراطية التي هي حكم الشعب عبر احزابه التي تنال ثقته وتعبر عن ارادته يمر لزوما عبر احترام الاحزاب واحترام ارادة قواعدها واستقلال قرارها وعدم تبخيس السياسة وتبخيس الاحزاب.

ب – حزب الاعيان:

في مقابل هذا الرأي تطرح وجهة النظر الثانية اهمية الاعيان في نجاح اي حزب سياسي خاصة عندما يهيء نفسه للإسهام في الحكم، اي ان انتقاله لتدبير الهيئات العمومية والمؤسسات المنتخبة التي تمثل جميع المواطنين بمن فيهم من لم يصوت او لم يشارك اصلا، كل ذلك يستلزم وجود تنوع في النظر الى القضايا ليس من جهة الموقع الفئوي والقيمي والمبدئي والمثالي وما ينبغي ان يكون وحسب، وهي زاوية نظر الموقع النضالي، ولكن ايضا عليه ان يستحضر مصالح مختلف الفئات وانشغالات مختلف القوى والحساسيات داخل المجتمع، وخاصة الجهات الاكثر تأثيرا ونفوذا في الاقتصاد وانتاج الثروة وفرص الشغل ومن ثم الاكثر فاعلية في الاستقرار اي الجمع بين الوزن الانتخابي والاجتماعي والنفوذ السياسي والاقتصادي.

واستحضار هاته الابعاد يتطلب قدرا من الانفتاح على هاته الفئات التي يرمز لها بالأعيان او اللوبيات، ولابد لكل حزب ان يكون له تمثيل في هاته الفئات لطمأنتها ودفعها الى عدم عرقلة جهودها الاصلاحية سواء بالانكماش او بنقل استثماراتها الى جهات اخرى اكثر استقرارا او بإعطاء اشارات سلبية لرؤوس الاموال داخليا وخارجيا مما ينذر بالفشل والدخول في الازمة.

هذه الحجج رغم وجاهتها، تغفل عن حقيقة اساسية هي ان الحكومات سواء الائتلافية او ذات الأغلبية انما تحكم في ظل خيارات دولة وتوازنات ماكروقتصادية واجتماعية تؤمنها مؤسسات الدولة التي تعتبر الحكومات مجرد واحدة منها رغم اهميتها، حتى في الديموقراطيات العريقة. ولذلك لا يمكن للحكومة ان تخرج عن هاته التوازنات اذا ارادت ان تضمن النجاح لسياساتها وتدفع باقي المؤسسات الى الانخراط في أوراشها، والا ستسقط في تصادم السلطات وصراعها واضطراب في السير العادي للمؤسسات.

كما ان قيام اي حزب بالانفتاح الفوقي على اعيان لا يحملون قناعاته، انما يعطي اشارة عن أهليته. كما ان هؤلاء الاعيان قد يتسببون للأحزاب من المشاكل بأكثر مما يحققون له من النجاحات ويعتبرون في الغالب الاعم مصدرا لانشقاقاته وازماته.

2- بين حزب الأطر وحزب الجماهير:

بخصوص هاته الاشكالية ثمة رايان ايضا، الاول يقول ان الحزب السياسي وجد لكي يحكم، والحكم ليس عمل تطوعي او خيري او جمعوي بل عمل معقد ويحتاج الى كفاءات وخبرات لا ينهض بها سوى اطر مؤهلة وخبرات عالية لا تتوفر الامكانات لتكوينها وتدريبها في صفوف الاحزاب مهما كانت حيويتها. وان دور الجماهير يبقى هو تبني الاختيارات التي يتم اقناعها بها واسنادها وتوفير الدعم الشعبي اللازم لها.

في مقابل هذا الرأي يؤكد الرأي الآخر ان الفصل الميكانيكي بين الاطر والجماهير يبقى فصلا منهجيا اذ الجمهور ليس هو الرعاع بل يضم كل فئات المجتمع بمن فيهم الاطر والخبراء، وان الاحزاب الحاملة لفكرة اصلاحية ومشروعا مجتمعيا والقائمة على اساس اديولوجي انما تستميل الاطر والكفاءات القادرة على خوض نقاشات فلسفية وفكرية ومحاججة الاختيارات المذهبية والمرافعة عليها في المحافل العلمية والفكرية والاعلامية، كما ان الفئات الاقل خبرة او المناضلين وهم يشاركون في مناقشة وصياغة الاختيارات المذهبية والسياسية ويتابعون الاسس والمرتكزات التي تستند عليها مواقف الحزب اليومية انما يحصلون من المعرفة والخبرة بقدر ما يحصلون من القدرات التواصلية، جنبا الى جنب مع ما يتراكم لديهم من مهارات الفهم والاستيعاب والتحليل والتفكيك والتركيب في مدرسة النقاش المفتوح والتنشئة السياسية الدائمة.

أ – حزب الاطر:

يرى اصحاب هذا الرأي ان مشروعية السابقة الحزبية او التاريخية وكذا المشروعية النضالية ليست كافية لتدبير مؤسسات منتخبة تمثل جميع المواطنين بمن فيهم من لم يصوت للحزب الحائز على الاغلبية، ولذلك يتعين على صاحب المشروعية الانتخابية ان يستفيد من كل الكفاءات لكي يتمكن من تدبير المرافق العمومية بعيدا عن المنطق الطائفي او الانحياز الحزبي، وهو ما يفرض عليه ان يدمج الاطر والكفاءات سواء اثناء مرحلة الترشيح او عند اختيار المسؤوليات الحكومية والعمومية.

من جهة اخرى يتم طرح فكرة حزب الاطر في مقابل الاحزاب الجماهرية، بحسبان ان الانشغال بانخراط الجماهير في الاحزاب السياسية له كلف تنظيمية وسياسية كبيرة تضيع على هاته الاحزاب الجهد والوقت للتفرغ لإنتاج البرامج والسياسات والتفاعل مع المستجدات وتزهد الاطر والكفاءات في الانخراط فيها تضايقا من مسلكيات الاحزاب الجماهيرية. كما ان الجماهير التي تكون نقط قوة للحزب في مراحل ازدهاره هي من تتحول الى نقط ضعف له، عندما ينتابها السخط على مواقف او اختيارات تفرضها ظروف معينة، كما تكون من اسباب فرقته وتفككه وانشغاله بذاته عندما تتهيكل الآراء المختلف في تيارات متصارعة أو تقاطبات متنازعة. وهو حال ومآل اغلب الاحزاب الجماهيرية.

مشكلة هذا الطرح هو سقوطه في تبخيس ممنهج للسياسة والعمل السياسي والنضال السياسي وللأحزاب باعتبارها مدرسة للتكوين السياسي وبوصفها جوهر الديموقراطية. فاي رسالة يمكن بعثها الى الشباب عندما تثبت بالممارسة ان الكفاءة في تدبير الشأن العام لا توجد في المعترك الحزبي وفضاءات النقاش العمومي والتنشئة السياسية في المنظمات الحزبية والهيئات الموازية؟. الا يعتبر هذا توجيها للأجيال لكي تعتزل الشأن العام وتركز على مراكمة الشواهد تاركة المجال لمن لم تسعفه الظروف للتفوق وتحصيل الشواهد العليا، في انتظار ان تلج نخب مخملية الى العمل السياسي من فوق وعبر بوابة المناصب فقط،؟ والسؤال الاساسي هنا هو كيف يممن لهاته النخب ان تصمد مع الحزب في مراحل محنه او في وقت التقاطبات الحزبية من نخبة مخملية لم تعرف معنى التضحية والصمود وكيف يمكنها ان تترك المناصب اذا اقتضت مصلحة الحزب ان يغير تموقعاته السياسية او ان ينزل ال المعارضة او ان لا يشارك في مرحلة من المراحل.

ب – حزب الجماهير:

اما بخصوص حزب الجماهير او الاحزاب الجماهرية باعتبارها تلك الاحزاب الحاملة لفكرة ومشروع والتي تسعى الى حشد الجماهير او استمالتها لتبني مشروعها والدفاع عنه فتنشئ المنظمات الموازية في الطفولة والشباب والنساء والقوى العاملة والمجتمع المدني وتحدث فصائل وتيارات لها في الهيئات الجماهيرية والمنظمات المهنية المختلفة لتمثيل فكرتها والدفاع عن مواقفها.

وهي خاصية تفردت بها الاحزاب ذات المرجعية او الحاملة لأيديولوجية فكرية او سياسية او اثنية من قبيل الاحزاب اليسارية او الاسلامية او القومية او المدافعة عن حقوق مجموعة عرقية او اقلية دينية او طائفية او لغوية او ذات توجهات بيئة وغيرها.

واصحاب هذه القناعة يرتكزون على وظائف الحزب السياسي ومنها وظيفة تأطير الجماهير التي تتم بالموقف والخطاب العام والتواصلي لكنها تتم بشكل مباشر من خلال الفضاءات الداخلية وعبر التدريب على ممارسة المسؤولية في الهيئات الحزبية والمنظمات الموازية، وهم بذلك يميزون بين عضوية الجماهير المنخرطة في الحزب والمشاركة في قراراته، وبين قواعده الناخبة التي يتعهدها بالتواصل عبر مواقفه من القضايا التي تشغلهم وبالفعاليات والمهرجانات وعبر وسائل الاعلام المختلفة.

قد يكون الانخراط الجماهير كلفة تنظيمية عالية لكن ذلك ليس من غير مردودية حزبية وسياسية تنعكس على اشعاع الحزب وحضوره في المشهد العام.

ومن هاته الزاوية فقوة الحزب ليست بالضرورة في حجم تمثيله في المؤسسات المنتخبة بل بعدد منخرطيه وبالدينامية التي تحدثها هيئاته في تفاعلها مع الاحداث والمستجدات، وفي التظاهرات التي ينظمها وحجم استجابة الجماهير له ومشاركتهم في فعالياته وانشطته. بل ان كثيرا من الاحزاب التي لا تشارك في الانتخابات لكنها تؤثر في القرارات والسياسات بممارستها للضغط الشعبي من خلال المواقف التي تصدرها او الاحتجاجات التي تنظمها. فيكون للجماهير المنظمة والمنخرطة في الحراك السياسي الذي يقوده الحزب دور في اتخاذ قرارات او العدول عن اخرى، بل ان الانظمة السياسية تضطر الى الدخول في تفاوض مع هاته الاحزاب سواء بشكل مباشر او من خلال القيادات التي تقود الحراك في واجهات مهنية او نقابية او عبر منظمات المجتمع المدني. وهذا ما يجعل السياسة والعمل السياسي اوسع من العمل الانتخابي والتمثيلي واعمق منه وبالتالي يكون للجماهير المنخرطة والمؤطرة ابلغ الاثر من الاطر او اصحاب الخبرات.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M