حوار هادئ قاصد مع من يبحث عن موقف راشد

حوار هادئ قاصد مع من يبحث عن موقف راشد
هوية بريس – د.رشيد بنكيران
إن تعجب فالعجب كل العجب ممن يسمي الدول العربية المحور السني! فهل تقوم تلك الدول سياستها الخارجية على أساس الدين أو السياسة الشرعية، فضلا عن أن تكون قائمة على أساس السنة؟!
الذي لدينا في الحقيقة شعوب غالبيتها العظمى سنية، أما دول تلك الشعوب فما بينها وبين السنة إلا ادعاء فارغ لا ينتج عنه موقف يعادي أو يوالي لأجلها. والواقع أكبر شاهد على ذلك، ولا يحتاج الأمر إلى كثير بيان لظهوره جليا، حتى إنه لا يخفى على من لم يبلغ بعد الحُلُم.
ولهذا فمن القصور الكبير أن نتحدث ــ على مستوى الدول بما تحمله كلمة الدولة الحديثة من معنى ــ عن محور إسرائيلي صهيوني، أو محور إيراني شيعي، في مقابل محور عربي سني. فالدول العربية الحالية لا تحمل مشروعا سياسيا سنيا أصلا، وهي بين مطبع مع الكيان الصهيوني في العلن أو في السر، كما أنها لا تتخذ موقفها من إيران بناء على هويتها العقدية أو على تصديرها لمشروع مذهبي يناهض السنة في مقتل؛ فهي اليوم ضدها وغدا قد تكون معها، تبعا لمصالح سياسية ميكيافيلية زائفة لا تقيم للدين وللسياسة الشرعية وزنا، فضلا عن السنة.
ولهذا، ففي ظل غياب المشروع السني على مستوى دول الشعوب السنية، فإن مصلحة تلك الشعوب تقتضي وجود توازن في القوة بين خطرين متنافسين في المنطقة العربية. فليس من المصلحة أن تكون إيران ضعيفة وإسرائيل قوية، بل إن توازن هاتين القوتين بل ضعفهما معا وهو المأمول قد يتيح فرصة لشعوب المنطقة أن تلملم جراحها العميقة في غزة والسودان واليمن وسوريا.
غير أن هذا لا يعني ألا يكون للمسلم السني موقف من الحرب الدائرة الآن؛ فانكسار إسرائيل، وكبح مشروعها التوسعي، وخلط أوراق مخطط التطبيع، يخدم كثيرا الشعوب السنية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تبقى قضية الأمة الإسلامية بأكملها. لكن ذلك ينبغي أن يكون مع وجود إيران غير قادرة على الهيمنة على المنطقة، وفي الوقت نفسه تلعب بحكم موازين الصراع دور الكابح لمشروع الكيان الصهيوني.
ولا يختلف عاقل في أن انتصار الكيان الصهيوني ــ لا قدر الله ــ في الحرب الدائرة الآن سيكون شره أعظم على المنطقة العربية من صمود إيران وبقائها متماسكة غير منهارة.
وتبني المسلم السني هذا الموقف بهذا القدر من الرجاء لا يخرم عقيدته ولا يقدح في عقله، بل هو من الفقه بالواقع المطلوب؛ مع بقاء الاعتقاد الجازم بأن عقائد الشيعة الروافض منحرفة، وأن سياستهم التوسعية في المنطقة سياسة خطيرة ينبغي الحذر منها.
وختاما، إن المشكلة الكبرى ليست في وجود مشروعين متصارعين في المنطقة، فإن وجود ذلك من السنن الكونية، بل المشكلة الكبرى في غياب مشروع حضاري مستقل تقوده الشعوب السنية بنفسها.



