دور التخوم في المسألة المغربية 1911م (2/2)

24 مارس 2026 18:35

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

-3- التصورات المختلفة للسياسة الفرنسية تجاه المغرب

لا يخفى على أحد، أن الصعوبات الرئيسية التي نواجهها في المغرب، لا تنبع من المغرب نفسه، ولا من القوى الأوربية، بل من أنفسنا.

في فرنسا توجد عدة نظريات وتصورات حول المسألة المغربية، كل منها يحمل في طياته شيئا من الحقيقة، والمفتاح هو صياغتها وموازنتها بشكل مناسب.

تساءلنا عما إذا كان من الضروري حقا عرض هذه النظريات هنا، في الصفحات السابقة سعينا إلى تجميع الحقائق وتلخيصها، ربما يكون من الأفضل ترك هذه الحقائق تتحدث عن نفسها، مما يتيح لكل قارئ استخلاص استنتاجاته الخاصة.

خاصية النظريات العامة التي انتشرت بابتهاج في فرنسا، هي تجاهل الواقع، كل واحد في العالم المصغر “للمغاربة” المكتمل الإنشاء، علاوة على يقيننا المسبق بأننا لن نقنع أحدا، ومع ذلك، وانطلاقا من التوجه العام، سنحاول عرض الأفكار التي تقوم عليها النظريات الحالية بإيجاز وموضوعية، ثم الوصول إلى خاتمة.

قال مكيافيلي “من الأفضل التمسك بواقع الأشياء بدلا مما يمكن تصوره من خيالاتها، وقد تم اختراع العديد من الجمهوريات والإمارات التي لم تُرَ قط، ولم يكن لها وجود حقيقي“.

المغرب إحدى هذه الإمارات، آمن بعض الناس بوجودها، لكنهم الآن خاب أملهم، فهم يعلمون أن السلطان. “إمبراطور المغرب” كما تسميه المعاهدات ليس سيد إمبراطوريته المزعومة، ولا يملك حكومة أو إدارة حقيقية (هامش 1) هو ما يؤكده السيد ميشو بلير، عندما كتب من أن المخزن عاجز من غير دعم خارجي، أو تعاون مع قوة مجاورة، كما كان دائما، وذلك لصالحه وصالح الآخرين، أي بطريقة حديثة، مستمرة ونهائية بالنسبة للتنظيم البربري، بمعنى للتنظيم الوطني revue du monde musulman1910 p43) ولكن كما تضفي الحياة والواقع على الأشباح تصديقنا لها، كذلك يُحيـِي وهْم الدولة المغربية، المتولد عن برتوكولاتنا واتفاقياتنا، إن كان مفيدا لنا.

فهل هذا الوهم مفيد لنا يا ترى؟ يُقال إن القبايل تتجاهل المخزن، أو تكرهه: فلماذا الإصرار على فرضه عليها، في حين أنهم سيأتون إلينا بسهولة أكبر، دون هذا الوسيط؟ فلنسأل المغاربة إن كانوا لا يفضلون هذه الطريقة على الشكل المرن والعملي لبِرُو اعْرابْ أي -مكتب الشؤون الأهلية الذي يوجد به كومندار الناحية- والإدارة الشريفية، من قايد وخلافه.

فرنسا الديمقراطية، بدلا من استماعها لـ”رغبات الشعب” الذي وإن لم يُعَبِّر عنه عبر صناديق الاقتراع، إلا أنه لا يقل واقعية، فهل ستفرض عليهم الاستبداد الديني للسلطان بالقوة؟

الرد هو أن النظام الملكي المغربي، مع ذلك، هو الأقوى نفوذا على الإطلاق، نظرا لطابعه الديني، فالسلطان هو الخليفة، والإمام، والزعيم الديني، لجميع المؤمنين، وهم يدركون ذلك تماما، وعندما تسنح لهم الفرصة، يطلبون منه أن يدعو إلى الجهاد ضدنا.

وهو ما فعله المسلمون الأفارقة، عند إجبارهم على قبول الخضوع السياسي لنا، فأعلنوا هم أنفسهم بأنهم رعايا للشريف، بدلا من أن يصبحوا رعايا للمسيحيين، وهذا ما حدث في السودان واتْواتْ، ولما وصلنا لجِنَّـي وتمبكتو، وأيضا عندما استولينا على عين صلاح.

من الضروري عدم إغفال الإسلام، كأعظم قوة دينية على الإطلاق، وأنه بالإمكان الاعتماد عليه.

كما أنه من المهم، التأكيد على الطابع الديني للسلطان، لأن هذا الطابع هو ما يجعل حكمه مرغوبا فيه، وصعبا في آن واحد، فهو مرغوب فيه؛ لأنه يمنح إمام الإسلام والمسلمين أي ذريعة للتمرد، وهو صعب لأنه يهدد بتجريد هذه السلطة الدينية، من مبرر وجودها، أي سبب وجودها.

تعد سياسة المخزن ستارا مفيدا وضروريا، فيما يتعلق بالقبائل، فمن المهم جدا أن نتحدث إليهم باسم السلطان، بصفتنا ممثلين له، علاوة على ذلك، فإن إدارة المخزن التي نعتزم فرضها عليهم، ليست هي النظام القديم للمحلة والصَّوْكة، حيث يقوم القياد والأمناء، بنهب السكان، لكنها إدارة موجهة ومسيرة من قبلنا.

يُقال بأن المخزن لن يتعاون معنا بإخلاص أبدا، فهو عدونا اللدود، لأنه يتألف من أولئك الذين يستفيدون من التجاوزات، ولهم مصلحة في استمرارها، لطالما خدعنا وخدعنا، عبد العزيز في وقت لم يكن لديه فيه سوى دعمنا، كان “يتفاوض” مع الألمان في الرباط، أما عبد الحفيظ الذي أوصله الحزب المعادي للأجانب إلى السلطة، فلم يكن بوسعه إلا أن يتمنى لنا الشر، في جميع الأحوال، سواء في عهد عبد العزيز، كما في عهد عبد الحفيظ، في اتوات وفكيك وموريطانيا والساورة، وجدنا المخزن يحرض خصومنا ويسلحهم ضدنا.

لا قيمة للالتزامات التي يقطعها، فهو يحاول دائما التهرب منها إن لم ينتهكها علنا، كما فعل حفيظ في مناسبات عدة.

ومن المفارقات أنه استقبل ماء العينين، في اليوم التالي لتعهده بالانفصال عنه، مما يظهر مدى مصداقية تعهد البلاط الشريف للنصارى عموما، والفرنسيين خصوصا.

لا شك أن موقف السلطان يبدو أفضل الآن، لكن لا شيء يضمن استمرار هذا التحسن وفعاليته.

يمكن للمرء أن يرد بأننا لا نعتمد إطلاقا على تعاون السلطان الطوعي، بل على وسائل العمل المتزايدة الاتساع المتاحة لنا، تتوقع القبائل من السلطان طرده النصارى من أرض الإسلام، فإن امتثل، فإنه يوفر لنا مظالم أو مبررات للتدخل ضده، وإن لم يمتثل، فإن القبائل ستتخلى عنه كما تخلت عن عبد العزيز، وحينها لن يكون أمامه إلا الاعتماد علينا، زيادة على ذلك، حاجته للأموال التي يسلمونها لنا.

بالأمس كان الأمر يتعلق بالسيطرة على الإيرادات والجمارك، وغدا سيكون التحكم في الإنفاق، لم يعد بالإمكان القول إن سياسة المخزن لم تؤت ثمارها، بل حققت نتائج، بل ونتائج بالغة الأهمية.

سياسة المخزن التي تشكل ستارا ضد شريحة من الرأي العام الفرنسي، لا ترغب في سماع أخبار الحروب ولا الغزو الاستعماري، “يقول المغاربة: الفرنسيون أكثر تسلحا منا، لكن لديهم دين جديد يحرم عليهم استخدام أسلحتهم” ولإنقاذ أرواحنا وذهبنا، هناك طريقة عبقرية لجعل المغاربة يتحملون تكاليف اختراقنا بلدهم، من قبلهم بأنفسهم.

أخيرا، إن سياسة المخزن هي السبيل الوحيد لمنع تفكك المغرب، وقد يحدث هذا التفكك، شئنا أن أبينا، إن سياسة السيد ديلكاسي التي اعتبرت أحيانا متطابقة طوال فترة وزارته، مرت في الواقع بعدة مراحل متتالية؛ في المرحلة الأولى، سعت فقط إلى الحفاظ على وحدة المغرب، وحث المغاربة، على دعمنا في الحفاظ على هذه الوحدة، واعتراف أوروبا بحقنا في تقديم هذا الدعم، في المرحلة الثانية، حددت سياسة التقسيم مع إسبانيا، في المرحلة الثالثة غابت تماما غاية النزاع، إذ انصب التركيز على السياسة الأوربية والعالمية ونظام التحالفات، وشعرت ألمانيا بأنها مستهدفة، وهو ما كان صحيحا بالفعل.

يمكن انتقاد السيد ديلكاسي لإهماله شبه التام للعنصر المحلي، ولتجاهله الألمان في تلك المفاوضات، وأخيرا تم الاتفاق مع إسبانيا في تناقض واضح مع سياسة المغرب القائمة على التماسك، والاختراق السلمي، وهو ترتيب يضعنا أحيانا في مواجهة المخزن على أسوإ المواقف.

كان إنشاء منطقة إسبانية بمثابة دق ناقوس الخطر للمغرب القديم، قال عبد العزيز عام 1904 “يدعي الفرنسيون أنهم أقرب أصدقائي، وقد علمت أنهم توصلوا إلى اتفاق مع إسبانيا لتقسيم أرضي بينهم”.

عبد الكريم بن سليمان تحدث إلينا ذات يوم بشيء من الحزن، عن هذا الدخول النصراني، هذا الاختراق السلمي “أعلم أن نواياكم حسنة وصادقة”، قال “لكن هل تعتقدون أن المغرب القديم سيقاوم ضغوط هؤلاء الوافدين الجدد، وأطماعهم، والذين يفتقرون إلى حكمة ودهاء الرؤساء السابقين”.

ما يزال تفكك المخزن يتجلى بوضوح، سواء في فترات الهدوء الظاهري، أو في أوقات الأزمات، ومع ذلك، فإن الحفاظ عليه، يصب في مصلحتنا، فنحن نملك الجزائر، إن تفكك المغرب، وانفتاحه السريع على الحضارة الأوربية، سيعرض مستعمرتنا لمنافسة اقتصادية شرسة، لاسيما بعد التعهدات التي قطعت للقوى الأوربية بشأن الحرية والمساواة الاقتصادية، مصالحنا متوافقة تماما مع مصالح المخزن، في رغبتنا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المغرب.

سياسة المخزن التي تعد ستارا للقبائل والرأي العام الفرنسي، تشكل ستارا أكثر فائدة للقوى الأوربية، فنحن نتصرف كأفضل صديق للمغرب، كما يقول المثل الإنجليزي، الصديق التالي، لا يمكن أن نترك دوره لأحد.

ومن الأسباب التي تعفينا من تفويض هذا الدور لغيرنا، أن الاتفاقيات الدولية التي وقعنا عليها، -الاتفاقيات الفرنسية البريطانية، والفرنسية الألمانية وقانون الجزيرة الخضراء- تلزمنا باحترام استقلال المغرب، وأن البنود الواردة فيها بهذا الشأن، تتوافق مع مصالحنا الحقيقية، ونوايانا الصادقة.

عندما أعلن الإمبراطور غليوم الثاني، لدى وصوله إلى طنجة، عزمه الراسخ على صون استقلال المغرب ووحدته، رد القائم بالأعمال لدينا، السيد دي شريزي بحزم وحكمة “نحن أيضا نتمسك بهذا الاستقلال”.

تتهم الجزائر وسياستها المتبعة في منطقة التخوم، بأنها العقبة الرئيسية أمام التحالف الفرنسي المغربي، من خلال سيطرتها في نواحي التخوم، ومنعنا من أن نصبح شركاء الشريف، ويقال بأن النزاع حول الجدار المشترك، يتسبب في ضياع صفقات مهمة علينا. والرد هو أنه في حين أن تصرفات الجزائر، قد أعاقت المفاوضات مع فاس، أحيانا وسجنتها أحيانا أخرى.

إن سياسة التساهل المفرط تجاه المخزن، تعتبر دائما ضعفا من جانبه، ولا تجلب لنا سوى احتقاره، وكلما سعينا إلى التغلب على مقاومته، لجأنا للجزائر، ومن خلالها للقوة: وكان الأثر فوريا، ولأن سياسة المخزن تقوم على اعتبارات عامة، فمن المفهوم أنه لم تكن هناك حاجة إليها محليا، لقد شهدنا مرارا وتكرارا وجها لوجه، انعدام الثقة تجاه الجزائر، حتى لا نقول معاداة، لما تسبب من إزعاج، لكن أكرر إذا كانت هناك بعض الترددات في الماضي، فقد أدرك العملاء الجزائريون تمام جدوى تسمية المخزن، ولم يحترم أحد زيف المخزن، أكثر من الجنرال ليوطي في منطقة التخوم، سيجمع على ذلك جميع الشهود المحايدين.

يجب أيضا الاعتراف بتحقيق تقدم ملموس وعملي في الشاوية والمناطق الحدودية الجزائرية المغربية، بفضل سياسة العمل مع القبايل، في حين إن جميع الاتفاقات الموقعة، لن تحسن ظروف التغلغل الأوربي في باقي المغرب، إن لم يكن قد زاد الوضع سوء ولو مؤقتا، مما يجعل من الواضح، أن لكل من سياسة المخزن، وسياسة القبايل، مبرراتها وقيمها، فسياسة المخزن إذا طبقت بشكل صارم وحصري، ستؤدي إلى قمع مطلق، أو في أحسن الأحوال إلى تدويل البلاد، وسنشهد وضعا أشبه بتركيا، حيث تطلق العنان لمهارة الدبلوماسيين وتضارب النفوذ المتنافسة، أما سياسة القبايل، إذا تجاهلت المخزن، فستؤدي إلى تفكك المغرب، وهو أمر من مصلحتنا تجنبه قدر الإمكان لذلك من الضروري الجمع بين السياستين، ووفقا للصيغة التي اقترحتها منذ زمن تطبيق سياسة القبائل باسم المخزن ونيابة عنه.

-4- خلاصة عامة

الدافع العام لسياستنا تجاه المغرب، بالنظر إلى التقاليد الفرنسية، والطريقة التي يتم بها تناول المسألة، التي تم توظيفها، بمبادرة لا يمكن أن تصدر إلا من وزير الخارجية ليس من غايتي التشكيك إطلاقا، في كل ما بذله وزراء خارجيتنا، لحل المسألة المغربية، لقد ساهم السيد بيشون، على وجه الخصوص، في إنجاح عمل الجنرال ليوطي، ودافع عنه في بعض الأحيان ضد المكاتب التي لم تكن حكرا على الكيدورسي.

أما الضباط المحترفون -السيد ريفوال، والسيد رينو، والسيد كيوط، والسيد كيار، والسيد ديستايور وغيرهم كثير- فهم المهندسون الحقيقيون للمسعى الفرنسي، وبينما أعجب بالعمل العسكري والإداري للضباط في منطقة التخوم الجزائر-المغربية، فأنا أعلم أن عمل دبلوماسيينا وقناصلنا، الذي قد تتاح لي فرصة دراسته لاحقا، جدير بالإعجاب، ويستحق الثناء نفسه. من الواضح إذن أن المسألة تتعلق بالمبدإ والمنهج، لا بخلاف شخصي، كل ما يطلب هو ألا تغفل وزارة الشؤون الخارجية أهمية الجزائر، أو تتجاهلها.

فمنذ اليوم الذي يبلغ فيه الحاكم العام للجزائر والمستعمرة التي يحكمها، بأنهما لم يعودا مضطرين للاهتمام بالمغرب، ستضيع منا هذه الأهمية، ربما نستطيع إنشاء هيكل دولي مبتكر هناك، لكن ليس لفرنسا الكبرى التي نحلم بها.

علينا استخدام جميع وسائلنا لحل المسألة المغربية بما يخدم مصالحنا: تنسيق جهودنا في أوربا، وطنجة، وفاس، والدار البيضاء، وموريطانيا، مع عدم إغفال أن أقوى هذه الوسائل هي الجزائر.

فالجزائر هي ويجب أن تبقى أساس توغلنا في المغرب (هامش:andre tardieu ,cinqu ans de politique marocaine ,revue polit.et parlement 1908 p235et p252).

المغرب مثقل بالديون: فهو مثقل بالديون الدولية الغربية في الغرب، والديون الإسبانية في الشمال، ولذلك سنتحمل العبء الأكبر من التغلغل لصالح القوى الأوربية الأخرى، على أقل تقدير يجب بذل الجهود لتفتح المغرب، على الجانب الجزائري، أي الجانب الفرنسي، قبل فتحه على الجانب الأطلسي، أي الجانب الدولي.

وكما أن حفظ الأمن في المنطقة الحدودية هو من اختصاص فرنسا والمخزن، فيجب أن يبقى خط السكة الحديدية من مغنية إلى تازة ثم إلى فاس، وصولا إلى المحيط الأطلسي، من اختصاص فرنسا والمخزن حصريا.

علينا بناء هذا الخط الحديدي الإمبراطوري العظيم، وإن أمكن منع مَدِّ كيلومتر واحد منه في غرب المغرب قبل اكتماله، بمجرد إنجاز هذا البرنامج، سنكوم أكثر أمانا في المستقبل، حينها ستكون فرنسا والجزائر قد حققتا مصيرهما في شمال إفريقيا، ولن يتحقق هذا بين عشية وضحاها.

ولتحقيق هذا الهدف يجب علينا الحفاظ على توازن بين نفاذ صبر المستعمرين المشروع، وحكمة الدبلوماسيين المشروعة أيضا، وكما قال الكاردينال ريشيليو علينا أن ندع الزمن يأخذ مجراه، ونبحث عن العزاء في هذا الانتظار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظره في:

les confins Algero-Marocains par

Augustin Bernard Pp 344-353/1911

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
23°
الجمعة
24°
السبت
23°
أحد
26°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة