رمضان بين التعطّش للدعوة وضجيج التفاهة

رمضان بين التعطش للدعوة وضجيج التفاهة
هوية بريس – عابد عبد المنعم
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتجدّد لدى فئة واسعة من المشاهدين شغف البحث عن برنامج دعوي رصين يلامس قضايا الإيمان والسلوك، ويقدّم خطابا متوازنا يواكب أسئلة العصر دون تفريط في الأصول. غير أنّ كثيرين يُفاجَؤون ببرمجة يغلب عليها طابع الترفيه، ومسلسلات تُفرغ الشهر من مضمونه وروحه، بل وتُقدّم أحيانا صورا نمطية تُسيء إلى مظاهر التديّن أو تُطبع مع سلوكيات لا تنسجم مع قيم المجتمع.
وفي السياق ذاته، تميل بعض المنابر الورقية والإلكترونية إلى إثارة سجالات موسمية تمسّ أحكاما شرعية أو تستهدف دعاة وعلماء بارزين، عبر اقتطاع عبارات من سياقها أو تحميل كلمات محتملة ما لا تحتمل، بما يُنتج ضجيجا إعلاميا أكثر مما يقدّم نقاشا علميا رصينا. هذا الأسلوب، وإن كان يضمن نسب متابعة آنية، فإنه لا يسهم في ترسيخ ثقافة الحوار ولا في ترقية الوعي العام.
ومع ذلك، يبقى رمضان موسما يتجدّد فيه الإقبال على التدين ومجالس العلم والبرامج الهادفة، سواء عبر القنوات التلفازية الهافة أو المنصات الرقمية. كما يشهد الشهر حضورا لافتا لصلاة التراويح وحلقات القرآن، في مشهد يعكس رسوخ القيم الدينية في وجدان المجتمع، ويؤكد أن موجات الترفيه السطحي لا تستطيع حجب هذا التعطّش الروحي.
هذا وتكشف الأرقام والعطيات الميدانية أن حملات التشويش والاستهداف، مهما تعاقبت مواسمها، تظل محدودة الأثر أمام رسوخ الهوية الدينية في وجدان المغاربة. فقد وضع تقرير مؤشر التنوع الديني في العالم الصادر عن مركز “بيو للأبحاث” المغرب في المرتبة 197 عالميا من حيث التنوع الديني، بمؤشر بلغ 0,08 نقاط، مسجلا أن نسبة 99,7% من المواطنين يدينون بالإسلام. وهي أرقام لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها توصيفا ديمغرافيا، بل تعبيرا عن عمق انتماء ديني وحضاري وثقافي متجذر عبر القرون.
من هنا، فإن محاولات النيل من مظاهر التدين بالمغرب أو التشكيك في رموزه من لدن تيار متطرف لن تغيّر من هذه الحقيقة شيئا، ولن تصرف المغاربة عن إقبالهم الموسمي المتجدد على القرآن والتراويح والبرامج الدينية الهادفة. قد يرتفع ضجيج التفاهة، وقد تتكاثر العناوين المستفزة، لكن الوجدان الجمعي يظل أوعى من أن يُستدرج إلى معارك هامشية.
إن رمضان في المغرب ليس مجرد موسم تلفزيوني أو إعلامي، بل محطة إيمانية عميقة الأثر في الفرد، ومجالا تتعزز فيه مناعة المجتمع في مواجهة ما يستقبله من تحديات. كما تتجدد فيه صلة الناس بدينهم وقيمهم، وتترسخ فيه معاني التضامن والعبادة والانضباط الروحي.
وكل حملات الاستهداف، مهما اشتدت، لن تحصد إلا سرابا؛ لأن التدين في هذا البلد العريق ليس عارضا ولا طارئا، بل خيارا مجتمعيا راسخا، يتجدد مع كل أذان يُرفع فيه اسم الله أكبر، ويترسخ مع كل تكبيرة إحرام تُعلن قيام الناس بين يدي ربهم وخارقهم ومن إليه النشور.



