سوسيولوجيا الحشود في ظل مواجهة صدمة الأسعار

سوسيولوجيا الحشود في ظل مواجهة صدمة الأسعار
هوية بريس – خالد أوخراز
تشكل القرارات المرتبطة بأسعار السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها الوقود، لحظات كاشفة لطبيعة التفاعل بين السياسات الاقتصادية والسلوك الاجتماعي.
في هذا السياق، أثار الإعلان عن زيادة مرتقبة في أسعار الوقود في المغرب اصطفافا كبيرا للمواطنين أمام محطات الوقود قبل دخول الزيادة حيز التنفيذ بساعات قليلة، ما أدى إلى ازدحام شديد وفوضى تنظيمية. ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بردها إلى مجرد سلوك عفوي أو رد فعل انفعالي، بل ينبغي فهمها في إطار تحليل مركب يجمع بين الاقتصاد الجزئي والاقتصاد السلوكي وسوسيولوجيا الحشود وعلم الاجتماع السياسي. فهذه الحادثة تمثل نموذجا مصغرا لما يمكن تسميته ديناميات السلوك الجماعي في لحظات الصدمة الاقتصادية المتوقعة.
1: منطق التوقع الاقتصادي وإعادة توزيع الطلب زمنيا
من منظور الاقتصاد الجزئي، يمكن تفسير هذه الظاهرة بوصفها استجابة عقلانية لارتفاع متوقع في الأسعار. فعندما يعلم الفاعلون الاقتصاديون أن سعر سلعة معينة سيرتفع في وقت محدد، فإنهم يسعون إلى تقديم استهلاكها زمنيا، أي شراءها قبل الزيادة لتفادي التكلفة الإضافية. ويعرف هذا السلوك في الأدبيات الاقتصادية بإعادة توزيع الطلب بين الحاضر والمستقبل.
غير أن ما يبدو قرارا عقلانيا على المستوى الفردي قد ينتج عنه اختلال على المستوى الجماعي. فعندما يتخذ عدد كبير من الأفراد القرار نفسه في اللحظة نفسها، يرتفع الطلب بشكل مفاجئ يفوق القدرة التشغيلية العادية للسوق. وفي حالة محطات الوقود، التي تعمل وفق طاقة استيعابية محدودة، يؤدي هذا الارتفاع المفاجئ في الطلب إلى ظهور طوابير طويلة واختناقات تنظيمية. وهكذا يتحول السلوك العقلاني الفردي إلى أزمة مؤقتة على مستوى النظام الاقتصادي المحلي.
2: العدوى السلوكية ومنطق الحشود
لا تفسر الظاهرة بالمنطق الاقتصادي وحده، إذ يقوم البعد السوسيولوجي بدور حاسم في تضخيمها. ففي كثير من الحالات لا يتخذ الأفراد قرار الاصطفاف بعد حساب اقتصادي دقيق، بل بعد ملاحظة سلوك الآخرين. ويصف علماء الاجتماع هذا النمط من التفاعل بمفهوم العدوى الاجتماعية للسلوك، حيث ينتقل الفعل من فرد إلى آخر بسرعة عبر الملاحظة والتقليد.
وقد بين عالم الاجتماع الفرنسي Gustave Le Bon في كتابه الشهير “سيكولوجية الجماهير” أن الفرد داخل الحشد يميل إلى فقدان جزء من استقلالية حكمه العقلي، فيصبح أكثر قابلية للتأثر بالسلوك الجماعي السائد. وفي سياق السلع الحيوية، مثل الوقود أو الغذاء، يتعزز هذا النمط من العدوى السلوكية لأن هذه السلع ترتبط مباشرة باستقرار الحياة اليومية. ولذلك يكفي ظهور طوابير محدودة أمام بعض المحطات حتى تنتشر موجة الاصطفاف بسرعة، مدفوعة بتوقعات جماعية باحتمال نفاد السلعة أو ارتفاع سعرها الوشيك.
3: الاقتصاد السلوكي ونفور الأفراد من الخسارة
يقدم الاقتصاد السلوكي تفسيرا أعمق للدوافع النفسية الكامنة وراء هذا السلوك. فقد أظهرت أبحاث الباحثين Daniel Kahneman وAmos Tversky أن الأفراد لا يتعاملون مع القرارات الاقتصادية وفق حسابات عقلانية بحتة، بل تحكمهم تحيزات نفسية عديدة، من أبرزها النفور من الخسارة.
فوفق هذه النظرية، يميل الإنسان إلى تجنب الخسارة أكثر مما يسعى إلى تحقيق مكسب مماثل في القيمة. ففي حالة الزيادة في سعر الوقود، لا ينظر الأفراد إلى الاصطفاف باعتباره وسيلة لتحقيق ربح، بل باعتباره وسيلة لتجنب خسارة وشيكة. وحتى لو كان التوفير المالي الناتج عن الشراء المبكر محدودا نسبيا، فإن الشعور النفسي بتجنب الخسارة يدفع كثيرا من الأفراد إلى تحمل تكاليف زمنية واجتماعية كبيرة، مثل الانتظار الطويل أو الازدحام.
4: الثقة المؤسسية وإدارة التوقعات الاجتماعية
تتجاوز هذه الظاهرة أيضا البعد الاقتصادي والنفسي لتلامس مسألة الثقة في المؤسسات والسياسات العمومية. فالدراسات في علم الاجتماع السياسي تشير إلى أن المجتمعات التي تعاني من مستويات منخفضة من الثقة المؤسسية تميل إلى تطوير أنماط سلوك احترازية مبالغ فيها عند مواجهة التغيرات الاقتصادية.
في مثل هذه السياقات، لا ينظر إلى الزيادة السعرية باعتبارها حدثا اقتصاديا معزولا، بل باعتبارها مؤشرا على احتمال استمرار الارتفاعات أو عدم استقرار السياسات السعرية. ويؤدي هذا الإدراك إلى تضخيم ردود الفعل الجماعية، حيث يتحول السلوك الفردي الاحترازي إلى موجة جماعية من الطلب الاستباقي.
وفي هذا السياق تظهر أهمية التواصل المؤسساتي في إدارة التحولات الاقتصادية. فطريقة إعلان القرارات الاقتصادية وتوقيتها ووضوح مبرراتها يسهم بشكل كبير في تهدئة التوقعات الاجتماعية أو، على العكس، في تأجيج ردود الفعل الجماعية.
تكشف ظاهرة الاصطفاف أمام محطات الوقود عن التفاعل المعقد بين البنية الاقتصادية والسلوك النفسي والاجتماعي للأفراد. فهي من جهة تعكس استجابة عقلانية لارتفاع متوقع في الأسعار، لكنها من جهة أخرى تكشف عن ديناميات سلوك جماعي تتجاوز الحسابات الفردية لتنتج اختلالات مؤقتة في النظام الاجتماعي والاقتصادي.
وعليه، فإن إدارة مثل هذه الحالات لا تتعلق بالقرار الاقتصادي في حد ذاته، بل تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تأخذ في الاعتبار الاقتصاد السلوكي وسوسيولوجيا الحشود ومستوى الثقة في المؤسسات. فاستقرار الأسواق لا يتحقق فقط عبر آليات العرض والطلب، بل أيضا عبر إدارة توقعات المجتمع وبناء الثقة في السياسات الاقتصادية، بما يقلل من احتمالات تحول القرارات الاقتصادية التقنية إلى لحظات توتر اجتماعي واسع.



