عزل خطيب بالرباط يفجر تفاعلا علميا وأكاديميا واسعا

عزل خطيب بالرباط يفجر تفاعلا علميا وأكاديميا واسعا
هوية بريس – متابعات
أعاد قرار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية توقيف الأستاذ عبد الحميد الطالب، خطيب مسجد الرضا بمنطقة قصر البحر-العكاري بمدينة الرباط، فتح النقاش بقوة حول سياسة تدبير الحقل الديني بالمغرب، وحدود تدخل الوزارة في مضامين خطب الجمعة، وذلك بعد سنوات من الجدل المتواصل بشأن ما يعرف بـ”الخطبة الموحدة” والإجراءات التأديبية المتخذة في حق عدد من الخطباء والوعاظ.
وكانت “هوية بريس” قد علمت أن قرار التوقيف تم صباح الجمعة 20 ذي القعدة 1447هـ الموافق لـ8 ماي 2026، قبل ساعات قليلة من موعد الخطبة، حيث تم استدعاء الخطيب إلى المندوبية الإقليمية وإبلاغه بقرار التوقيف، في واقعة أثارت موجة واسعة من التفاعل داخل الأوساط الدعوية والعلمية والأكاديمية.
ويُعرف الأستاذ عبد الحميد الطالب بكونه إطارا بقطاع التعليم، كما راكم حضورا دعويا ووعظيا بعدد من مساجد العاصمة الرباط، فيما تشير المعطيات المتوفرة إلى أن سبب التوقيف مرتبط بما اعتبرته الوزارة عدم احترام المادة 7، بعد مطالبة الخطيب سابقا بتسليم نص خطبة تعود إلى 3 أبريل الماضي.
غير أن القرار الأخير لم يُقرأ باعتباره حالة معزولة، بل اعتبره متابعون حلقة جديدة ضمن سلسلة من قرارات الإعفاء والتوقيف التي طالت أسماء دعوية معروفة خلال السنوات الأخيرة، من بينها د.محمد أبياط وخالد التواج والعربي الكتاني ومحمد العمراوي وغيرهم، وهو ما جعل قضية تدبير المنبر تعود إلى واجهة النقاش العمومي.
وفي هذا السياق، شهدت منصات التواصل ومجالس النقاش تفاعلا لافتا من أكاديميين ودكاترة وباحثين، عبّروا عن رفضهم لما وصفوه بالتضييق المتزايد على الخطباء، معتبرين أن الوزارة انتقلت من مرحلة التأطير الإداري إلى مرحلة الرقابة الصارمة على المنابر.
ومن أبرز التفاعلات التي رافقت قرار توقيف الخطيب عبد الحميد الطالب، التدوينة الساخرة التي نشرها الدكتور مصطفى قرطاح، والتي حملت لغة نقدية حادة تجاه سياسة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في التعامل مع الخطباء. واعتبر د.قرطاح أن “العزل صار عنوان المرحلة”، وأن الوزارة تمضي في تشديد قبضتها على المنابر دون التفات إلى مكانة الخطباء العلمية والدعوية.
كما سخر من توالي قرارات الإعفاء، معتبرا أن قائمة الخطباء المعزولين أصبحت طويلة وذات أسماء وازنة داخل الساحة الدعوية، في إشارة إلى تنامي حالة الاحتقان داخل عدد من الأوساط العلمية والأكاديمية بسبب ما يصفه منتقدون بالتضييق على حرية الخطيب في التصرف داخل الخطبة، خاصة في ما يتعلق بموضوع الخطبة الموحدة وحدود الالتزام بها.
كما اعتبر الدكتور محمد عوام أن قرار توقيف الأستاذ عبد الحميد الطالب لم يكن مفاجئا، متهما الوزارة بالسير نحو “تجفيف المنابع والمنابر”، ومعتبرا أن الخطبة الموحدة تحولت عمليا من خيار تنظيمي إلى إلزام غير معلن، عبر تتبع الخطباء الذين يخرجون عن النصوص الموجهة.
ويرى متابعون أن خطورة هذا الجدل لا تكمن فقط في قرارات التوقيف ذاتها، بل في طبيعة العلاقة التي باتت تربط الوزارة بالخطباء والأئمة، خاصة مع تزايد الحديث عن غياب التوضيحات القانونية الكافية، وعدم فتح نقاش علمي ومؤسساتي واسع حول حدود الاجتهاد في الخطبة، ومساحة التصرف المتاحة للخطيب داخل الثوابت الدينية والوطنية.
كما يثير هذا المسار، بحسب عدد من الباحثين، أسئلة مرتبطة بمستقبل الخطاب الديني بالمغرب، ومدى قدرة المنبر على مواكبة قضايا المجتمع وهموم الناس إذا تم تقليص هامش الاجتهاد والتفاعل المباشر مع الواقع، مقابل الاكتفاء بخطب جاهزة أو مضامين مؤطرة بشكل صارم.
ويؤكد مهتمون بالشأن الديني أن المؤسسة الدينية المغربية ظلت تاريخيا قائمة على التوازن بين وحدة المرجعية وفسح المجال للاجتهاد المسؤول، محذرين من أن الإفراط في المقاربة الإدارية قد يخلق حالة من الاحتقان الصامت داخل عدد من الأوساط الدعوية والعلمية.



