عندما تصبح ثلاث سنوات ثمنا لمحاولة القتل.. أي رسالة نبعثها للمجرمين؟

14 يونيو 2026 18:57

عندما تصبح ثلاث سنوات ثمنا لمحاولة القتل.. أي رسالة نبعثها للمجرمين؟

هوية بريس – متابعات

أعادت قضية الشاب مراد بمدينة فاس إلى الواجهة سؤالا مقلقا يتعلق بمدى تناسب بعض الأحكام القضائية مع خطورة الجرائم المرتكبة، خاصة في قضايا “الكريساج” والسطو بالعنف واستعمال السلاح الأبيض. فالرجل لم يتعرض لسرقة هاتف فقط، بل تعرض، بحسب ما وثقته كاميرات المراقبة وما صرح به لاحقا، لطعنات خطيرة كادت أن تودي بحياته وتترك أبناءه أيتاما، قبل أن ينتهي المسار الابتدائي للقضية بالحكم على المتهم بثلاث سنوات حبسا نافذا.

ولا تكمن أهمية هذه القضية في تفاصيلها الجنائية فحسب، بل في النقاش المجتمعي الواسع الذي أثارته حول مدى قدرة العقوبات الحالية على تحقيق الردع المطلوب في مواجهة جرائم العنف الخطير. فحين يشعر المواطن بأن خروجه إلى العمل أو عودته إلى منزله قد يعرضه لاعتداء مسلح من أجل هاتف أو مبلغ مالي بسيط، فإن الشعور بالأمن يتعرض للاهتزاز، وحين يرى أن العقوبة لا تعكس في نظره حجم الخطر الذي تعرض له الضحية، تتزايد الأسئلة حول فعالية الردع الجنائي.

وتزداد هذه التساؤلات حدة عند استحضار قضايا أخرى مشابهة. فقد قضت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالجديدة بالسجن النافذ لمدة عشرين سنة في حق المتهم الرئيسي في قضية الاعتداء على سائق حافلة للنقل الحضري، وهي الواقعة التي وثقتها بدورها كاميرات المراقبة وأظهرت استعمال السلاح الأبيض والاعتداء على الضحية قبل الاستيلاء على أموال كانت بحوزته. وبين ثلاث سنوات في قضية مراد وعشرين سنة في قضية سائق الحافلة، يبرز لدى الرأي العام تساؤل مشروع حول أسباب هذا الفارق الكبير في العقوبات، حتى وإن كانت لكل قضية ظروفها الخاصة وتكييفها القانوني المستقل ومعطياتها المختلفة.

إن ما يقلق المواطنين اليوم ليس فقط وقوع الجريمة، بل احتمال تحول بعض المجرمين إلى قناعة مفادها أن المخاطرة تستحق المجازفة، وأن العقوبات قد لا تكون بالقدر الكافي لردع من يحمل السلاح الأبيض ويستبيح أمن الناس وأرواحهم. لذلك فإن قوة القانون لا تقاس بعدد الأحكام الصادرة، بل بمدى قدرتها على حماية المجتمع ومنع تكرار الجريمة وإشعار المعتدين بأن الثمن سيكون متناسبا مع خطورة أفعالهم.

وقد أصبحت جرائم “الكريساج” من أخطر الظواهر التي تؤرق المواطنين، لأنها لا تستهدف الممتلكات فقط، بل تمس الحق في الحياة والسلامة الجسدية. فكم من ضحية تعرضت لتشوهات دائمة أو إصابات خطيرة أو آثار نفسية عميقة بسبب اعتداء لم يكن الهدف منه سوى سلب هاتف أو محفظة. ولذلك فإن المطالبة بتشديد العقوبات في مثل هذه الجرائم لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة للانتقام، بل باعتبارها مطالبة بحماية المجتمع وصيانة حق الناس في الأمن والطمأنينة.

إن قضية مراد ليست قضية شخص واحد، بل هي قضية كل مواطن يخشى أن يكون الضحية المقبلة لاعتداء مفاجئ في الشارع أو الحي أو وسيلة النقل. ومن هنا تبرز الحاجة إلى نقاش وطني هادئ ومسؤول حول السياسة الجنائية وسبل تعزيز الردع وحماية الضحايا، بما يضمن التوازن بين حقوق المتهمين وحق المجتمع في الأمن والاستقرار. فالأمن ليس مطلبا فئويا أو ظرفيا، بل هو أساس العمران والاستقرار، وبدونه تفقد القوانين جزء كبيرا من قدرتها على طمأنة المواطنين وصيانة حقوقهم.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
24°
الإثنين
24°
الثلاثاء
24°
الأربعاء
24°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة