لكي لا يتحوّل الحزن من شعور فطري إلى أداة تعطيل

02 مارس 2026 16:45

لكي لا يتحوّل الحزن من شعور فطري إلى أداة تعطيل

هوية بريس-حسن حمورو

الحزن من مشاعر الفطرة التي فُطر عليها الإنسان، وهو انفعال إنساني نبيل، يكشف عن عمق العلاقة وصدق المحبة، ويعبّر في الوقت ذاته، عن هشاشة الكائن البشري أمام الفقد والخذلان أو الإحساس بالانكسار.

وقد جسّد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا المعنى، في أرقى صوره، حين قال عند وفاة ابنه إبراهيم: “إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون”، إذ لم ينكر الحزن، ولم يتصنّع القسوة، بل أقرّ بالمشاعر في إطارها الطبيعي، دون أن تتحول إلى اعتراض أو قنوط.

غير أن الحزن، حين يخرج من دائرة الشعور الفطري، إلى دائرة الاستغراق والاستسلام، يتحول إلى عبء على الإيمان وإعاقة للتجاوز، فالمؤمن مطالب بأن يعيش مشاعره، لكن دون أن يسمح لها بأن تُعطّل وظيفته في الحياة، أو تُضعف صلته بربه.

إن الحزن الطويل المسترسل قد يثقل القلب، ويُعمي البصيرة، ويُربك القدرة على التمييز واتخاذ القرار، والشيطان يدرك هشاشة البشر في لحظات الانكسار، فيستثمر في الحزن ليحوّله إلى وسوسة، ويغذّيه باليأس، ويُلبسه لباس العجز.

ومن الحزن غير المنضبط، تتسلل أسئلة الشك، وتتعاظم مشاعر الإحباط، ويبدأ الإنسان في الابتعاد عن غاية خلقه، وهي العبادة والعمران والإصلاح، وهكذا يتحول الحزن من دمعة رحمة، إلى سحابة قاتمة تحجب نور المعنى.

إن الحزن إذا طال أمده ولم يُضبط بالإيمان، فإنه يشلّ الحركة، ويُضعف القدرة على التفكير والفعل، ويزرع في النفس مَيْلاً إلى الانكفاء والانسحاب، وهنا يصبح أرضية خصبة للاستسلام للظلم والفساد والاستبداد، إذ إن الإنسان المحبَط لا يقاوِم، والفاقد للأمل لا يبادر، والمثقل بالحزن لا ينهض، ولعل في قوله تعالى “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين”، توجيها بليغا، يربط بين الحزن والوهن، ويجعل تجاوزهما شرطا للعلوّ والتمكين.

ليس المطلوب أن ننفي الحزن أو نكبت مشاعرنا، فذلك مخالف للفطرة، بل المطلوب أن يبقى الحزن في حدوده الطبيعية، شعورا يعبر بالقلب، لا قيدا يكبّل الإرادة، أي أن يحزن الانسان، نعم، لكن دون أن يفقد الثقة في حكمة الله، أو ينقطع عن واجبه في الإصلاح والعمل، وأن يبكي بسبب الحزن على فقد أو على هزيمة ربما، نعم، لكن دون استسلام.

إن المؤمن الحق، بدينه وبأمته أو بدولته، أو بمشروعه المجتمعي، هو من يُحسن إدارة مشاعره، فيجعل من الحزن لحظة تأمل ومراجعة، لا محطة توقف دائم، ويحوّل الألم إلى طاقة، والخسارة إلى درس، والانكسار إلى دافع للنهوض، فالحزن حين يُضبط بالإيمان يصبح رِقّة في القلب، ورحمة في السلوك، ووعيا بضعف الإنسان وحاجته إلى ربه وكلامه، أما حين يُترك سائبا، فإنه يتحول إلى باب واسع، يتسلل منه الشيطان ليعطل الإنسان عن رسالته.

فلنحفظ للحزن مكانته الإنسانية، لكن لنمنعه من احتلال قلوبنا، وليبقَ في دائرة الشعور الفطري العابر، لا في دائرة الاستسلام المقيم، ففي تجاوز الحزن حياة، وفي مقاومة اليأس قوة، وفي الثقة بالله علوٌّ في الأرض وعنان في السماء.

 

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
18°
22°
السبت
24°
أحد
23°
الإثنين
23°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة