لمحة عن المغرب والإسلام المغربي 1909م (2/1)

هوية بريس – ذ.إدريس كرم
سيداتي سادتي:
إن أحد أهم ضمانات دقة العلم، هو تحرره من تأثير أهوائنا، فالعقل يميل إلى تصديق ما يشتهيه، وهو أسير القلب، ولذلك يولي كثير من العلماء اهتماما بالغا، بالبحوث التي يعتبرها عامة الناس غير ضرورية:
فعندما يستفسر المستشرق من لغات الشرق عن أسرارها الدقيقة، أو عندما يتفحص نصوصا غامضة من تاريخ السلالات القديمة، يشعر أنه سيحافظ في هذه العوالم الهادئة للبحث العلمي، على السكينة التي يتطلبها، وأنه سيتذوق لذة اكتشاف الحقيقة في أنقى صورها وأبسطها، ولكن عندما ينصب تركيز العقل على مواضيع شديدة الخصوصية، ويعيدنا إلى صراعات البشرية اليومية، التي لا يسلم منها أحد في حياتنا المعاصرة، يصبح الحذر الشديد ضروريا، لاسيما مع ازدياد حدة الاهتمام، وهذا ما يجعل التعامل مع حدث جارٍ، أمرا جذابا، لكن بالنسبة للمغرب موضوع الساعة.
لا نحتاج للعودة بعيدا، لنتذكر زمنا كان فيه عامة الناس حتى المثقفين منهم، غير مبالين بالشؤون المغربية، ولم تكن تحظى إلا بمكانة هامشية في اهتمامات الدبلوماسيين الأوربيين.
وإذا تعمقنا قليلا في ذاكرتنا حين كنا -أنا على الأقل- على مقعد الكوليج college، نتذكر أن كل ما تعلمناه عن المغرب آنذاك، كان يُلخص في كلمات قليلة: المغرب، عواصم، المغرب، فاس، مكناس، مدينة رئيسية: طنجة، أما الخرائط فكانت تكاد تخلو من أي معلومات، حتى الخرائط الخاصة بالمغرب، إلى وقت قريب، كانت تحتوي مساحات فارغة من أراضي مجهولة، كتلك التي تصوَّرُ في قلب إفريقيا، حيث كان يعيش شعب؛ نيام-نام، الرجال بذيول.
منذ أن تغيرت الأمور، صرتم ترون أن المغرب أصبح أحد اللاعبين الرئيسيين، على رقعة الشطرنج الأوربية، كان السيد ديلكاسي، أول من حرك هذا البيدق، هو من أدخل المغرب إلى عالم السياسة العالمية.
وكما تعلمون، كم مرة طرحت القضية المغربية منذ ذلك الحين، يمكن تأليف مجلد ضخم، من عناوين كل ما كتب عن المغرب، ترددت أصداء الخطابات حول المغرب في أروقة البرلمان، امتلأت الصحف بالمقالات عن المغرب، وما تزال البرقيات تُرسل يوميا دفعات من التقارير المتعلقة بالمغرب، لذلك أعترف أنني أستمتع بمناقشة المغرب أمامكم، أو التعليق -بعد العديد من الآخرين-على أحدث أعمال دراسة المغرب أمامكم. وأعترف أيضا أنني سعيد بمناقشة المغرب أمامكم، وبالتعليق بعد كثيرين غيري، على الأحداث الأخيرة، فقد بدا لي أن دراسة الأسباب التي أدت إلى سقوط عبد العزيز، فرصة سانحة لمعالجة عدد من المسائل المتعلقة بالإسلام عموما، وهي مسائل من شأنها أن تلقي الضوء على هذه الأحداث الأخيرة، فضلا عن ذلك، لن يعود الموضوع مثيرا للجدل، إذا اختفى عبد العزيز، مؤقتا، من الساحة السياسية، في العام الماضي، كنا سنشعر بقلق بالغ إزاء المناقشات الحادة بين العزيزيين والحفيظيين، لكن ذلك أصبح اليوم من الماضي، ويمكننا الحديث عن عبد العزيز بثقة تامة.
أود أن أستكشف معكم أسباب هذا التعصب الشديد بين المغاربة، الذين يعارضون بشدة، أي تأثير لحضارتنا في بلادهم، وكيف أن أمورا بريئة كهذه التي انغمس فيها عبد العزيز، قد عجلت بسقوطه، باختصار كيف يبدو سلطان ندعمه، وكأنه معرض للخطر لمجرد دعمنا له، ولا يستطيع التعاطف مع أوربا، دون أن يعرض نفسه لازدراء رعيته.
لا نستطيع فهم المشاعر التي تحرك الشعب المغربي دون البحث عن جذورها، ليس فقط في المعتقدات الدينية للإسلام، بل أيضا في تلك المعتقدات القديمة التي تشكل أرضية مشتركة لروح الشعوب، والتي ما زالت آثارها محفوظة لنا في التراث الشعبي، هنا يجب تطبيق منهج علماء الاجتماع المعاصرين، فهو وحده الذي يتيح لنا فهم الأسس العميقة للمجتمع المغربي، بل وللمجتمع البربري ككل، فالمجتمع المغربي ليس إلا جزء من المجتمع البربري.
المغرب ليس كما تعلمون، شيئا منفصلا ومتجانسا يعارض ما يحيط به، إنه جزء من شمال إفريقيا، والصحراء تفصل شمال إفريقيا عن إفريقيا نفسها، بدرجة أقل بكثير، من ربط البحر الأبيض المتوسط لها بالشواطئ الجنوبية لأوربا؛ في الواقع ليست الصحراء هي التي تقسِّم، بل البحر هو الذي يوحِّد كل إفريقيا الصغرى، وبالتالي المغرب هي قبل كل شيء، دولة متوسطية.
كم من الأخطاء تم تجنبها، وكم من خيبات الأمل تم تجنيب المستعمرين، وكم من الوُفُورات في الميزانية تم تحقيقها، لو تم دحض الأسطورة التي جعلت من الجزاير بلدا استوائيا، وتكررت نفس الأخطاء في المغرب حيث كان هناك حلم، بإدخال محاصيل استوائية؛ قصب السكر والقطن، والبن، وما إلى ذلك.
هذا وهم يجب التخلي عنه تماما، سواء تعلق الأمر بالجزاير أو المغرب، فهما اللذان لا تنتجان ما يختلف كثيرا عن غيرهما من البلدان، على سواحل البحر الأبيض المتوسط، ومحاولة نقل النباتات الاستوائية إليها، تعني التعرض للفشل المحتوم، ويتضح ذلك بسهولة من خلال دراسة الظروف المناخية؛ مناخ استوائي، أي مناخ تمطر فيه السماء صيفا، وتجف شتاء.
عكس مناخ لا تمطر فيه السماء إلا شتاء، بينما يكون الصيف جافا. وهذا يعني أن جميع الظروف الملائمة للنباتات الاستوائية معكوسة، وأن أساليب الزراعة في أحدهما لا تنطبق على الآخر.
لا ينبغي أن يخدع المرء بوجود نوعين من النباتات الاستوائية، مثل الصبار الذي يحيط بالقرى، أو الذي يعود أصله إلى أمريكا، وأشجار النخيل التي لا تنضج هناك، فالنخيل لا ينضج إلا في الصحراء الكبرى، وحتى واحات جنوب المغرب لا تنتج إلا تمورا بالكاد صالحة للأكل.
نباتات المغرب متوسطة؛ غابات من أشجار البلوط الفليني، والصنوبر الحلبي، وأشجار العرعر، وهي أشجار صغيرة ذات أوراق جافة، لا توفر سوى القليل من الظل، ولكنها تتميز بقدرتها على النمو في أكثر أنواع التربة قحطا، يفضِّل البلوط الفِلِّينـي التربة السَّليسيَّة، ويزدهر الصنوبر في أفقر أنواع الطين، أما العَرْعار فيتشبث بالدعامات الصلبة للصخور الشِّيسِية القديمة.
تتشابه الحياة البرية، ولاسيما البحرية منها، تشابها لافتا مع تلك الموجودة في البحر الأبيض المتوسط، وتشكل تباينا صارخا، مع تلك الموجودة في إفريقيا، لدرجة أنه يمكن القول بأن أثر السفن هو الرابط الحقيقي الذي يربط شمال إفريقيا بقارة، وهذه القارة ليست إفريقيا، بل أوربا.
وعلى الرغم من أن هذه المنطقة من شمال إفريقيا تحمل طابعا متوسطيا، فهي تشكل نوعا واحدا ضمن منطقة البحر المتوسط، بعبارة أخرى، هل هي بلد متجانس حقا؟ لا شك في ذلك، لكن شمال إفريقيا مقسمة طبيعيا إلى مناطق عديدة، يصعب التواصل فيما بينها، كثيرا ما قيل بل ونشر أحيانا، بأن المغرب لا يمكن أن يكون جزائرًا أخرى، لصعوبة عبور جبال الأطلس الشاهقة، فضلا على أنه لا يمكن دخول المغرب إلا من وهران، عبر طريق واحد، لكننا نعلم أن الجزاير أيضا، مقسمة إلى مناطق يصعب الوصول إليها من غيرها، ولا تؤدي إليها سوى ممرات ضيقة، على سبيل المثال، يكفي ذكر مضيق سيف، ومضايق الشفة، وبالسترو، وغيرها من المناطق التي يعود الفضل في وجود الجزاير إليها، على الرغم من كونها وجهات سياحية شهيرة.
لكن على الرغم من أن هذه البلدان منفصلة عن بعضها البعض من حيث سهولة التواصل، إلا أنها تشترك كما ذكرنا سابقا في العديد من الخصائص، فالمناخ والحيوانات والنباتات متشابهة جدا، فلو أمكننا أن نأخذ مسافرا، ونلقي نظرة على أي نقطة في المغرب لنحدد له موقعه، لكان من المستحيل عليه أن يتعرف على سبيل المثال، على غابات المستيس الكثيفة، والزبرجد الزيتوني، والمستدقة في منطقة المتيجة أو في السهول التي تغطي شمال المغرب، ستستمر الصعوبة نفسها ليس فقط في الوديان، بل أيضا في مناطق قد يظن المرء أنها مختلفة تماما عن غيرها، مثل جبال الأطلس الكبير في المغرب، فعندما يصعد المرء إلى ارتفاع حوالي 1.500 متر يندهش كثيرا عندما يجد نفسه وسط مشهد جزائري؛ إنها نفس أشجار الصنوبر الصغيرة، بل إننا نجد أشجار العرعر على نفس المنحدرات المتآكلة، مما يجعل من المستحيل الجزم فيما إذا كانت هذه الأشجار من المغرب أو من الجزاير، باختصار، تربة شمال إفريقيا ككل متجانسة للغاية، وفي هذا السياق نشأ مجتمع لا يقل تجانسا:
المجتمع البربري الذي تكتنف أصوله كغيره من الشعوب غموض كبير، وأثار جدلا واسعا من الكتابات دون التوصل لجواب، أمر واحد مؤكد هو قِدَمُ هذا المجتمع، واتساعُه، وقد عثر على نقوش بربرية من سيناء إلى حدود المغرب، كانت اللغة البربرية لا تزال تُتحدث، في أزمنة حديثة نسبيا، في جزر الكناري، وكان للكناريش لهجة بربرية، وفقا لبنية التربية، تنقسم جميع لهجات شمال إفريقيا إلى أقسام:
قد لا يفهم أحدُ أهالي تَلَّ منطقة معينة من المغرب بسهولة من قبل اقْبَايْلي جزايري، ولكن بعد بضعة أيام من العيش معا، سيتمكنون من فهم بعضهم البعض، لأن اللهجات التي يتحدثون بها متشابهة إلى حد كبير.
في الواقع اللغة البربرية تتراجع قليلا كل يوم لصالح اللغة العربية، خاصة في الجزاير، لكنها ما تزال منتشرة في مساحات شاسعة من المغرب، ربما لا يتحدث البربرية، حتى ثلث هذه المساحة.

اللغة العربية التي حلت تدريجيا محل البربرية، هي لغة موحدة إلى حد كبير، تمتد من الإسكندرية إلى المحيط الأطلسي: على كل حال؛ كل الفروق في اللهجات العربية في هذه المساحة الكبيرة، تتشابه، فيما بينها أكثر بكثير من تشابهها مع اللهجات الأخرى.
لو فحصنا كل مؤسسة اجتماعية على حدة لتوصلنا إلى النتيجة نفسها؛ ولتأخذ مثالا خارجيا، فالملابس متشابهة تقريبا، على الأقل من سماتها الأساسية على سبيل المثال، الحايك، أقدم الملابس العربية، موجود في كل مكان، إنه قطعة قماش من الصوف، تلف حول الخصر، يبلغ طولها ما بين 10 و12 مترا، يسمى الرداء، يغطي الجسم بالكامل، دون خياطة أو زِرٍّ أو دبوس، ولذلك، فهو يعتبر لباسا بدائيا للغاية.
وينطبق الأمر نفسه على المساكن -مكان السكن- فسكان شمال إفريقيا، إما رُحَّل أو مستعربون، سواء كانوا عربا أو بربرا. لأن ما يحدد الموطن، هو في المقام الأول، طبيعة التربة؛ ففي المناطق الخصبة، تكون المجتمعات مستقرة.
أما في السهوب، فهم بالضرورة بدْوٌ رحل، وحدهم البربر الذين لجأوا إلى سلاسل الجبال، هربا من الغزاة، فكانوا أكثر حفاظا على بيئتهم هناك، يظهرون لنا اليوم بشكل خاص كساكنـي جبال، المسكن المغطى بالأغصان أو القش له دائما نفس المظهر، سواء كان في تونس أو أعماق المغرب، من زمن الرومان إلى الآن، بنفس شكل القارب المقلوب الذي وصفه سالوست.
أما خيمة البدوي المصنوعة من شعر الماعز، فهي أيضا من نوع ثابت، في جميع أنحاء المغرب.
تتشابه المؤسسات الاجتماعية في جميع أنحاء هذا البلد الشاسع: فالتنظيم الأساسي للمجتمع واحد في كل مكان، حيث يوجد رَبُّ الأسرة كرأس للعائلة والشيوخ على رأس كل قبيلة، والصفة القانونية للزواج واحدة في كل مكان، ويحتفظ هذا المجتمع بخصائص بدائية متشابهة، في كل مكان، على سبيل المثال، مؤسسة الثأر القديمة وهي مؤسسة اجتماعية تُعنى بالانتقام الشخصي، والتي لا تزال حتى اليوم، في العديد من البلدان البربرية في المغرب، تضفي مظهرا من النظام والأمان على العلاقات الاجتماعية.
وأخيرا يتعزز التشابه الكبير بين هذه البلدان جميعها بكون سكانها يدينون بالدين نفسه، وهذا الدين هو الإسلام كما تعلمون، فإن قلة من الأديان الكبرى تحتضن أتباعها بطريقة وثيقة الصلة بالإسلام. المفكرون يبحثون عن تلك المناطق التي بقيت مقاومة جزئيا للإسلام، بهدف رصد آثار العادات القديمة، تلك البقايا التي يحاولون من خلالها إعادة بناء تاريخ الحضارة البربرية.
حسنا! إن شمال إفريقيا هذا، المتجانس في جوانب عديدة، شهد مع ذلك مصائر مختلفة تماما في أجزائه المتنوعة.
إن تقلبات التاريخ -دعونا نستخدم هذا التعبير، مع التذكير بأننا نسمي “صدفة” تلك الأسباب التي لا نفهمها تماما- قد أدت إلى فقدان الجزاير استقلالها بالكامل، فاستقررنا هناك، وبنينا على ذلك الاستقرار ديمقراطية فرنسية، لم يتقبلها الأهالي بسهولة، وما يزال الصراع مستمرا إلى اليوم، بتقلبات في المصائر بين هذين الشعبين، واليوم بالكاد نرى بوادر انسجام مستقبلي.
تجربة مختلفة تماما تتابع في تونس، هناك لم نسع بعد إلى زرع إدارتنا ومستوطنينا، لكن فقط الاستفادة من مهارات المجتمع المحلى من خلال الإبقاء على أطرها السابقة.
أما المغرب، الجزء الثالث من شمال إفريقيا فقد ظل بمنأى عن التدخل حتى وقت قريب، كان إن صح التعبير أشبه بالصين على أبواب أوربا، بل إن المغرب قد بلغ في السنوات الأخيرة، بما يمكن وصفه بأقصى درجات الاستفزاز.
ورغم احترام أوربا له حتى الآن، إلا أنه كان أكثر أسلمة من الجزاير وتونس، وبالتأكيد أكثر من الجزاير، إن تاريخ المغرب؛ هو في جوهره تاريخ ديني، وربما أكثر تدينا من تاريخ بقية شمال إفريقيا، فالسلالتان الأعظم، اللتان حكمتا المغرب، المرابطون والموحدون، لم تفعلا في الواقع، وإن اختلفت عقائدهما، سوى اتباع النهج نفسه، في تنمية الإسلام المتشدد…
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر: les causes de la chute d,un sultan
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
Six conferences
Faites a l,ecole des langues orientales en mai 1909
Par M.Edmond Doute
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
Premier conference —8mai 1909
coup d,oeil sur le maroc et l,islam marocain
في:supplement a l,afrique francaise de juillet 1909. pp 129-132



