مآل خطبة الجمعة في ظل خطة تسديد التبليغ

07 مارس 2026 09:27

مآل خطبة الجمعة في ظل خطة تسديد التبليغ

هوية بريس – د.مصطفى قرطاح

إن مما أفرزته سياسة “الخطبة الموحدة”، المندرجة في خطة تسديد التبليغ أنها تردت بفئة عريضة من الخطباء في مهاوي العطالة العلمية و الفكرية؛ فقبل اعتماد هذه السياسة كان إعداد خطبة الجمعة يمثل امتحانا علميا ومنهجيا للخطيب، يتكرر عليه كل أسبوع.

ويصور شدة هذا الامتحان ما نقله الإمام ابن عبد البر القرطبي في كتابه بهجة المجالس وأنس المجالس عن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أنه قيل له: ” أسرع إليك المشيب؟ فقال: “فكيف لا أشيب وأنا أعرض عقلي على الناس في كل أسبوع”، يعني الخطبة.

كان على الخطيب، في كل جمعة، أن يفكر مليا في الإجابة عن جملة من الأسئلة المنهجية؛ من قبيل مناسبة الموضوع الذي سيتناوله للسياق الذي سيرد فيه، والتمثلات الواقعية للموضوع، وأدلته الشرعية ووجه دلالتها على مراده، ثم إلى تفصيل الموضوع: من مقدمته، إلى تحليله، وانتهاء بخلاصته وخاتمته، إضافة إلى الأسلوب الخطابي الذي سيعتمده ومدى مناسبته للموضوع من جهة، وللمتلقي من جهة أخرى.

كما كان عليه أن يجتهد في أداء الخطبة على أحسن وجه يستطيعه، مستثمرا مهاراته التواصلية’ بما يفضي إلى أن تحقق خطبة الجمعة الرسالة المقصودة منها في إصلاح المجتمع وحفز همم أفراده على التقرب إلى الله تعالى وفعل الخير ومجاهدة النفس.

كل هذا كان يشكل رياضة علمية وفكرية ومنهجية للخطباء، ومجالا خصبا للاجتهاد والإحسان والتعاون والتنافس والتمايز، وظهرت في المغرب فئة من الخطباء المتميزين الذين يشار إليهم بالبنان، كالدكتور فريد الأنصاري رحمه الله تعالى، ويدعى الخطباء إلى الحذو حذوهم والاجتهاد مثلهم، قدر ما يستطيع كل خطيب علت همته.

وقد كان الخطباء المجتهدون على قسمين اثنين: قسم ماهر، يجيد في إعداد خطبته كما يجيد في إلقائها، وقسم ثان متدرب، يتدرج في اكتساب الكفايات، يتعثر حينا ويصيب أحيانا، ويتلقى توجيهات وانتقادات، إلى أن يشتد عوده ويبلغ أشده. وهكذا يخلف جيل المتدربين جيل الرواد الماهرين، في متتالية إصلاحية تحفظ للمجتمع رجاله وللمنبر أهله.

أما في ظل هذه السياسة المعتمدة حاليا، وفي ظل توصيات الوزارة ب” الأخذ بخطبة الجمعة الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى” وحث مندوبي الشؤون الإسلامية بالأقاليم والجهات على عدم التهاون في مراقبة الخطباء وإلزامهم بتلك الخطبة، فَقدْ فقَدَ الكثير من الخطباء دواعي الاجتهاد وحوافزه، إذ يكفيه أن يٌحَمِّلَ الخطبة من موقع الوزارة ويصعد المنبر لقراءتها، مرتديا لباسه المغربي التقليدي، مغطيا رأسه حاملا عصاه، لا يسلم على الناس عند صعود المنبر، ويسدل يده عند الصلاة، ويتحلل بتسليمة واحدة، هذا هو منتهى الأمر.

ومما سيتداعى على أثر ذلك من نتائج أن منبر الجمعةسيفقد عبر الزمن هيبته العلمية والتوجيهية، إذ لم تعد الخطبة تتطلب مستوى علميا عاليا، و لا مهارات تواصلية، ومن ثم سيتسور الكثيرون المحراب، وسيتجرؤون على المنبر، لأن المهمة صارت مجرد قراءة ورقة فحسب.

كما أن الهيبة التوجيهية ستسقط من عين الناس، لأنهم يعلمون أن الخطيب إنما يقرأ لهم ما كتب له، ومنضبط لما يملى عليه، وأنه متابع فيه.

وخلاصة القول، فإنه بعد سنوات معدودات من اعتماد هذه السياسة إن استمرت، ستنمحي الخطبة والخطابة والخطيب، نعم ستبقى الأسماء والألفاظ، ولكن ستغيب الدلالات والمعاني والمقاصد، ونتيجةُ ذلك كله، لا قدر الله، تعطيلُ المسجد عن أداء رسالته الإصلاحية، وإفراغ شعيرة الجمعة من محتواها، وإسقاط هيبتها في النفوس، والإجهاز على الخطباء كنخبة علمية تتميز بقربها الشديد من المجتمع، ووتصل به في أقدس مكان وفي أعظم يوم، فئة كانت تمثل رموزا للمجتمع وأيقونة للإصلاح والتوجيه والإرشاد، والله المستعان على ما تصفون.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
20°
21°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة