متن سيد قطب.. بحث عن مسلك حضاري (1)

هوية بريس- محمد زاوي
توطئة
سبق لنا أن انتقدنا الحدود المعرفية والسياسية لفكر سيد قطب، فلا داعي للتذكير بها حيث تُراد غاية أخرى هي الكشف عن مسلك إنساني حضاري يجده القارئ بين ثنايا النص القطبي.. يتطلب النص القطبي حذرا خاصا، نوعا خاصا من التحري، لعل القارئ يستل منه قيمة حضارية أو إنسانية دون أن تنحسر آفاقه العلمية في حدود إيديولوجية لا تخلو منها كتب سيد قطب، ودون أن يجعل المرء من دعوته السياسية دليلا في عالم أكثر تعقيدا وجدلية مما تصوره سيد قطب..
نقبل على هذه الدراسة وليس في نفسنا دافع من هوى الماضي الإيديولوجي، فليس غرضنا فيها أن نعود بالحنين إلى أول متن قرأناه، فقد انتقدناه بعد ذلك عن علم ودراية، وعرفنا حدوده النظرية والعملية في فكر الإسلاميين قبل غيرهم.. وإنما غرضنا هنا إخراج الحي الحضاري والإنساني والوجودي من الميت السياسي والإيديولوجي والتاريخي، غرضنا أن نتوقع الباقي المنبعث بعد أن تطوي السنون شرطه السياسي وسياقه التاريخي.
يقدم سيد قطب مشروعه لنقد الاستغلال جنبا إلى جنبِ مشروعه السياسي الإيديولوجي ذي الآفاق الدوغمائية الضيقة، ويدافع عن إنسانية الإنسان في الوقت الذي يمارس في حقه بعض أنواع التمييز القائمة على منطلقات من قبيل “الجاهلية” و”استعلاء الإيمان” و”العزلة الشعورية”… لا يخلو نقد هذا المنحى لديه من جدارة، لكن الاكتفاء به قد يصيب الجوانب الحضارية والإنسانية لمشروعه بالإهمال، وهي ذات أهمية حسب ما نراه، خاصة في الأسلوب الأدبي والإنساني الذي قدّمت به، حتى غدت آسرة لأغلب من قرأها، منها تتسرب إليه عيوب سيد قطب النظرية والعملية.
في هذه الرحلة، سنحاول التنبيه إلى بعض الأفكار والاقتباسات التي تخرج سيد قطب من دائرة معركته السياسية إلى جانب “الإخوان”، كما تخلّصه مما تراكم على قوله من قول تكفيري ومن تبرير “للإرهاب المتأسلم”، لنضعه في مستوى آخر من النقد الحضاري والدفاع عن الوجدان الإنساني.. يستمد التفكير قيمته المعرفية من التمييز الدقيق بين مساحات النظر، بل داخل المساحة الواحدة. فإذا ضعف هذا التمييز لدى ممارس التفكير، كان إلى المواقع الإيديولوجية أقرب وعزّ عليه الإنصاف الفكري، وغدا نقده أحادي الجانب لا يستوعب ما لبعض الأقوال الفكرية من مضمون جدلي..
وعكس ذلك، فإنني كنت كلما تناولت فكر سيد قطب بالنقد إلا وضعته في إطاره الجدلي تصريحا أو تلميحا، ببيان أو بإشارة.. حصل هذا في عدة نصوص، عندما انتقدت موقفه من حرية الإنسان، وفهمه لسلوكه الجنسي، وقوله في “الحاكمية” و”العزلة الشعورية” و”استعلاء الإيمان”، وموقفه الرافض للوسائل والمناهج المعرفية الحديثة.. وكنت كلما كففت عن التأطير الجدلي لفكر سيد قطب لغاية نقدية، إلا كان هذا التأطير حاضرا في الذهن ينتظر زمن تحريره..
ويأتي هذا الزمن اليوم، في سياق نقاش أكبر متعلق ببلوغ “العمل الإسلامي الكلاسيكي” نهايته الإيديولوجية والعملية، ما يعجل بالحاجة إلى التفكير في إمكانات إعادة تدويره حضاريا ومعرفيا ووطنيا، بما يخدم الدول والمجتمعات العربية والإسلامية.. وليس هذا النقاش مقتصرا على عمل سيد قطب وحده، بل يتعلق الأمر بأفكار واختيارات فكرية وإيديولوجية إسلامية متعددة.. من أمثلتها استثمار “مدرسة المقاصد/ أ. الريسوني” معرفيا، واستثمار “مدرسة المشاركة/ ح. الترابي” وطنيا، و”مدرسة الحضارة/ مالك بن نبي” حضاريا، و”المدرسة النقدية/ ع. المسيري” فلسفيا واجتماعيا..
في هذا السياق يأتي اشتغالنا على متن سيد قطب من جديد، بما يشمل العناصر التالية:
1-نقد المجتمع الغربي/ الأمريكي.
2-الحفظ الإسلامي للسلام الأسري.
3-الدفاع عن فطرية الإنسان.
4-نقد النظام الاجتماعي الرأسمالية.
5-ترسيخ قيم العدالة الاجتماعية.
6-المطالبة بروحانية وتراحمية المجتمع.



