محاكم التفتيش تختفي أمام حكومة المال!

08 فبراير 2026 11:55
حزب في أغلبية أخنوش يصدر قرارات بالطرد والتأديب في حق 4 برلمانيين

محاكم التفتيش تختفي أمام حكومة المال!

هوية بريس – نبيل غزال

عرف المشهد الإعلامي والحقوقي المغربي، خلال السنوات الأخيرة، مظاهر إقصاء ممنهج استهدفت أصواتا مخالفة لمنهج معيّن، في سياق دولي متوتر إزاء قضايا الهوية والدين. وقد أفضى ذلك إلى توظيف بعض المنابر والجمعيات في ملاحقة دعاة ومفكرين وصحفيين وسياسيين، وكل من عبّر عن مواقف لا تنسجم مع التوجهات السائدة لدى هذه الأطراف.

لقد عشنا، خلال ما يمكن وصفه بـ”العشرينية السوداء”، حالة من الازدواجية بلغت في كثير من الأحيان حدّ النفاق؛ إذ رُفع خطاب يفاخر بلغة الحقوق وثقافة الاختلاف، بينما كان يمارس على أرض الواقع أنماط بشعة من صور القمع والاضطهاد والتحريض ضد الآخر، في لحظات بالغة الحساسية، ما أدى إلى سلب حرية أشخاص أبرياء، والزج بأسرهم وأبنائهم في دوامة الفقر والتهميش والتخبط الاجتماعي.

فبمجرد تصريح أو تدوينة أو موقف، كانت “محاكم التفتيش” تُنصب منصاتها، وتُطلق حملات التشويه والاتهام؛ تارة باسم الحداثة، وتارة باسم الدفاع عن الحريات، وأحيانا كثيرة باسم حماية الدولة من خطر الغلو والتطرف والإرهاب.

وخلال ولايتي حزب العدالة والتنمية، كانت هذه المحاكم مفتوحة على مصراعيها؛ بل أُنشئت جرائد ومجلات ومنابر خصيصا لهذا الغرض. وكان السؤال حينها حاضرا في كل شيء؛ في المال العام، والتعيينات، والتوظيفات، والصفقات، والفتاوى، والمواقف السياسية، بل وحتى في الإيحاءات والنوايا الشخصية. لم يكن هناك موضوع، صغيرا كان أو كبيرا، إلا وجرى تتبعه والتشهير به، بينما كانت الأصوات التي تدّعي الجرأة والنزاهة والمساءلة لا تتوقف عن الصراخ في كل الاتجاهات، مقدِّمة نفسها في صورة الحارس الفكري والأخلاقي والسياسي للمجتمع والدولة.

غير أن المفارقة الكبرى برزت مع مجيء حكومة عزيز أخنوش؛ ففي ظرف خمس سنوات فقط، انقلب المشهد رأسا على عقب، وساد صمت مريب من الأصوات نفسها التي كانت لا تهدأ. اختفت لغة المحاسبة، وتوارى أصحاب خطاب الجرأة إلى الظل، وأُغلقت أبواب محاكم التفتيش التي كانت مشرعة على الدوام. وفي المقابل، تفجّرت ملفات وفضائح تتعلق بالفساد ونهب المال العام، وباتت تُتداول قضايا الاتجار في المخدرات من طرف وجوه سياسية بارزة، وتمرير صفقات الأدوية وتحلية مياه البحر بمنطق “باك صاحبي”، فضلا عن تعيينات مفصّلة على المقاس، وتضارب المصالح، وارتباط بعض الوزراء بشركاتهم الخاصة، ناهيك عن الامتيازات والمحسوبيات التي أصبحت حديث الشارع.

ورغم خطورة هذه الملفات، ظل جزء كبير من الإعلام الذي كان يُوصف بالناقد والجريء صامتا، أو مترددا في أحسن الأحوال. لم نعد نسمع الحدة نفسها في الخطاب وعلى بلاطوهات التحليل، ولا المطالبة نفسها بالمحاسبة، ولا التهويل الذي كان يُمارس سابقا عند كل حدث عابر. وهو صمت يطرح سؤالا مشروعا حول استقلالية هذه الأصوات، وحول صدقية ادعائها الدفاع عن الشفافية ومحاربة الفساد والمصالح الكبرى للبلد.

وتعزز هذا التناقض أكثر بعد إعلان عزيز أخنوش تخليه عن الأمانة العامة لحزب التجمع الوطني للأحرار، وعدم ترشحه للانتخابات المقبلة؛ فبدل فتح نقاش نقدي حول حصيلة المرحلة، وتقييم السياسات العمومية، وفتح باب المساءلة السياسية، سارع بعضهم إلى الهروب إلى الأمام، مبررين الخطوة وواصفين إياها بـ”الشجاعة السياسية” والموقف غير المسبوق، وكأن الولاية الحكومية لا تستحق أي نقاش، وكأن الصفقات والاختلالات التي أُثيرت لم تكن موجودة أصلا.

وهنا يتجلى بوضوح تأثير المال في السياسة والإعلام؛ إذ لا يكمن الخطر الحقيقي في وجود الفساد فحسب، بل في ازدواجية المعايير في التعاطي معه؛ حيث يُفرض الصمت، بل يُسوّق للتبرير، كلما كان النقد مكلفا، ويُستدعى الخطاب الصاخب حين يكون الهجوم آمنا ومجزيا.

وبهذا يتبين للجميع أن “محاكم التفتيش” المعاصرة لا تُفتح أبوابها إلا حين يكون المتهم خارج دوائر المال والنفوذ، وتُغلق بإحكام كلما اقتربت الحقيقة من أصحاب القرار.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
22°
السبت
23°
أحد
24°
الإثنين
23°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة