مراكش من الهولوكست إلى حائط المبكى باب دكالة.. القبعات السود “تزحف” فوق بساط التسامح والتعايش

مراكش من الهولوكست إلى حائط المبكى باب دكالة.. القبعات السود “تزحف” فوق بساط التسامح والتعايش
هوية بريس – إبراهيم الطالب
موضوع الاختراق الصهيوني للمغرب ليس ترفا فكريا، بل هو واقع على الأرض، ومعالجته من صميم الأمن القومي المغربي، ومن ثَم هو مسؤولية الجميع. فزحف القبعات السود على أرض العلويين صار مكشوفا.
في سنة 2019 حتى قبل التطبيع الرسمي، نشرت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية أن إحدى المنظمات تعتزم بناء نصب تذكاري ومعارض لـ”الهولوكوست”، على بعد حوالي 26 كم جنوب شرق مراكش، ليكون الأول من نوعه في شمال إفريقيا. فقامت وزارة الداخلية المغربية بنفي ما تم الترويج له في الإعلام المغربي نقلا عن الجريدة بقولها: إن “الأنباء المتداولة بخصوص إقامة نصب تذكاري، على شكل لوحات فنية (…) لا أساس لها من الصحة”، وشددت على أن “المصالح المختصة لم تصدر أي ترخيص لإقامة أي مشروع”.
لكن خلاف لما تم ذكره انفجرت بعد أيام قضية الألماني الذي يرأس منظمة “بيكسل هيلبر” الألمانية وهي غير حكومية، والذي قام بجمع التبرعات من العالم لبناء نصب تذكاري لـ”الهولوكوست” قرب مدينة مراكش، بل قد أقدم على تنفيذ مشروعه وتدشينه وفق طقوس تلمودية، انتشر الفيديو، الأمر الذي اضطرت معه السلطات المغربية، مساء الإثنين 26 غشت 2019، للقيام بعملية هدم جزئي للنصب، وقد عرفت القضية تطورات خطيرة حيث تحدى الألماني الصهيوني السلطات وأهان المغاربة، ثم أفلت من العقوبة حيث كان قد بنى النصب بدون رخصة مع سرقته للكهرباء العمومي وإقامته بدون رخصة فوق التراب المغربي.
فمع من تواطأ هذا الألماني؟ ومن أعطاه الضوء الأخضر؟
إنها نفس الجهة التي تعطي الضوء الأخضر لإقامة تظاهرات دينية لها دلالاتها الخطيرة، كان آخرها الصلاة عند حائط باب دكالة والذي اتخذه الصهاينة الوافدون بديلا عما يسمونه في فلسطين السليبة بحائط المبكى، في تحد صارخ ومهين لعواطف وأحاسيس المغاربة، بل في انتهاك صارخ للسيادة المغربية، خصوصا وأن العاهل المغربي هو رئيس لجنة القدس.
لماذا قرر اليهود أن يخرجوا إلى الفضاء العام بطقوسهم وممارساتهم الدينية؟
لماذا لم يكتفوا بالبيعات التي تولت الدولة ترميمها وإعادة فتحها؟
هل لذلك صلة بالحركة الصهيونية التي انتقلت من بناء الوطن القومي إلى مرحلة إسرائيل الكبرى، التي تحكم الشرق الأوسط الكبير؟
صحيح علينا أن نميز بين اليهود أو ما تبقى من اليهود المغاربة الذين لم يغادروا البلاد، وبين اليهود المتصهينين الذين تحاول المنظمات الصهيونية إعادة نشرهم في المغرب، ويطالبون السلطات بأن تمنح أحفادهم الجنسية المغربية.
لكننا بالموازاة نؤكد على أن القضية على درجة من الخطورة، لا ينبغي معها بحال أن نجعلها موضوعا للبوليميك، فهذا الصنف من القضايا لا يقبل لا المزايدة ولا النقاش الترفي.
إذ من المعلوم لدى العالم بأسره أن الحركةَ الصهيونية حركةٌ توسعية تسعى إلى الاستحواذ والإخضاع والهيمنة، فهي شبيهة في أساليبها بالإمبريالية التي عرفها العالم الإسلامي خلال القرن 19 عشر، والتي انتهى استهدافها له بوقوعه تحت الاحتلال ثم التقسيم، إلا أن الصهيونية هي أقذر وأوسخ من الإمبريالية.
وكلاهما يدخل عبر بوابة شعارات السلام والتعايش، وهنا ينبغي أن نقف للتأمل.
فخلال مرحلة ما بعد 11 شتنبر 2001 تم الاشتغال بقوة على إشاعة شعارات التسامح والتعايش ونبذ الحقد والكراهية، من خلال أوراش كبرى كان أهمها ورش تجديد الخطاب الديني، واستغلت الأحداث الدامية الإرهابية المتتالية التي عرفتها البلاد أبشع استغلال، في جعل هذه الشعارات بمثابة مصدر للسلطة تخضع العقول وتمنع الاعتراض والنقد، وكان المتهم الرئيس في كل القضايا هو التيارات الإسلامية والتدين بل والفقه والتراث، والتاريخ الإسلامي والجهاد، وعقيدة الولاء والبراء، بل حتى اللحية والجلباب والحجاب.
وقد استفاد من هذه الحالة النفسية والاجتماعية والأمنية، بالإضافة إلى حدة وقوة سياقات الربيع العربي، المكون العبري الذي عرف كيف يدخل الدستور باستغلال الأجواء التي ذكرناها.
لكن السؤال بعد 15 سنة هو: لماذا تم افتعال ضجة أثناء النقاش حول التعديلات الدستورية التي سبقت دستور 2011 حول بند “دين الدولة الإسلام”؟
لماذا أثير كثير من الغبار حول إسلامية الدولة، هل كان هذا لازما لمنع الغطاء حتى يتسلل المكون العبري إلى الدستور دون نقاش عن تداعياته والتي منها هولوكوست مراكش وحائط المبكى بباب دكالة؟
والمتتبع للشأن المغربي يلحظ بوضوح أن هذا المكون العبري قد استطاع أن يستوعب المكون الصهيوني أيضا، والذي لا يهم لا يهود ولا توراة ولا إنجيل، بل المهم لديه هو المال والأعمال والاستحواذ والهيمنة.
ونحب في هذه العجالة أن نقف مع تلك الشعارات التي هيأت لفتح البلاد والاقتصاد والكل ميادين والقطاعات للشركات الصهيونية.
إن العلاقة بين المعرفة والسلطة هي من أعقد العلاقات، لذا نجد القتلة يتحدثون عن السلام والمحبة وحقوق الإنسان، ولهذا فإن شعارات التسامح والتعايش ونبذ الكراهية ليست بريئة على الإطلاق عندما تستخدم في التعمية عن الأجندات التوسعية، إذ تلعب حينها أقذر الأدوار في الفتك بالوعي الجمعي، لتصبح من أهم الأسلحة التي تستخدم خلال كل عملية توسعية، وبالتتبع يدرك المرء أنها تستعمل لهدفين:
الهدف الأول: التنويم ويُستهدف به المغفلون من المغاربة (النخب والعامة) الذين تمت برمجتهم بشكل لا علاقة له لا بالتاريخ المغربي ولا بالهوية المغربية ولا بالإسلام، فتكوينهم علماني ولو كانوا يصلون ويحجون ويصومون، وهذا تحول اجتماعي هوياتي ظهر في مغرب ما بعد الاستقلال وله أسبابه ونتائجه.
الهدف الثاني: إظهار المنتقِد لدعاوى التعايش والسلام، بمظهر المتطرف، وذلك بعزله عن دائرة “التامغرابيت” والنضال والنقد الحر، وإلحاقه بدائرة الكراهية والحقد والتعصب الديني.
علما أن هذا هو الأسلوب نفسه الذي تعامل به إيدموند دوتي ورفاقه من مستشرقي الفرنسيين مثل لوي ماسينيون وإرنست رينان ممن انتقدوا المجتمع المغربي والإسلامي عموما وفسروا موقف المغاربة من الأجنبي، بكونه يتأسس على “التعصب الديني”.
والتعصب الديني عندهم شيء مرتبط بالتخلف والرجعية، والكراهية والحقد. لكن المقصود كان هو هدم جدار الولاء والبراء، عبر عملية تروم “إصلاح” الإسلام من الداخل حتى يقبل المسلمون بالحضارة الغربية بدل الحضارة الإسلامية التي كانت في شيخوختها آن ذاك.
ففي أواخر القرن 19، تشكل داخل الحقل الاستشراقي خطاب يفسر مقاومة المجتمعات الإسلامية للأوروبيين عبر مفهومين رئيسيين هما:
– التعصب الديني (Fanatisme Religieux)
– الانغلاق الحضاري
هذا الخطاب لم يكن بريئا معرفيا، بل كان يقوم بتأطير ثلاث وظائف، أولاها: تفسير المقاومة دون الاعتراف بطابعها السياسي، وهو تحويل كامل لمقاومة الاحتلال الذي هو حق للشعوب قاطبة، إلى اعتبارها مجرد رد فعل “عقائدي أعمى”.
وثانيها: نزع الشرعية عن الرفض الإسلامي للأجنبي، بدل اعتباره دفاعا عن السيادة أو الهوية، وذلك لإسقاط المقاومين وإظهارهم بمظهر الخوارج والمشاغبين الفوضويين.
أما آخرها فتروم تقديم “الاستعمار” كـ”مهمة تمدينية”، لأن المجتمعات الإسلامية في نظر الأوربي/ الغربي هي “متعصبة” تحتاج إلى “تحرير”.
ويُنْظر هذا عند إدوارد سعيد في نقده العلمي الماتع المفيد، حيث بيّن أن الاستشراق ليس مجرد معرفة، بل نظام خطاب يخدم السلطة.
والسلطة، في السياق الذي نتحدث عنه هنا، تعني الدول الإمبريالية وما التصق بها من شركات عابرة للقارات، تكون طلائع للجيوش الاستعمارية.
وهذا تماما ما يعيشه المغرب اليوم مع زحف القبعات السود، فعدد الشركات الصهيونية التي غزت المغرب خلال 20 سنة الأخيرة تضم إلى كثرتها تنوع اختصاصاتها ونشاطاتها، مما يبعث على الريبة ويثير القلق والتخوف، خصوصا أن مراكز الدراسات عندنا غير مستقلة وأغلبها يتبع الدول الغربية الموالية للصهيونية هذه الدول التي أصبحت خادمة بالمكشوف لدولة الصهاينة، وتقرها في بربريتها وهمجيتها وإرهابها، وتغض الطرف عن انتهاكاتها للقانون الدولي وكل الأعراف البشرية والشرائع السماوية، كما تقرها على توسعها ومشاريع هيمنتها على حساب دول الجوار وسيادتها.
فكيف تم الانتقال من تهمة “التعصب” إلى عملية تفكيك “جدار الممانعة”؟
وقبل ذلك نتساءل ما هو “جدار الممانعة”؟
تاريخيا ومن خلال الشريعة والفقه الإسلاميين قامت المجتمعات، على امتداد البلاد الإسلامية وعلى اختلاف الدول التي تعاقبت على الحكم فيها، بتطوير آليات لحماية نفسها من سيطرة غير المسلم (الأجنبي الكافر) على الأرض، وحماية استقلالها، ومنع اختراق بنياتها، وقد تنوعت تلك الآليات فكان منها دينية عقدية، وتمثلت في عقيدة الولاء والبراء، واجتماعية وتمثلت في ما قد يصطلح عليه بالتمايز أو عدم التشبه بالكفار، وكذلك قانونية حيث ميز العلماء بين دار الإسلام ودار الكفر.
وقد كانت تلك النظم الحمائية للمجتمع والعقائد والتي شكلت جدار الممانعة لقرون عديدة، موضوعات للمستشرقين، حيث استهدفوها بالنقد والاستهجان، وتمت إعادة تأويلها عبر ثلاث خطوات:
الأولى: تحويلها من “نظم للحماية” مؤصلة بالعلم الشرعي إلى مجرد “تعصب ديني” ناتج عن الخوف من الغريب والأجنبي، وقد عُقدت لذلك الندوات والدروس وتلقاها التلاميذ عن الأساتذة دون تفكير ولا تمحيص.
الثانية: نزع الشرعية عنها، بحيث تم فصلها عن المرجعية الشرعية العلمية المؤسسة لها، كما تم تفسيرها على أنها نتجت عن تطرف نتج بدوره عن البداوة والجهل والتخلف.
الثالثة: عزل “تفعيل” العلماء والمجتمع للنظم الحمائية عن السياق السياسي وذلك بتعمدهم تجاهل أثر الغزو الاستعماري والاختراق الأوروبي، الذين استوجبا الممانعة التي تمظهرت في حركات الجهاد والتي لم تتوقف سوى في سنة 1934.
إن مفهوم “التعصب الديني” في كتابات أمثال رينان ودوتي وماسينيون لا يمثل توصيفا محايدا لسلوك المسلمين والمجتمعات الإسلامية، بل كان بمثابة بناء معرفي كولونيالي أعاد تأويل آليات الدفاع العقدي والاجتماعي (ومنها ما يُصطلح عليه بالولاء والبراء) بوصفها عائقا حضاريا، بهدف نزع الشرعية عن مقاومة المجتمعات الإسلامية للاختراق الأوروبي، وفتح المجال أمام مشروع الهيمنة الإمبريالية عبر الدعوة إلى تفكيك تلك البنى أو إعادة تأويلها.
إننا نحتاج في المغرب إلى إعادة قراءة ما جرى خلال الربع الأول من هذا القرن، حتى نتدارك ما حل بأمتنا المغربية ومجتمعنا وديننا وعقلنا الجمعي من عاهات لا بد أن تكون محل استغلال من طرف الصهيونية الدولية إن لم يتم معالجتها.
وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.



