لماذا تفقد البصيرة حين تنجرف وراء غرائزك؟

18 يوليو 2026 20:45

لماذا تفقد البصيرة حين تنجرف وراء غرائزك؟

هوية بريس – يوسف الحزيمري

خلق الله عز وجل الإنسان في أحسن تقويم، وركب فيه غرائز كثيرة مضبوطة بالأمر والنهي، ومُجمّلة بالآداب والأخلاق، فمهما نزعت تلك الغرائز عن الاعتدال إلى الجور والإفراط، وعن الانضباط بالأمر الإلهي إلى العبث، وقع الاختلال في نفس الإنسان وجسده، وتعطلت ملكة العقل والتفكير السليم، وحجبت الحواس عن أداء وظائفها، ومن ثم فكل ما يسيطر على القلب والنفس من انفعال شديد (سواء كان سلبيًا كالغضب والطمع، أو كان مرتبطًا برغبة قوية كالحب والحاجة) يحجب عن الإنسان الرؤية الصحيحة والحكم العادل على الأشياء، فيغيب التمييز والعقلانية والموضوعية، وتبصُّر الحق أو الصواب أو عواقب الأمور.

وقد نبه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة إلى هذه القاعدة المهمة في الانضباط والاعتدال، وحذر من الآثار الوخيمة التي يتسبب فيها الخروج عن الأمر التشريعي إلى ذلك العبث وتحكمات تلك الغرائز.

وما أهلك البشرية إلا ذاك النزوع إلى تلبية متطلبات تلك الغرائز بدون الوقوف إلى وازع من دين أو عقل أو أخلاق، أو وازع من سلطان وقانون وعرف اجتماعي.

والمتأمل فيما أنتجه الحكماء، وأهل التربية والسلوك، يجد له لائحا حقيقة هذا الأمر، فالتعصب والغضب عندهم يعمي صاحبه عن الحق والحقيقة، فتأخذه العزة بالإثم، ويعرض عن النصح إذا نصح، وربما زاد هيجانًا، وإذا روجع في قول ازداد سخطًا ولجاجًا.

والهوى يعمي صاحبه ويصمه، ويسقطه في عواقب المهلكات، ولذلك العاقل من يتفكر في عواقب الهوى، فينظر كم فضيلة فوتها، وكم رذيلة واقعها، والعاقل من يتفكر في ضدها، من اكتساب الجميل في الدنيا، وسلامة النفس والعرض، والأجر في الآخرة.

وحبُّ الدنيا، والطمعُ فيها والجشع، كل ذلك يعمي صاحبه عن معالي الأمور والتعامل مع الناس بالحسنى.

قال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول: «فَمن أحب الدُّنْيَا أعمته وأصمته عَن آخرته وَمن أحب الْآخِرَة أعمته وأصمته عَن دُنْيَاهُ وَمن أحب نَفسه أعمته وأصمته عَن الله وَمن أحب الله أعماه وأصمه عَن نَفسه فَإِن الدُّنْيَا تحجب عَن الْآخِرَة وَالنَّفس تحجب عَن الله ودنياه إِنَّمَا هِيَ نَفسه وشهواتها فسحرها أقرب إِلَيْهِ من سحر هاروت وماروت فسحر نَفسه ودنياه أُصَلِّي وسحر هاروت وماروت دخيل وَلَيْسَ الدخيل كالأصلي»

وأيضا فالحب والعشق المفرطان للشيء يعميان صاحبهما، أخرج أبو داوود في سننه في كتاب الأدب 5130 ، وأحمد في مسنده  5/194.» عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حبك الشيء يعمي ويصم)، قال ابن كثير: وهذا الحديث بسنديه ضعيف،… ولكن المعنى صحيح.

قال السندي: حبك الشيء يعمي ويصم، من الإعْماءِ والإصْمامِ، أي: يُجعل أعمى عن رؤية معايبه، وأصم عن سماع قبائحه.

قال «العلامة محمد الأمين الهرري الشافعي»: “أَرَادَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أنَّ من الحُبِّ ما يعمي عن طريق الحقّ والرَّشدِ، ويُصِمُّكَ عن استماع الحق، وإنَّ الرجل إذا غلب الحُبُّ على قلبه، ولم يكن له رادعٌ من عقلٍ، أو ديْنٍ أصمَّهُ حُبُّه عن العدل، وأعماه عن الرشد، أو يعمي العين عن النظر إلى مساويه، ويُصِمُّ الأذن عن استماع العذل فيه، أو يعمي، ويُصِمُّ عن الآخرة، وفائدته: النَّهي عن حُبِّ ما لا ينبغي الإغراق في حُبِّه»

وقال المناوي في معناه: « حبك الشيء يُعمي ويُصم، أي: يجعلك أعمى عن عيوب المحبوب أصم عن سماعها حتى لا تبصر قبيح فعله، ولا تسمع فيه نهي ناصح، بل ترى القبيح منه حسناً، وتسمع منه الخنا قولاً جميلاً … أو يُعمي عن الآخرة أو عن طرق الهدى، وفائدته النهي عن حب ما لا ينبغي الأغراق في حبه.»

قال في نوادر الأصول: فالقلب وَاحِد فَإِذا أحب الدُّنْيَا أعماه وأصمه عَن الْآخِرَة فَإِن الْحبّ حرارة تتوقد فِي الْقلب فَإِذا ولج الْقلب حرارة الشَّهْوَة تعميه وتصمه عَن كل شَيْء سواهُ وَإِذا أحب الْآخِرَة أعماه عَن الدُّنْيَا وأصمه لِأَنَّهُ صَارَت لَهُ الْآخِرَة مُعَاينَة بِالنورِ الْوَارِد على قلبه وهاجت شَهْوَته لَهَا واستجر قلبه وتوقد فأعماه وأصمه عَن كل شَيْء سواهَا وَإِذا أحب مَوْلَاهُ أعماه وأصمه عَن جَمِيع مَا خلق وَعَن كل مَا سواهُ لِأَنَّهُ إِذا توقد نوره فِي قلبه انْكَشَفَ الغطاء عَن جَلَاله وعظمته وجماله وبهائه وكبريائه فأعماه وأصمه عَن كل شَيْء سواهُ وَهَكَذَا ركب فِي طباع الْآدَمِيّين أَن يسموا قلبه إِلَى الأرفع فالأرفع

وقال الجاحظ في رسائله: «والحبّ اسمٌ واقع على المعنى الذي رسم به، لا تفسير له غيره؛ لأنه قد يقال: إن المرء يحبُّ الله، وإن الله جلّ وعزّ يحبّ المؤمن، وإن الرجل يحبُّ ولده، والولد يحبّ والده ويحبُّ صديقه وبلده وقومه، ويحبُّ على أي جهة يريد ولا يسمَّي ذلك عشقاً. فيعلم حينئذ أن اسم الحبّ لا يُكتفي به في معنى العشق حتّى تُضاف إليه العلل الأُخر إلاّ أنه ابتداء العشق، ثم يتبعه حبُّ الهوى فربّما وافق الحقّ والاختيار، وربّما عدل عنهما. وهذه سبيل الهوى في الأديان والبلدان وسائر الأمور. ولا يميل صاحبه عن حجّته واختياره فيما يهوى. ولذلك قيل: ” عين الهوى لا تصدق “، وقيل: ” حبُّك الشيء يعمي ويصمّ “. يتخذون أديانهم أرباباً لأهوائهم. وذلك أنَّ العاشق كثيراً ما يعشق غير النِّهاية في الجمال، ولا الغاية في الكمال، ولا الموصوف بالبراعة والرشاقة، ثم إن سئل عن حجّته في ذلك لم تقم له حجّة.»

ومن الأمثال قولهم: (صاحب الحاجة أعمى أصم) و(الغرض مرض)، قال في «كشف الخفاء»: “المشهور على الألسنة الآن صاحب الحاجة أعنى – بالنون أو الياء بعد العين لا بالميم – لا يروم إلا قضاءها، واشتهر أيضا صاحب الحاجة أرعن لا يريد إلا قضاءها”.

قال في «الخصائص»: «وذلك أن صاحب الحاجة كلف بها، ملازم للفكر فيها، ومقيم على تنجُّزِها واستحثاثها.»

وبعد، فإن هذه الشواهد التي سقناها من كلام الحكماء وأهل السلوك، والتي توافقت عليها العقول قبل النقول، لتكشف عن سنة ثابتة في النفس الإنسانية: أن كل غريزة تُركت بلا زمام، وكل شهوة استحكمت من القلب بلا رادع، أورثت صاحبها عمًى عن الحق وصممًا عن النصح، وأوقعته في متاهة الهوى التي لا يُبصر فيها عاقبة، ولا يسمع فيها ناصحًا.

ولهذا كانت حكمة الشريعة الغراء في تقرير الوازع الديني قبل كل وازع، إذ هو الرقيب الذي لا يغفل، والحسيب الذي لا يخدع، فمن استشعر مراقبة الله في سره وعلنه، استغنى عن سياط السلطان وقيود القانون. غير أن ضعف النفوس، وتفاوت الناس في قوة الإيمان واستحكام العقل، اقتضى أن يُقيَّض للدين وازعٌ آخر من سلطان يردع، وقانون يزجر، وعرف يستحيي منه صاحبه، تحقيقًا لتلك الحكمة النبوية الخالدة: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».

فالسعيد من جعل بصره نافذًا إلى العواقب قبل وقوعها، ووزن شهواته بميزان الشرع والعقل معًا، فلم يُسلم قياده لغضب يُعميه، ولا لهوى يُصمه، ولا لحبٍّ يُذهب رشده؛ فذلك هو الحر حقًا، وإن كان في الظاهر عبدًا لربه، ومن أرخى لنفسه العنان في هواها، فقد استعبدته شهوته، وإن ظن أنه سيد أمره.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
25°
أحد
26°
الإثنين
26°
الثلاثاء
26°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة