معركة الهوية بالمغرب.. هل يقود التطرف العرقي إلى قطع الأمازيغية عن جذورها؟

معركة الهوية بالمغرب.. هل يقود التـطرف العرقي إلى قطع الأمازيغية عن جذورها؟
هوية بريس – عابد عبد المنعم
في السنوات الأخيرة عاد النقاش حول قضايا الهوية واللغة والتراث الثقافي إلى واجهة السجال العمومي بالمغرب، خصوصا مع بروز أصوات تدعو إلى إعادة قراءة التاريخ الثقافي للمغرب من زوايا متباينة، بعضها يركز على المشترك الحضاري الذي جمع المغاربة عبر القرون، وبعضها الآخر يميل إلى إبراز الخصوصيات الثقافية واللغوية بصورة قد تصل أحيانا إلى حد القطيعة مع المكونات الأخرى للهوية الوطنية.
وفي خضم هذا الجدل، يحذر عدد من الباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي من مخاطر الانزلاق نحو خطاب عرقي متطرف يحاول تصوير مكونات الهوية المغربية وكأنها متناقضة أو متصارعة، في حين أن التجربة التاريخية للمغرب قامت على التفاعل والتكامل بين روافد متعددة صهرتها قرون من العيش المشترك داخل إطار حضاري واحد.
وفي هذا السياق، أثارت تدوينة للوزير المنتدب السابق المكلف بالتعليم العالي، الدكتور خالد الصمدي، نقاشا واسعا بعدما تناول فيها العلاقة التاريخية بين الأمازيغية والحرف العربي، محذرا مما اعتبره محاولات لإحداث قطيعة مع جانب مهم من التراث الأمازيغي المكتوب.
واعتبر الصمدي أن آلاف المخطوطات والوثائق التي خلفها علماء وأدباء أمازيغ عبر مختلف مناطق المغرب تشكل دليلا على عمق الارتباط التاريخي بين الأمازيغية والحرف العربي، مشيرا إلى أن هذا التراث ما يزال محفوظا في الخزائن العلمية والمكتبات العتيقة والزوايا والمدارس التقليدية المنتشرة في سوس والأطلس والريف والصحراء وغيرها من مناطق المملكة.
وأكد أن علماء أمازيغ أسهموا عبر قرون في التأليف والتدريس في مجالات التفسير والحديث والفقه والسيرة والتاريخ والطب والفلك وغيرها من العلوم، كما ساهموا في خدمة اللغة العربية نفسها، وهو ما يعكس طبيعة التفاعل الحضاري الذي طبع تاريخ المغرب.
وتوقف الصمدي عند ما وصفه بمحاولات فصل الأمازيغية عن محيطها الحضاري والتاريخي، معتبرا أن مثل هذه الطروحات قد تؤدي إلى إضعاف الصلة بين الأجيال الجديدة وبين رصيد ثقافي وعلمي ضخم راكمه المغاربة على امتداد قرون.
ويرى متابعون أن أهمية هذا النقاش تتجاوز مسألة الحرف أو الكتابة إلى سؤال أعمق يتعلق بكيفية صيانة الوحدة الوطنية في ظل التنوع الثقافي واللغوي. فالمغرب، بحسب العديد من الباحثين، لم يبن هويته على الإقصاء أو الصراع بين مكوناته، وإنما على التفاعل والتكامل بين روافد متعددة شكلت في مجموعها الشخصية المغربية المتميزة.
وفي المقابل، تتزايد الدعوات إلى مواجهة كل أشكال التطرف العرقي والثقافي، سواء تلك التي تحاول إقصاء الأمازيغية أو التقليل من شأنها، أو تلك التي تسعى إلى عزلها عن محيطها التاريخي والديني والثقافي. فمثل هذه النزعات لا تخدم التنوع المغربي بقدر ما تغذي الانقسام وتفتح الباب أمام صراعات هوياتية أثبتت تجارب عديدة في العالم أنها تهدد التماسك الاجتماعي والاستقرار الثقافي وتخدم بالدرجة الأولى أجندات خارجية.
ويبقى الرهان الحقيقي، وفق عدد من المهتمين بالشأن الثقافي، هو الحفاظ على الأمازيغية والعربية معا باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للهوية المغربية، وتثمين التراث المشترك الذي صنعه المغاربة بمختلف أصولهم وانتماءاتهم، بعيدا عن خطابات الاستقطاب والتطرف العرقي التي لا تنتج سوى مزيد من التوتر والانقسام.



