معهد الدراسات العليا المغربية (1930م)

هوية بريس – ذ.إدريس كرم
لا أعرف رمزا في المغرب أكثر دلالة من هذا السور الذي يقف في الرباط، قرب البوابات الثلاث، فاصل بين حضارتين، بين عالمين، تفصل بينهما قرون، على جانب قصر السلطان، وأكواخ جنود الحرس الأسود، وزغاريد النساء السودانيات.
وعلى الجانب الآخر، تضم المديرية العامة للتعليم، ومعهد الدراسات العليا المغربية، والمكتبة، هذا الصرح الفكري الفرنسي.
تتجمع هذه المؤسسات الثلاث على الهضبة المسيطرة على أكدال، إنه “الجبل الصغير” كما كان المارشال يحب تسميته؛ جبلنا سانت جينيفيف، حيث يقع المعهد في المركز، وهو قيد التوسعة حاليا، وهذا أيضا رمزي.
جامعتنا -لأنها وحيدة- مثقلة بالأعباء، شأنها شأن جميع الخدمات العامة في المغرب.
تأسس المعهد عام 1920 (بموجب مرسوم وزاري في 11 يبراير) وعقد مؤتمره الأول في 9 يوليو من العام نفسه، ويحق له أن يحتفل بفخر بعقده الأول.
في الحقيقة هو أقدم من ذلك، فبينما يبلغ عمره عشر سنوات فقط من يوم تأسيسه، إلا أن المبادرات والجهود التي بذلت في ذلك ترجع لبدايات الحماية، ويمكن القول بأن مؤتمر 1920 لم يكن إلا تتويجا لتلك الجهود لا بداية لها.
في الواقع منذ عام 1912 أدرك الجندي الكبير المبعوث من فرنسا لغزو المغرب، ضرورة إلْمَام ضباطه وقادته بلغة البلاد، وسرعان ما توسعت فكرته الأولية، لذلك في 15 نونبر 1912 قرر الجنرال ليوطي “تشجيع الأوربيين المستوطنين في الإمبراطورية الشريفة، على ضرورة دراسة اللغة العربية واللهجات البربرية، حتى يتمكن موظفو المحمية، من التواصل مع الأهالي أثناء تأدية واجباتهم، ولن يتم ذلك على الوجه المطلوب، إلا إذا كانوا على إلْمَام بلهجات وعادات البلد، الذي يعملون فيه، فأنشأ “المدرسة العليا للغة العربية واللهجات البربرية”.
أحمل أمامي أول ملصق يعلن برنامج هذه المدرسة، وجدول دوراتها ومحاضراتها، للعام الدراسي 1913-1914 الملصق صغير الحجم، لكنه شامل بشكل لافت، دورات عامة للطلاب والمبتدئين، الراغبين في الحصول على شهادات في اللغة العربية والبربرية، دورات تمهيدية في اللغة العربية الفصحى الحديثة، والعربية المحكية، والتحليل الأدبي، والبربرية المغربية ودورات متقدمة للمتدربين في الترجمة المدنية، والطلاب الراغبين في الحصول على دبلومات وشهادات في اللغة العربية والبربرية.
كان تنظيم تدريس اللغتين العربية والبربرية، ومنح الدبلومات والشهادات كما هو قائم حتى اليوم، مؤسسا بالفعل منذ البداية، هذا التنظيم الذي كان قائما بالفعل منذ بداية العام الدراسي 1913-1914، تَمَّ اعتماده رسميا بموجب مرسوم وزاري صادر في 15 مارس 1914.

ينسب الفضل في هذا الإنجاز إلى ثلاثة رجال، هؤلاء الرجال الثلاثة الذين عملوا تحت إشراف السيد لوث، رئيس قسم التعليم (إذ لم تكن المديرية العامة موجودة آنذاك) هم: السيد نهْلِيل، المترجم الشخصي للجنرال ليوطي وهو الآن محامي في نقابة الدار البيضاء ومدير المدرسة العليا، والسيدان برونو، ولاوست، الأول هو المسؤول حاليا على إدارة التعليم الأهلي، كان أستاذا للغة العربية (ياللَّــهْ، أي العربية المبسطة بلا غُمُوض، تتويجا لمسيرة مهنية طويلة، وحافلة) والثاني أستاذ البربرية.
باختصار يجب أن نقول بأن هؤلاء الرجال الثلاثة، هم الذين أسسوا “معهد الدراسات العليا” إذ كان المعهد موجودا بالفعل في صورة “المدرسة العليا”.
ومما يجب ذكره بالتفصيل هو، أولا، عدم كفاية الموارد المتاحة، وثانيا، النجاح السريع، بل والفوري، لمثل هذا المشروع.
افتتحت المدرسة العليا في غرفة متواضعة وضيقة في المدينة القديمة، وتوافد إليها الضباط والموظفون الحكوميون.
طبعت المقررات الدراسية، ونسخت ووزعت في جميع أنحاء البلاد، على كل من يرغب في تعلم اللغة العربية والبربرية، ويجب أيضا القول، بأن هذه المدرسة احتوت في صورتها الأولية، على جميع فئات التدريس التي ستتطور لاحقا داخل المعهد: محاضرات حول جغرافية المغرب، حول القانون الإداري، ومبادئ القانون المدني الذي كان قسمه القانوني الذي سبق تشكيله سنة 1913.
كما كانت المكتبة قيد الإنشاء في ذلة الوقت، وتراكمت الكتب المخطوطات، وكان الجنرال ليوطي، فخورا بهذا المركز الفكري، فقد جلب المخطوطات العربية المجمعة إلى المدرسة العليا من مصادر مختلفة، كان هذا الصرح الفكري الصغير، ينمو في غرفة منخفضة الإضاءة في المدينة القديمة.
لكن مع الأسف اندلعت الحرب، مما أدى إلى تشتت الجهود المبذولة في المدرسة العليا مؤقتا، وبذل المقيم العام جهدا لإعادة بناء هذا المشروع، الذي بدا له أكثر فائدة، في ظل الصعوبات التي كانت تمر بها المحمية، وبحلول بداية 1915 استؤنفت الدراسة، فعاد البروفيسور لاوست، بعد رجوعه من الجبهة الفرنسية للعمل كمترجم عسكري للجنرال هوري، خلال الأحداث المأساوية التي شهدتها منطقة خنيفرة في أواخر 1914 ثم عاد إلى الرباط، وشوهد وهو يدرس متنكرا بِزَيِّ سَرْجان ازْوَافْ (ازْوَاوِي).
وفي المجال الفكري، تكرر المشهد المطَمْئن نفسه، كما في المجال الاقتصادي، فقد صمد المغرب خلال الحرب، بل وصمد بشكل لافت؛ معارض، ومؤتمرات، ومنشورات… يا لها من ثقة عظيمة، كانت كل هذه المجهودات مضمنة في كتاب السيد بارْثو barthou “معركة المغرب” حيث وصف كل شيء ببراعة، لكن كتابه افتقر إلى فصل عن معركة المثقفين، التي لم يكن أمرها هينا.
خلال الحرب، وتحديدا في 9 يناير 1915 أنشأ المقيم العام (لجنة الدراسات البربرية)، في خطوة جديدة نحو المعهد، هذه اللجنة مكونة من:
الرئيس: السيد كيار، الأمين العام للحكومة الشريفة
نائبا الرئيس: السيد لوث، رئيس قسم التعليم،
والسيد بيارزي، رئيس قسم الأوقاف الدينية
الأعضاء: الكولونيل سيمون، مدير جهاز المخابرات، الكومندار بارييو، رئيس المكتب السياسي، مدير وأساتذة المدرسة العليا.
قررت اللجنة إصدار مجلة علمية سميت “الأرشيف البربري” تعنى بدراسات عادات وفنون ومؤسسات ولهجات البربر في شمال إفريقيا.
انبثق إنشاء هذه المنظمة الجديدة، من اهتمام أوسع من ذلك الذي وجه تأسيس “المدرسة العليا” فمع انتشار التهدئة في المغرب، وجدت الإدارة الفرنسية نفسها في علاقة مع السكان البربر، في المغرب، التي تشكل بلادهم في الواقع، كتلة جبلية شاسعة، تضم جبالة، الريف، الأطلس المتوسط، الأطلس الكبير، وقسما من سهول صحراوية جنوب تلك الجبال، مع أن العناصر البربرية تتعدى تلك الحدود.
ابتداء من 1914 كانت إدارة الحماية قد سبق لها أن خبِرت المجموعات البربرية، هذا “التكتل البربري” غير متجانس، متعدد اللهجات، مختلف العادات، بين قبيلة وأخرى، لذا كان لا بد من دراسة كل هذه الخصائص وتدوينها بدقة، لإنشاء مرجع وثائقي، يساعد رجالنا المكلفين بمراقبة هذه الساكنة.
انطلاقا من هذا الهدف، أُرسل استِبْيان في وقت مبكر من 15 يونيو 1914 لجموع مراكز المحمية، يحدد فيه النقاط المطلوب دراستها وهي:
الأسرة البربرية، العشيرة القبيلة، السكن، وسائل العيش، والزراعة، والتجارة، والصناعة، والملكية، والضرائب، والعدالة، والأمن، والثأر، والدية، والحرب، والدين.
وقد أسفر المسح الشامل على نتائج هامة، وقامت لجنة الدراسات البربرية بجمع الوثائق من مختلف الأنحاء وفحصها، وتحليلها، ونشرها في دراسات علمية عالية الجودة بـ: أرشيفات بربرية Les archeves berberes.
أصبحت لجنة الدراسات البربرية والمدرسة العليا بالرباط، مركزا للاستكشاف المغربي، من منظور؛ لغوي وجغرافي، وتاريخي، وإثنوغرافي.
يمكن للمرء أن يتخيل الصعوبات الجمة التي واجهتها مثل هذه المشاريع خلال الحرب، ورغم كل شيء، استمر البحث والنشر، وتطور التعليم على جميع المستويات.
سعى الجنرال ليوطي لإيجاد البُدَلاء اللازمين في الوحدات الإقليمية المرسلة من فرنسا، ووجد متطوعين مخلصين هناك، وسرعان ما أعيد فتح المدارس المغلقة، وأنشأت المدرسة الثانوية.
حَوْل مقر الإقامة، كانت هناك خلايا نشاط نابضة بالحياة من كل جانب، مدارس متداخلة مع مكاتب إدارية، كان عقل المغرب الفرنسي هناك، في هذه المدينة الخشبية شبه المهجورة الآن، جميع التوجيهات خلال أصعب السنوات وأكثرها مأساوية، جاءت من هناك.
بعد تحقيق النصر بعام، حلت لحظة التردد والقلق، فقد أعاد تسريح الجنود إلى فرنسا، عددا كبيرا من الرجال، الذين كانوا في حاجة إلى الخدمة، وكان لا بد من إيجاد بدائل لهم، وصل السيد جورج هاردي إلى المديرية العامة للتعليم العام حديثا، في وقت عصيب، فقام بتعيين أساتذة، ووضع نظاما جديدا للتعليم العالي.
وأقنع المدير العام بضرورة إنشاء هيئة جديدة، تهدف إلى توسيع نطاق البحث العلمي في البلاد، وتضم جميع المتخصصين والأساتذة والموظفين، المدنيين والضباط القادرين على المساهمة.
وطرح فكرة تسمية جديدة تعكس بشكل أفضل أهمية الجهود المبذولة والنتائج المحققة، وعندما وضع في 9 يونيو 1920 الحجرة الأولى لأساس المعهد العالي للدراسات المغربية، كان يقول:
“لم يقتصر الأمر على الجنود والإداريين والمستوطنين ورجال الأعمال، الذين جلبوا أنشطتهم إلى المغرب، بل بدأ نوع مختلف من الاستكشاف حتى قبل قيام الحماية، فقد سعى العلماء والفنانون بالمخاطرة بحياتهم، إلى فهم البلاد وسكانها، والتعريف بهم، وازدهرت نتيجة لهذا الاستعداد، مجموعة كبيرة من الأعمال الأدبية الرائعة، وكما تزامن التطور الاقتصادي مع التطبيق العملي، تكيف العلم في المغرب، مع دوي الرصاص”.
وحرصا منه على توضيح برنامج المنظمة الجديدة قال:
“يتلخص برنامجنا برمته في هذه الصيغة البسيطة: ربط جميع المعنيين بالعلوم المغربية، وتسليط الضوء بكل الوسائل الممكنة على مختلف السبل المؤدية إلى معرفة البلاد وسكانها، وتشجيع المبادرات القيِّمة، وتنسيق الجهود وتقديم التوجيه دون فرض أي شيء تمكننا من تحقيق نتائج مثمرة وسريعة”.
تأسس المعهد الجديد الذي كان مقره الرئيسي في البداية، وتقرر إنشاء فرع لمعهد الدراسات المغربية العليا، وبعد ذلك بوقت قصير، صدر مرسوم وزاري في 11 شتنبر 1921 ألغى المدرسة العليا، وأعاد تنظيم المعهد الذي حل محلها، وحدد نص المرسوم غرض المعهد على النحو التالي:
بدء وتشجيع البحوث العلمية المتعلقة بالمغرب وسكانه، وتنسيق نتائجها وتوحيدها.
تعزيز ونشر المعرفة باللغتين العربية والبربرية، والجغرافية والتاريخ، والأثنوغرافية، والحضارة المغربية.
في نفس الوقت دمجت المجلتان القائمتان “أرشيف المغرب les archeves berbere” و”النشرة le bulletin” التي لم يصد منها إلا عدد واحد فقط. (العدد الذي تضمن وقائع المؤتمر الافتتاحي كاملة، بعنوان “هيسبريس Hespéris” في مجلة واحدة حملت الاسم نفسه.
صدرت مجلة ” هيسبريس” لأول مرة عام 1921 وفي العام التالي، كان بإمكان دُو سِينيفال m de Ceneval الكتابة بأن “هيسبريس مدعومة بجلستنا الشهرية وبمؤتمراتنا، كمرآة تعكس اهتماماتنا وأبحاثنا، وينعكس عمل كل عضو في جهد جماعي، يثير مشهده الواسع، إعجابا وتشجيعا كبيرين”.
كان تنوع هذه الأعمال وأهميتها على هذا النحو في المؤتمر السادس للمعهد، في أبريل عام 1928 كان بإمكان السيد كنيلاند Gonelande مدير عام التعليم العمومي، التأكيد بكثير من الدقة، أن المعهد لم يخيب الآمال الكبيرة، التي علقت عليه عند تأسيسه، في بداية هذا المؤتمر.
السيد بروفانسال مدير المعهد، كان قد حدد مصطلحات أهداف هذه المؤسسة العليا على النحو التالي:
“التعاون بين فرنسا والمغرب في المجال العلمي، كما في جميع المجالات الأخرى، ليس فقط من خلال التدريس، بل أيضا وبشكل خاص، من خلال البحث، وحتى التأمل بكل ما يحمله هذا المصطلح من معان نبيلة ونزيهة”.
كان هذا بالفعل برنامج المعهد، ولاسيما خلال سنواته الأولى، فقد أولى المعهد اهتماما بالغا بالبحث العلمي، أكثر من التدريس والدعوة، ولا بد من الإشادة بنشاط أساتذة المعهد، الذين سرعان ما ضمنوا له، مكانة مرموقة في الأوساط العلمية في فرنسا وخارجها.
تشهد على ذلك قائمة المؤلفات الكثيرة التي نشرها المعهد، في مختلف مجالات نشاطه، لكن سرعان ما سيواجه المعهد ضغطا هائلا، بتزايد مع عدد السكان الفرنسيين في المغرب، وفي الوقت نفسه يتزايد عدد الطلاب في السنوات الأخيرة، أصبح الرأي العام قلقا بشكل واضح بشأن إمكانية متابعة التعليم العالي في المغرب نفسه.
وبطبيعة الحال، تتجه الأنظار نحو المعهد، ينجذب إليه الجمهور، ويتدفق الطلاب إليه، ويتجه المعهد شيئا فشيئا ليصبح جامعة.
لا نفكر في إنشاء جامعة في الرباط، كما هو الحال في الجزاير، لأننا هنا في أرض أجنبية، بل سننشئ شيئا آخر في المغرب، وربما شيئا أفضل، سننشئ مؤسسة تعليم عالي مستقلة، تتكيف روحها وأساليبها مع المغرب، لن تكون على غرار الجامعات الفرنسية، ومع ذلك لن يكون دخول أساتذتها إليها أسهل، سيتم تعيين أعضاء هيئة التدريس عن طريق التعيين المباشر.
وإليكم المسار الذي سيؤدي إلى ذلك:
أستاذ شاب خريج المدرسة العليا للأساتذة، يشعر بانجذاب نحو هذا البلد الجديد، الذي توفِّر فيه جميع التخصصات، مجالا للدراسة ذا أهمية بالغة، فيسعى أولا للحصول على كرسي في إحدى مدارسنا الثانوية الجامعة، التي تعد بمثابة بوابة إلى القضاء، ترحب بتواصله، يعين محاضرا، ولاحقا عندما ينشر عملا أساسيا، يُمْنح منصبا، ويُقبَل كمدير للدروس.
لم تجد هيسبريس وفريقها المميز، عند الجامعات أو أكاديميات الأقاليم الفرنسية، ما تحسدانها عليه. ويلاحظ هذا التوجه المتزايد عاما بعد عام، لمعهدنا نحو التعليم العالي، لاسيما في قسم الدراسات القانونية، والسبب في ذلك هو أن هذا القسم يُلبي أكثر من غيره، احتياجات تعليم وتوجيه عدد كبير من الشباب للمهن الحرة، والخدمات العامة.
هذا القسم الذي كان في مراحله الأولى كما ذكرنا ضمن المدرسة العليا قبل الحرب، تطور كغيره من الأقسام، خلال هذه الفترة العصيبة، وتحت إشراف السيد ج روفيل رئيس الدراسات التشريعية في الأمانة العامة للحماية.
تولى تدريس مقررات القانون كل من السيد لويس ميليو، الذي أصبح لاحقا أستاذا في جامعة الجزاير، والسيد برونو، المحامي، وعدد من القضاة.
ازداد نجاح هذه المقررات بدء من عام 1919 وتزايد عدد الطلب الذين يستعدون للامتحانات نقابة المحامين، أو الحصول على درجة البكالوريوس بشكل مطرد.
غادر السيد روفيل المغرب عام 1927 وخلفه في رئاسة مركز الدراسات القانونية، السيد رئيس غرفة كورديي الذي هو نفسه عندما يتم تعيينه رئيسا أول لمحكمة الاستئناف، سيتنازل عن منصبه للسيد رينيه هُوفِهر، المحاضر السابق في الاقتصاد السياسي بكلية الحقوق في ليون.
لقد ظهرت أيضا حركة هامة للغاية في الدار البيضاء،
بتحريض من الطلاب أنفسهم، الذين اجتمعوا في ربيع 1924 وطالبوا بإنشاء مكتبة، وتنظيم دورات دراسية ثانية، ضمن الجهود التي تبذلها شخصيات المدينة، لاسيما من قبل السيد صابولين محام، والسيد كيرنير الرئيس السابق لغرفة التجارة، فحصلوا أولا على المبنى اللازم لذلك، من رئيس الخدمات البلدية، وفي الوقت نفسه، وافق المحامون وغيرهم من المختصين القانونيين على التطوع للتدريس في المساء، مستخدمين ثكنات خشبية.
لفت إصرار طلاب الدار البيضاء انتباه المديرية العامة للتعليم العمومي، التي لم تكن ترغب في إنشاء كلية مستقلة، فوافقت على إلحاق هذه المجموعة المهمة من الدار البيضاء، بمعهد الدراسات العليا.

وهكذا منذ عام 1924 أصبح هناك مركزان للدراسات القانونية، أحدهما في الرباط، والآخر في الدار البيضاء وبفضل الدعم الذي قدمه السيد كوردييه أولا، ثم السيد هوفهر، أسهم هذان المركزان بشكل كبير في خلق بنية قانونية علمية في المغرب بطلب من المحمية.
ألقى الأساتذة لامبرت من ليون، وبلتييه من الجزاير، والعميد سيزار برو، من تولوز سلسلة من المحاضرات هذا الشتاء في الرباط والدار البيضاء حضرها جمهور كبير من المتتبعين.
بين عامي 1920-1928 حصل أكثر من مائة طالب من مركزي الرباط والدار البيضاء، على شهادات البكالوريا من كليتي بوردو ومونجير، ويستعد بعضهم حاليا لنيل شهادات الدكتوراه، ولتيسير نشر الرسائل العلمية، وإثراء المحفوظات القانونية والاقتصادية للمحمية، أنشئت مؤخرا مجموعة مراكز الدراسات القانونية والاقتصادية تحت رعاية المعهد، وقد بدأت هذه المجموعة بنشر أطروحة السيد أرنست بوي حول مشكلة “تشريع العمل والشغل بالمغرب”.
“تقرير عن سوق الشغل بالمغرب” بمقدمة من السيد كوردييه، الرئيس الأول، ويجري إعداد دراسة أخرى حول “الممارسات التجارية في سوق الدار البيضاء” فيما يتعلق بتجارة الصوف.
ونعتقد أنه يمكننا إضافة ابتداء من هذا العام، عقد امتحانات شهادة الحقوق في المعهد نفسه، حيث سيشكل أساتذة من كليات الجزائر وبوردو وتولوز، هيئة الامتحانات اللازمة، ومن المتوقع أيضا أن يتاح في المستقبل القريب إعادة شهادة الآداب والشهادات المختلفة المؤدية إليها في المعهد.
واستجابة للاحتياجات الملحة للمعهد، نَوَد أن يصبح جامعة حقيقية، أو على الأقل، لم يعد التدريس كما كان في السابق، جزء ثانويا من نشاطه، بل أصبح الآن يضطلع بالمهمة المزدوجة والنبيلة، المتمثلة في خدمة العلم، وتكوين الشباب.
بعد استعراضنا لأصول وتاريخ معهد التعليم العالي الذي لن يكتمل لنا إلا بتكريم الرجال الذين كانوا القوة الدافعة وراء هذا المشروع.
تبرز ثلاثة أسماء في البداية، إذ كان لهم دور محوري في انطلاق هذه الحركة، ومنحوها زخما خاصا يشكرون عليه وهم؛ السادة هنري باسيت، لاوست، وليفي بروفانسال.
كان هنري باسيت يعمل في قسم علم أصول الكلمات المغربية، الإثنوغرافيا، في المدرسة العليا، عندما دُمج القسم في المعهد، الذي أصبح مديرا له، وفي عام 1920نشر أطروحته بعنوان “دراسة في الأدب البربري” والتي ما تزال مرجعا أساسيا في هذا المجال، توفي سنة 1926 عن عمر يناهز 33 سنة بسبب إصابته بمرض منذ الحرب، وقد عبر جورج هاردي عن حزنه لرحيله بهذه الكلمات:
“إن وفاة هنري باسيت بلا شك، من أفدح الخسائر التي مني بها عِلم شمال إفريقيا، والعِلم بصفة عامة”.
قَدِم السيد لاوست من الجزاير، حيث كان قد نشر عام 1912 ضمن مجموعة كلية الآداب بالجزاير، دراسة عن اللغة البربرية في الجزاير، وبوصوله إلى المغرب في بداية عهد الحماية، يحسب له أنه أسس تدريس اللغة البربرية هناك من الصفر، بدء من عام 1913 ومنذ ذلك الحين باستثناء بداية الحرب العالمية الأولى، واصل تدريسها هناك، أولا في المدرسة العليا، ثم في المعهد، وكذلك في دورات التدريب المتقدمة للضباط الشباب، المخصصين للشؤون الأهلية.
كم من مراقبينا المدنيين وضباطنا، مدينون له بمعرفتهم باللغة البربرية. وقد نشر لاوست على وجه الخصوص الأعمال التالية:
– 1920 “كلمات وأشياء بربرية”، ملاحظات في اللغويات والإثنولوجيا المتعلقة بلهجات المغرب “درس في البربرية المغربية في جزأين”؛
الأول صدر سنة 1920 يتناول لهجات برابرة الجنوب (الأطلس الكبير، سوس، الأطلس الصغير)
الثاني صدر سنة 1924 يتناول لهجات المغرب الأوسط.
– 1921 أسماء ومراسيم الألعاب عند البربر بالمغرب.
– 1923 الصيادون البرابرة بسوس.
وفي سنة 1927 بتعاون مع مواطننا المأسوف عليه جوزيف بوريلي: “شواهد القبور المغربية”.

تكمن أصالة السيد لاوست وجدارته الأساسية في جمعه منذ البداية بين دراسات الإثنوغرافية المغربية ودراسات اللهجات البربرية، كان هذا ابتكارا في شمال إفريقيا، امتدت أهميته منذ ذلك الحين إلى ما هو أبعد من النطاق المحلي، ألا يمكن القول بأن العنوان المتواضع” كلمات وأشياء بربرية” الذي اختاره المؤلف قد أصبح تحت عنوان أكثر تخصصا “اللغة والحضارة البربرية” عنوانا لكرسي مستحدث في كلية الآداب بالجزاير؟
تولى ليفي بروفنسال بعد وفاة هنري باسيت، إدارة معهد الدراسات العليا، كان أستاذا في المدرسة العليا، وما يزال يشغل كرسي تاريخ العرب والحضارة الإسلامية، في كلية الآداب بالجزاير، ولأعوام طويلة، اضطلع بالمهمة الشاقة المتمثلة في تصنيف ونشر المخطوطات العربية، التي جُمعت منذ بداية الحماية، في المدرسة العليا والمعهد.
تعد أطروحته للدكتوراه بعنوان “مؤرخو الشرفاء” وسرده لرحلته إلى الأندلس، من الأعمال التاريخية المتميزة؛
كما يشرف على نشر سلسلة “نصوص عربية ذات صلة بتاريخ الغرب الإسلامي” وهي مجموعة نشر منها المجلد الأول، الذي يتناول وثائق منشورة من تاريخ الموحدين، وأخيرا يتوزع جزء كبير من أعماله في دوريات الاستشراق، ولاسيما مجلتي Revue asiatique و Hesperis حيث نشر بالتعاون مع هنري باسيه، دراسة أكاديمية عن شَالّة بعنوان “مقبرة مرينية”une recropole meride.1922
برز رجال آخرون ذووا مكانة رفيعة، سواء بعد الشخصيات الثلاثة المنوه بهم، أو بعدهم، وأولهم الكومندار المترجم إسماعيل حامد، آخر مدير للمدرسة العليا، وأول مدير للمعهد، مع هنري باسيت نائبه، وقد نشر السيد إسماعيل حامد المدير الحالي للدراسات التاريخية، عديدا من المؤلفات التاريخية.
مع اقتراب نهاية الحرب، انضم السيد هنري ماسيه إلى المعهد، حيث عين أستاذا للغة العربية، ثم أصبح لاحقا أستاذا للغة العربية والفارسية، في كلية الآداب بالجزاير وهو الآن أستاذا للفارسية في مدرسة اللغات الشرقية.
بعد الحرب انضم السيدان سيليرييه وشارتون اللذان يصعب التمييز بينهما، على الأقل حتى الآن، لأن السيد شارتون غادر المغرب، المغرب الحبيب في أكتوبر الماضي، لتولي إدارة التعليم العام، في غرب إفريقيا الفرنسية.
واصل السيدان سيليرييه وشارتون عملا بالغ الصعوبة في الاستكشاف الجغرافي للمغرب، وأنجزاه بنجاح كانا بمثابة المجددين، والقوة الدافعة الحقيقية، وراء نشرة الجمعية الجغرافية المغربية، التي أنشأها الماركيز ديسونزاك، خلال الحرب عرض على السيد سيليرييه فرصة مواصلة التدريس في جامعة السوربون، لكنه فضل البقاء في المغرب، يا له من تكريم للمعهد وللأرض المغربية!
تبعهم آخرون، فريق أصغر سنا، جديرون بمن سبقهم السيد هنري تيراس خريج المدرسة العليا للأساتذة، الذي يكمل دراسته الأكاديمية حول الفن الأندلسي المغربي، منذ نشأته وحتى القرن 13.
السيد روبرت ريكارد، خريج المدرسة العليا للأساتذة والذي انتقل مؤخرا من مدرسة ليسيه غورو، إلى معهد فرنسا، يُجري دراسة حول تاريخ الوجود البرتغالي والإسباني في المغرب 231.
يشكر السيد ديسينيفال المنتمي لمدرسة الموثقين على جمعه وتنظيمه للمجموعة الثرية للمكتبة الحالية.
أخيرا سيُلقى متخصصون آخرون ممن تتركز أنشطتهم المهنية في مجالات أخرى، محاضرات أو مؤتمرات في المعهد، وهنا أيضا نحيـي ذكرى الراحل ليوطنا كولونيل كلاستري، مدير القسم التاريخي الذي بدأ منذ عام 1923 بنشر المصادر غير المنشورة لتاريخ المغرب، بعد وفاته سيتولى السيد ديستيفال إدارة المكتبة، خلفا للسيد فرنك-برينتانو، الذي سيعين مديرا للمكتبة.
كان صديقي الراحل جوزيف بوريلي هو من قدم دورة في علم الأعراق المغربية ذات قيمة كبيرة لدرجة أنه بعد وفاته مُنح الجائزة العلمية للمغرب، وتم إدراج محاضراته في دورة من قبل السيد لوست قصد الطبع.
إنه من بين الأحياء الأكبر سنا، وما يزال شابا في روحه: السيد ميشان، متقاعد يا له من عميد في المغرب، منذ القرن الثامن عشر، السيد ميشو بلير الذي تعد حياته درسا، نقل الإيمان الفرنسي الراسخ والمعرفة العميقة، بشعب المغرب، وشؤونه، والتي نشرها خلال العديد من البعثات العلمية في صفحات لا حصر لها من مؤلفاته المتنوعة، ولاسيما في مجموعته بأرشيف المغرب، بضمير حي نادو وصل إلى المغرب في سن السابعة والعشرين، ولم يبدأ الكتابة إلا في الخمسين، السيد ميشو بيلير أكثر من مجرد معلم، إنه مثال حي للضباط الشباب، الذين يعينهم على الاستعداد للخدمة في الشؤون الداخلية، ولكل من حالفه الحظ بالتعرف عليه.
وأيضا السيد بروسبير ريكارد، مدير الفنون الأهلية الذي يدين له المغرب بتجديد فنونه الصناعية بواسطة كتاب صغير، غنـي بمعلومات مركزة عن الفن الإسلامي، بأسلوب سلس وجذاب، يسهل فهمه على غير المطلعين.
هناك أيضا صديقنا، لويس شاتوليان، عالم الرسوم البيانية، طالب سابق في مدرسة روما، الذي يدير بشغف كبير، علوم الاكتشافات في وليلي، وينشرها على فترات في نشرة هيسبريس الناجحة.
كما يشرف ليوطنا روبيرت منطان، رئيس مركز التوثيق الاجتماعي، والدكتور رونو وغيرهم.
ولا يسعني إلا أن أذكر أولئك الذين قدَّموا في مجال العلوم القانونية أعمالا أساسية حول الكنيسة الكاثوليكية مثل السيد لويس ميليون، وأعماله حول تقسيم الحبس، والملكية الجماعية للقبايل، والفقه الشريفي، وأذكر السيد جورج سوردون وكتابه “موجز قانون العرف البربري”، وأخيرا أذكر أعمال السادة دوراند وليتيس، وبو، وإسهاماتهم ومنشوراتهم في القانون المدني المغربي.
إنها نخبة من العلماء والمتخصصين الذين إلى جانب مديري الدراسات يسهمون في تعزيز مكانة المعهد ومجلته “هيسبريس”.
بفضل هذه الجهود وهذه الكفاءات والإنجازات، يمكننا القول أن معهد الدراسات العليا المغربية، هو أرقى منشورات المحمية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر:
L,institut des hautes etudes marocaines
لــ:فكتور جون Victor Jean
في :renseignements coloniaux et documents publie par le comite de l,afrique francaise et le comite du maroc 1930 pp226-232



