من بُنَيَّات أطروحة “الفوضى الخلاقة” إِسَالةُ الشبهات وتعميمُ إشاعتها بوسائل الإعلام

هوية بريس – د.ميمون نكاز
من بُنَيَّاتً أطروحة “الفوضى الخلاقة” إِسَالَةُ الشبهاتً وتعميمُ إشاعتها بوسائل الإعلام المختلفة، ورعاية القائمين عليها، وزراعة “الشك” في “المستيقَن الديني”، من أجل الانتهاء بالمتلقي إلى إنكاره وجحوده، ولا عاصم من فيضان هذا “المكر الممنهج” ولا قاصم لظهره إلا بحصانة “التدافع المعرفي” و”الجراحة العلمية” الباترة لأعضائه المسرطِنَة والفاسدة، كالذي يُزَهِّد في “الصلاة الحركية” المتسالم في التداول الإسلامي المحكم اليقيني على أنها “عمود الدين”، كما هو منصوص عليه في أحاديث كثيرة، منها الحديث الشريف الصحيح: (رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله)، داعيا -في شبهة تضليلية جرثومية- إلى اعتبار “الرحمة” عمودَ الدين، وتأويل ” إقامةالصلاة” بإقامة “الصلة الروحية الحرة بالخالق” وإقامة “الصلة الأخلاقية والسلوكية الرحيمة والإيجابية بالخلق”، كأن “الصلاة الحركية” كما أمسى اصطلاحهم عليها مانعة من هاتين “الصلتين” نقيضة لهما، حاصرة لمقصد “الصلة” فيها حركاتها وأفعالها فقط؟!!!، المقصد من تعبيثهم هذا ظاهر، والغاية منه مكشوفة مفضوحة بالنظر إلى “أصول منهجهم” وباستقراء “مفردات فهومهم وتأويلاتهم”، “تسييل الدين وتمييعه”، ومنتهى بغيتهم أن يصلوا بالمفتونين بأقوالهم وشبهاتهم وتضليلاتهم إلى قولهم: {ما أنزل الله على بشر من شيء} تَسَنُّنًا منهم بتلك الطائفة أهل الكتاب التي قال الوحي الشريف فيها: {وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦۤ إِذۡ قَالُوا۟ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَر مِّن شَیۡءِ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِی جَاۤءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِیسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِیرًاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوۤا۟ أَنتُمۡ وَلَاۤ ءَابَاۤؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِی خَوۡضِهِمۡ یَلۡعَبُونَ، وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِی بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ یُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ یُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام91-92]…قد سماهم الوحي الشريف” لاعبين بالخوض في الدين” {ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}…
يفيد النص أن هذا الطائفة الكتابية لم تكن تؤمن بوحيانية الوحي {وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦۤ إِذۡ قَالُوا۟ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَیۡء} [الأنعام91]، شأن كثير من أدعياء القراءة المعاصرة مثل شأنها، ولكنها تعمل على تفكيك “ما أنزل الله على موسى” وتعضيته وتحريف دلالاته، متظاهرة بتقديسه والاجتهاد في فهمه وتأويل نصوصه، وذلك بمسلك تفكيكي تحريفي كيدي خبيث سماه القرآن الكريم “قرطسة الوحي بالإخفاء والإظهار”: {قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِی جَاۤءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورا وَهُدى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِیسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِیرًاۖ} [الأنعام92]…
المسلك ذاته والسبيل عينه ينتهجهما “المُقَرْطِسُون القرآنيون” المحدثون، والغايات من “أفعال القرطسة” متعددة متباينة، ترتد إلى علل ثلاثة: “علة الكفر بالدين” وبرهانها من النص ظاهر، و”علة الاستهواء” من براهين عليتها في الوحي الشريف قول الله تعالى: {وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَمُهَیۡمِنًا عَلَیۡهِۖ فَٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَهُمۡ عَمَّا جَاۤءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَة وَمِنۡهَاجاۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّة وَ ٰحِدَة وَلَـٰكِن لِّیَبۡلُوَكُمۡ فِی مَاۤ ءَاتاكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُوا۟ ٱلۡخَیۡرَ ٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِیعا فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ، وَأَنِ ٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن یَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَیۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا یُرِیدُ ٱللَّهُ أَن یُصِیبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِیرا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ، أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَـٰهِلِیَّةِ یَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡما لِّقَوۡم یُوقِنُونَ﴾ [المائدة48-50]، أوردنا هذا النص على سبيل التمثيل فقط لدلالته على وجوب الحذر من “اتباع الأهوائيين” العاملين على “الفتنة عن بعض ما أنزل الله” مما يَكفُرونَهُ أو يستثقلون تكاليفَه أو يتأوَّلونه على غير إفادته ودلالته بالتحريف استجابة لنداءات الأهواء في أنفسهم أو أهواء الناس من حولهم، كما يصنع كثير من “أهوائيي القراءات المعاصرة” لنصوص الوحي الشريف، والعلة الثالثة: “قابلية إيجار النفس” أو “الجاهزية لبيع الخدمة”، خدمة لمشاريع الاستبداد والفساد، من شواهد ذلك إيجارُ السحرةِ أنفسَهُم لفرعونَ بالمال والتقريب عندما اقترح عليه “الملأ” “حَشْرَ السحرةِ من كل المدائن” باعتبارهمُ القادرينَ على مواجهة الحق في رسالة نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام ب”متخيلات السحر العليم”: {قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِیم، یُرِیدُ أَن یُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ، قَالُوۤا۟ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَأَرۡسِلۡ فِی ٱلۡمَدَاۤئنِ حَـٰشِرِینَ، یَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِیم، وَجَاۤءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوۤا۟ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَـٰلِبِینَ، قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِینَ}[الأعراف109-114]…
أجزم أن هذه العللَ الثلاثةَ كليةٌ ناظمةٌ لأكثرية أشتات ما يتعرض له الإسلام من كيد ومكر ومساعي لتفكيك ماهيته وتحريف مقاصده وتضليل قيمه وأحكامه، والغرض الكلي الجامع منها نقضُ أسسه وهدمُ بنيانهِ للتطبيع مع “الجاهلية المحدثة”، ومع “الصهينة المكينة” الحريصة على “الانتقال النوعي بمشروع التطبيع” من “التطبيع السياسي والأمني” إلى “التطبيع الديني” الذي يضمن لها الهيمنة “الثقافية” و”الاجتماعية”، حيث تستخرج بهما من “الاجتماع الإسلامي” “الرحمة الواسعة” اللتي يتحدث عنها “المستأجَرون” “السيالون بالتغريب الغالي والعلمنة المتطرفة والإبراهيمة المحرفة بحسبانها “مقصد الإسلام الأكبر”، {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف21]…



