نقيب يفكك تحولا تشريعيا “يُقصي” المحاماة ويهدد سر الدفاع

13 مارس 2026 11:52

هوية بريس-متابعات

قال نقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء، الأستاذ الطاهر موافق، إن التحولات التشريعية الأخيرة التي مست منظومة العدالة بالمغرب تثير تساؤلات عميقة حول موقع المحاماة داخلها، متسائلاً عما إذا كان المشرع يتجه فعلاً نحو إصلاح المنظومة القانونية أم نحو إقصاء مهنة الدفاع وتقليص أدوارها.

وجاءت تصريحات النقيب خلال مداخلة ألقاها في ندوة نظمها قطاع هيئة المحامين الاتحاديين بالدار البيضاء يوم 12 مارس 2026، حيث اعتبر أن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق بمجرد تعديلات تقنية على نصوص قانونية، بل بتحول أعمق في فلسفة التشريع نفسه، يتمثل في الانتقال من “قرينة الثقة” التي كانت تحيط بالمحامي باعتباره شريكاً في تحقيق العدالة، إلى “قرينة الاشتباه” التي باتت تتعامل معه كموضوع محتمل للمراقبة والمساءلة.

وأوضح موافق أن المتتبع للتعديلات التي طالت قوانين المسطرة الجنائية والمسطرة المدنية، إلى جانب مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، يلاحظ تحولاً في نظرة المشرع إلى دور المحامي داخل منظومة العدالة. فبدل تعزيز التنظيم الذاتي للمهنة باعتباره أحد أعمدة استقلالها، يرى النقيب أن بعض المقتضيات الجديدة تميل إلى نقل مراكز القرار من داخل الجسم المهني إلى دوائر السلطة التنفيذية، سواء في ما يتعلق بولوج المهنة أو التكوين أو حتى المسارات التأديبية.

وبحسب المتحدث، فإن هذا التوجه يعكس انتقالاً في ذهنية التشريع من تصور يقوم على الثقة المؤسسية في المحامي كشريك في تحقيق العدالة، إلى تصور قائم على منطق الضبط والمراقبة، وهو ما يهدد – في نظره – التوازن التقليدي الذي تقوم عليه منظومة العدالة بين القضاة والمحامين وباقي المهن القضائية.

وفي السياق ذاته، توقف النقيب عند مسألة حماية مكتب المحامي، مؤكداً أن هذا الفضاء لا يمثل مجرد مقر لمزاولة نشاط مهني، بل يعد فضاء قانونياً محمياً لأنه يحتضن سر الدفاع، الذي يشكل أحد الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

وأشار إلى أن الموكل عندما يلج مكتب محاميه يضع بين يديه معطيات قد تمس حريته أو سمعته أو مصالحه الحيوية، ما يجعل الحماية القانونية لا تقتصر على جدران المكتب فحسب، بل تمتد إلى مختلف الوسائل المهنية المرتبطة بممارسة الدفاع، مثل الهاتف والحاسوب المهني ووسائل التواصل المهنية.

غير أن النقيب اعتبر أن بعض المقتضيات الجديدة في قانون المسطرة الجنائية، خصوصاً تلك المتعلقة بالمراقبة التقنية والتسجيل الصوتي والمرئي، تفتح نقاشاً قانونياً عميقاً حول مدى إمكانية اختراق هذا الفضاء المهني، حتى وإن كان ذلك مبرراً من طرف سلطات الاتهام بضرورة مكافحة الجريمة المنظمة.

ويرى موافق أن الإشكال لا يتعلق بفعالية وسائل البحث الجنائي في حد ذاتها، بل بمدى تأثيرها على سرية الدفاع، محذراً من أن المساس بهذه الفضاءات المهنية لا يعني فقط المساس بخصوصية المحامي، بل يمس أيضاً حقوق المتقاضين أنفسهم.

وفي معرض تحليله لما وصفه بـ“المفارقة التشريعية”، توقف النقيب عند مقتضيات المادة 139 من قانون المسطرة الجنائية، التي تمنع المحامي من تسليم نسخة من المحاضر أو الوثائق التي يحصل عليها للغير، تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في الفصل 446 من القانون الجنائي المتعلق بإفشاء السر المهني.

وأوضح أن هذا المقتضى يعكس إقرار المشرع بالطبيعة الحساسة للمعطيات التي يتعامل معها المحامي، ويلزمه قانوناً بحمايتها تحت طائلة المسؤولية الجنائية. غير أنه تساءل في المقابل عن كيفية التوفيق بين هذا الالتزام الصارم بكتمان أسرار الدفاع، وبين السماح في الوقت نفسه بإجراءات قد تمكن من الوصول إلى تلك المعطيات داخل الفضاء المهني للمحامي عبر التفتيش أو وسائل المراقبة التقنية.

واعتبر أن هذا الوضع يطرح تناقضاً تشريعياً واضحاً، حيث يصبح السر المهني واجباً مقدساً عندما يتعلق الأمر بتجريم المحامي، لكنه يصبح قابلاً للاختراق عندما يتعلق الأمر بتوسيع سلطات البحث والتحري.

وفي محور آخر من مداخلته، انتقد موافق ما وصفه بسياسة الإقصاء التدريجي للمحامي من بعض مجالات اشتغاله التقليدية، مشيراً إلى أن المشرع لم يتجه نحو توسيع مجالات تدخل المحامي بقدر ما سمح بظهور فاعلين آخرين في مراحل مهمة من المساطر القضائية، مثل مرحلة التنفيذ الجبري والبيوعات القضائية.

واعتبر أن المحامي الذي يواكب الملف منذ بدايته يكون أولى باستكمال مساره إلى غاية التنفيذ، داعياً إلى التفكير في توسيع مجالات تدخل المحامي، بما في ذلك التنصيص على دوره كمستشار قانوني أساسي داخل الشركات، على غرار مدقق الحسابات في الشركات المساهمة.

كما دعا إلى تعزيز نظام المساعدة القضائية وتوسيعه ليشمل مختلف المساطر، بما فيها المساطر الشفوية التي لم تعد تشترط التمثيل الإجباري بمحام، معتبراً أن المساعدة القضائية ليست منحة اجتماعية بل ضمانة دستورية للولوج إلى العدالة.

وفي ختام مداخلته، توقف النقيب عند التحول المتسارع نحو رقمنة العدالة، مؤكداً أن هذا الخيار أصبح ضرورة لتحديث المرفق القضائي، لكنه شدد في المقابل على أن الرقمنة يجب أن تتم في إطار يضمن حماية المعطيات المهنية وخصوصية العلاقة بين المحامي وموكله.

وأكد أن المحامي ليس مجرد مستخدم عادي لمنصة رقمية، بل هو مؤتمن على ملفات تتضمن أدق أسرار الأفراد والمؤسسات، ما يفرض أن يتم أي تحول رقمي داخل منظومة العدالة في إطار حوار مؤسساتي حقيقي مع المهن القضائية، حتى لا تتحول الرقمنة – بحسب تعبيره – إلى أداة إضافية للمراقبة أو إلى عبء تقني ومالي يثقل كاهل المكاتب المهنية الصغرى والمتوسطة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة