هذا بيانٌ للناس: نفرح بالنِّكاية ولا نُصحِّح المذهب الباطل

22 مارس 2026 18:00

هوية بريس – نور الدين درواش

لقد اطّلعتُ على مقالٍ سطّره الأخ أبو عبيدة النقادي، رام فيه تحرير القول في موقف الرافضة من عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فخلص إلى دعوى مفادها: أن اتهامها رضي الله عنها ليس من معتمد مذهب الإمامية الإثني عشرية ولا من مقرّرات اعتقادهم.

ولسنا -ابتداءً- من أهل الجور في الحكم، ولا من دعاة التلبيس في الخصومة، بل مذهبنا ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰ﴾ [المائدة:8].

فنحن لا نمنع تحقيق المسائل، ولا نصدّ عن بيان ما هو المعتمد والمشهور، كائنًا ما كان.

غير أن موضع الإنكار، ومثار الاعتراض، ليس في أصل البحث، وإنما في توقيت طرحه، وسياق عرضه، ومآل تقريره.

فإن إفراد هذه المسألة بمقالٍ مستقل، موسومٍ برفع الجهالة، في زمنٍ تموج فيه النفوس بمشاعر الفرح لما يُصيب بني صهيون من نكاية -مع ما في ذلك من مشروعية أصل الفرح بضعف الظالمين- يوقع في تلبيسٍ خطير، ويُفضي إلى غشٍّ ظاهر، وخيانةٍ للبيان الواجب.

نعم، نحن لا ننكر أن ظلم الصها ينة قد بلغ الغاية، وطغيانهم قد جاوز الحد، ومن لم يجد في نفسه سرورًا بالنكاية فيهم؛ فليتهم قلبه، أو ليراجع إيمانه.

ولكن…

ليس من الأمانة أن تُستغل هذه العاطفة الجيّاشة لترويج تصحيحات عقدية، أو تلطيف صورة مذهب قد قامت الأدلة على انحراف أصوله، ثم يُقدَّم ذلك للناس في ثوب التحقيق والإنصاف ورفع الجهل.

فإن تقديم هذه الجزئية، وتصديرها للناس، يوهم أن مدار الخلاف مع الرافضة إنما هو حول هذه المسألة، وأنها أعظم ما يُنكر عليهم، وهذا قلبٌ للحقائق، وتحريفٌ لأولويات البيان.

إن مشكلتنا مع الرافضة الإمامية الإثني عشرية ليست مسألةً فرعية، ولا خلافًا جزئيًا، بل هي مشكلة أصولٍ تُناقض أصول الدين، وأمهات الاعتقاد، لا يجوز تهوينها، ولا صرف الأنظار عنها.

فنحن ننقم عليهم أمورًا عظامًا، لا يسع منصفًا إنكارها، ولا يستطيع متحمّسٌ أن يدفعها، منها:

• اعتقادهم القول بتحريف القرآن الكريم، وأن الذي بين أيدي المسلمين اليوم قد دخله النقص والزيادة، وناله التبديل والتغيير، والطعن في نقلة الوحي من الصحابة رضي الله عنهم.

• تكفيرهم لجمهور الصحابة، بل لأكابرهم وخيارهم، كأبي بكر وعمر وعثمان، بل وتعدّيهم إلى أمهات المؤمنين، كعائشة وحفصة رضي الله عنهن، فأيُّ الأمرين أعظم: الطعن في العرض، أم الحكم بالكفر والردة؟!

• جعلهم الإمامة أصل الدين الأعظم، بل تقديمها على مقام النبوة والرسالة والملائكية، والحكم بكفر من لم يقل بها، وهو مناقض لأساس عقيدة الإسلام.

• حكمهم على أهل السنة بالكفر أو النجاسة، واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وقد شهدت بذلك الوقائع، وصدّقته المآسي، وكان ما جرى لإخواننا في الشام شاهد صدقٍ على ما استقر في كتبهم من هذه العقائد.

وغير ذلك من العقائد التي تجعل المُنصف يصنف الرفض دينا مباينا تمام المباينة لدين الإسلام، وليس مذهبا من مذاهبه كما يريد أن يصوره الحماسيون المتطفلون على مباحث العقيدة.

فأيّ إنصافٍ هذا الذي يُهوِّن هذه الأصول، ويُبرز مسألةً جزئية، ليُبنى عليها تلطيف صورة مذهبٍ كامل؟!

إننا مع وضوح موقفنا من الرافضة لا نقبل الاصطفاف مع اليهو د بحال، ولا نُجيز أن يُجعل باطلٌ في كفة حق، ولكننا في الوقت ذاته نأبى أشدّ الإباء أن تُحرّف الحقائق، أو يُزيَّن الباطل، أو يُدلس على الأمة باسم وحدة الصف أو عداوة العدو أو الانتصار لإخواننا في بلاد الأقصى.

وقد كنا ممسكين عن الخوض في هذا، رعايةً للمقام، ومراعاةً لحال الناس، غير أن الأمر لما تجاوز حدود الفرح المشروع إلى تصحيح الانحراف العقدي، وتلميع الباطل المذهبي، تعيّن البيان، ووجب النصح، وسقط عذر السكوت.

وإننا، بحمد الله، على استعدادٍ لبيان أمهات عقائد القوم من كتبهم المعتمدة، بنصوصها الصريحة، دون زيادة ولا نقصان، حتى لا يُتَّهم الناصح بالافتراء، ولا يُرمى المحذِّر بالكذب.

ونستمر مع هذا كله في الفرح بما يحص من النكاية في المحتل الغاصب الظالم، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
20°
22°
السبت
23°
أحد
23°
الإثنين
23°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة