وزير الصناعة يكشف توجهات جديدة لخلق فرص الشغل والحد من البطالة

هوية بريس- متابعات
قال وزير الصناعة والتجارة رياض مزور إن المغرب يعيش اليوم مرحلة مفصلية في مسار تحوله الصناعي، تقوم على إعادة تعريف نموذج التنمية الإنتاجية، والانتقال من اقتصاد يعتمد على المناولة إلى اقتصاد قائم على الابتكار والعلامة التجارية والقيمة المضافة العالية.
وأوضح الوزير، في مداخلة له ضمن اليوم الثاني من أيام الصناعة الوطنية2026، أن التحدي الأول المطروح اليوم يتمثل في خلق قيمة مضافة أكبر وتوزيعها بشكل عادل على مختلف جهات المملكة، بما يضمن تكافؤ الفرص بين المواطنين في الولوج إلى التعليم الجيد من جهة، وإلى الفرص الاقتصادية من جهة ثانية، مشيراً إلى أن هذا الهدف “لم يتحقق بعد بالكامل”.
ويؤكد مزور أن المرحلة الثانية من التحول الصناعي بالمغرب ترتبط بخوض “رهانات جديدة وكبيرة”، بعد خمسة وعشرين عاماً من اختيارات استراتيجية كبرى كلفت الدولة والصناعة الوطنية جهوداً وموارد مهمة، لكنها مكنت من بناء قاعدة صناعية مهمة.
الانتقال من المناولة إلى العلامة التجارية
في صلب هذا التحول، يشدد الوزير على ضرورة الانتقال التدريجي من صناعة المناولة إلى صناعة الشراكة ثم إلى الصناعة المستقلة القادرة على إنتاج وتصدير منتجات تحمل علامات مغربية قوية.
ويرى مزور أن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بالإنتاج، بل بامتلاك مفاتيح القيمة المضافة، وفي مقدمتها الابتكار والتصميم والعلامة التجارية، معتبراً أن “أعلى هامش ربح في الاقتصاد العالمي اليوم هو هامش العلامة التجارية”، مقارنة بهامش الإنتاج التقليدي.
وضرب مثالاً بشركات عالمية كبرى مثل شركة Apple، التي تمتلك علامة تجارية قوية لكنها تعتمد على سلاسل إنتاج موزعة عالمياً دون أن تتولى بالضرورة التصنيع المباشر، في نموذج يعكس التحول العميق في الاقتصاد العالمي نحو “اقتصاد العلامة والابتكار”.
رهانات صناعية كبرى: البطاريات والهيدروجين والآلات
وفي سياق استعراضه للرهانات الصناعية التي يخوضها المغرب، أبرز الوزير عدداً من المشاريع الاستراتيجية، من بينها تطوير سلسلة القيمة الخاصة بصناعة البطاريات، التي يُرتقب أن تحقق تقدماً كبيراً في أفق نهاية السنة، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بـالهيدروجين الأخضر، الذي وصفه بأنه رهان طويل الأمد يتطلب نضجاً تكنولوجياً واستثماراً مستمراً.
كما أشار إلى مشاريع صناعية مرتبطة بإنشاء منظومة متقدمة للآلات الصناعية، واعتبرها رهاناً أساسياً لبناء “صناعة تصنع الصناعة”، أي صناعة قادرة على إنتاج أدوات الإنتاج نفسها.
ويرى المسؤول الحكومي أن هذه المشاريع تمثل انتقالاً نوعياً في تموقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية، من مجرد فاعل صناعي متوسط إلى فاعل قادر على الابتكار والتطوير الصناعي المعقد.
التحول نحو اقتصاد الابتكار بدل التشغيل الكلاسيكي
وفي جانب آخر من مداخلته، فتح مزور نقاشاً حول مستقبل سياسات دعم الاستثمار، متسائلاً عن مدى الحاجة إلى إعادة توجيهها من التركيز على خلق فرص الشغل إلى دعم الابتكار والتكنولوجيا، في ظل التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أن دولاً كبرى، من بينها الصين، أعادت في السنوات الأخيرة توجيه سياساتها الصناعية نحو دعم الابتكار بشكل أكبر مقارنة بالدعم المرتبط بالتشغيل المباشر، في إطار ما وصفه بـ”إعادة تشكيل فلسفة النمو الصناعي”.
ويأتي هذا النقاش في سياق تحديات سوق الشغل بالمغرب، حيث يواجه الاقتصاد صعوبة متزايدة في استيعاب الطلب المتزايد على وظائف ذات جودة عالية، في وقت تتراجع فيه جاذبية بعض القطاعات التقليدية كثيفة اليد العاملة مثل الفلاحة والبناء والنسيج.
عالم متحول وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج
كما توقف الوزير عند التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى نهاية مرحلة “العولمة السعيدة” وبروز اتجاهات حمائية متزايدة في العلاقات التجارية الدولية.
وأكد أن هذا التحول يفرض على المغرب إعادة النظر في أسواقه التصديرية، التي تعتمد بنسبة تقارب 70% على السوق الأوروبية، مع ضرورة تعزيز الانفتاح على أسواق إفريقيا، وأمريكا، والشرق الأوسط.
ويرى أن هذا التنويع يتطلب أيضاً تكييفاً عميقاً في البنية الإنتاجية الوطنية، وفي سياسات جذب الاستثمارات، بما ينسجم مع متطلبات الأسواق الجديدة.
في ختام هذه الرؤية، يؤكد مزور أن مفهوم “السيادة الصناعية” الذي دعا إليه الملك محمد السادس يقوم على الانتقال من اقتصاد يعتمد على استقبال الطلبيات إلى اقتصاد يصبح فيه المغرب “مُعطياً للطلب ومصمماً للمنتج”.
وتشمل هذه السيادة، حسب الوزير، عناصر أساسية مثل خلق فرص شغل ذات جودة، الارتقاء في سلاسل القيمة، تقليص الانبعاثات الكربونية، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة المغربية.
ويخلص التقرير إلى أن المغرب يقف اليوم أمام مرحلة جديدة من التحول الصناعي، عنوانها الكبير: الانتقال من اقتصاد الإنتاج إلى اقتصاد التصميم والابتكار والعلامة التجارية، في عالم يتغير بسرعة ويعيد تشكيل قواعد المنافسة الدولية.



