وهبي و “الجنرال”..حدود التشريع بين المدني والديني في مشروع قانون العدول

هوية بريس-حسن الهيثمي*
ما يزال مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول يثير جدلا واسعا داخل الوسط المهني والقانوني، المتوقع مواصلة مناقشته الإثنين المقبل بمجلس المستشارين.
ويغذي هذا الجدل رفض الحكومة عدة مطالب تعتبرها هيئة العدول أساسية لتحقيق الأمن التعاقدي، ويأتي في مقدمتها تمكين العدول من آلية إيداع أموال المتعاقدين على غرار ما هو معمول به لدى الموثقين.
وازدادت حدة الجدل عقب ربط وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، رفضه لهذه المطالب ب « فتوى » صادرة عن المجلس العلمي الأعلى وصل إلى حد مطالبة المجلس الجهوي لعدول استئنافية الرباط بالكشف عن مضامينها.
وخلقت إحالة وزير العدل على هذه الفتوى توترا بين منطق « المعاصرة » الذي يسعى إلى تحديث المهنة ومن ذلك تمكين النساء من ممارستها، ومنطق « الأصالة » الذي يميل إلى الابقاء عليها داخل جلباب تقليدي وحصرها في توثيق الأحوال الشخصية.
وتبرز هنا مفارقة عجيبة بين عبد اللطيف وهبي عندما كان من أشرس المدافعين عن تعزيز استقلالية المجال التشريعي عن أي تأثير خارجي وبين وهبي الوزير الذي يشهر « فيتو » المجلس العلمي الأعلى في وجه العدول لتبرير رفض مطالبهم.
ناقش وهبي في مقال بعنوان « أنا والجنرال »، منشور في كتاب جماعي بعنوان من وحي البرلمان صدر سنة 2015، (ناقش) في مرافعة مهمة إشكالية تدخل المؤسسة العسكرية في النقاش التشريعي داخل البرلمان خلال مناقشة مشروع قانون العدل العسكري.
وتعود قصة هذه المرافعة عندما حضر مسؤول عسكري برتبة « جنرال » رفقة عبد اللطيف لوديي الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني خلال اجتماع عقدته لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، وهو ما اعتبره وهبي حينها بالمسألة التي تستوجب التحفظ، بالنظر إلى ما قد توحي به من تأثير غير مباشر على مسار التشريع الذي يرى أن مجاله « مدني خالص، وأن أي حضور داخل المؤسسة التشريعية يجب أن يتم وفق صفات قانونية مدنية واضحة ومحددة دستوريا ».
هذا ما دافع عليه المحامي والبرلماني وهبي، فلماذا يبرر الآن وهبي الوزير رفضه لمطالب منطقية ومنها تمكين العدول من آلية الإيداع لدى طرف ثالث موثوق كصندوق الإيداع والتدبير أو بريد المغرب أو المحكمة؟!
ولاتعد هذه الآلية امتيازا لفئة مهنية على حساب أخرى، بقدر ما هي أداة قانونية لضمان حماية الأموال وتعزيز الثقة في التوثيق العدلي، وهو ما لايمكن لأي فتوى فقهية إلا تزكيته والحث عليه.
لقد أعاد وهبي الوزير باحالته على هذه الفتوى فتح نقاش بدأه عندما كان برلمانيا حول حدود صناعة التشريع داخل دولة تسعى إلى تحديث منظومتها القانونية في إطار تكامل وانسجام تامين بين الديمقراطية التمثيلية والديموقراطية التشاركية كما تسعى إلى « التوفيق بين الهوية المغربية وحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا“.
*باحث في القانون وعدل باستئنافية الرباط



