لائحة مخالفات الشعائر.. من يستحق المتابعة الأئمة أم الطاعنين في الثوابت؟

لائحة مخالفات الشعائر.. من يستحق المتابعة الأئمة أم الطاعنين في الثوابت؟
هوية بريس – عابد عبد المنعم
أثار إصدار لائحة بالمخالفات في ممارسة الشعائر الدينية من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية استياء عارما في الأوساط الدينية والإعلامية، وقد خصص د.إدريس الكنبوري حلقة مصورة انتقد فيها مضامين المراسلة الموجهة إلى القيمين الدينيين بجهة الدار البيضاء سطات.
اللائحة، التي تحدثت عن رصد عدد من المخالفات المرتبطة بأداء بعض الشعائر داخل المساجد، تضمنت ملاحظات همت طريقة أداء الصلاة، والالتزام بالهندام التقليدي، واحترام التوجيهات الرسمية في الخطبة، وقراءة الحزب الراتب، وغير ذلك من الضوابط التنظيمية. غير أن النقطة التي أثارت أكبر قدر من الجدل تمثلت في اعتبار أداء الصلاة بالقبض ضمن المخالفات المسجلة، في سياق يؤكد فيه المغرب التزامه بالمذهب المالكي باعتباره أحد ثوابته الدينية.
الكنبوري اعتبر أن إدراج مسألة القبض في الصلاة ضمن المخالفات يعكس توجها نحو تضييق مجال الاجتهاد داخل المذهب نفسه، مذكرا بأن الفقه المالكي لم يحسم بشكل قطعي في مسألة السدل أو القبض، وأن عددا من فقهائه أقروا بجواز الأمرين. وبحسب طرحه، فإن تحويل مسألة فقهية خلافية إلى موضوع تأديبي قد يطرح تساؤلات حول حدود سلطة التنظيم الإداري في مجال تعبدي محكوم بتعدد الآراء داخل الإطار المذهبي ذاته.
غير أن الجدل تجاوز مسألة القبض والسدل ليطال سؤالا أوسع يتعلق بعلاقة الدولة بالحقل الديني، وحدود الحرية الفردية في ممارسة الشعائر ضمن الإطار المذهبي المعتمد. الكنبوري أشار في مداخلته إلى ما اعتبره تركيزا صارما على ضبط المجال الديني مقابل تساهل نسبي في مجالات أخرى، خاصة السياسية، مستحضرا مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة باعتباره مبدأ دستوريا ينبغي أن يطبق بشكل متوازن على مختلف المجالات.
بدوره علق د.محمد عوام على لائحة مخالفات الوزارة متسائلا “هل هؤلاء علماء أم أعوان سلطة، مقدم الحومة معروف، وهؤلاء مقدمين المساجد”.
وتابع الباحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة في منشور له على فيسبوك “ما هو ثابت بالسنة القولية والعملية لا يوصف بالمخالفات، وإذا كانت وزارة الأوقاف ومجالسها العلمية جادين في ملاحقة المخالفات، فعليهم أن يبحثوا عنها في المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة، كالترخيص لبيع الخمر، فلن تجد له أصلا لا في مذهب مالك ولا غيره، ودور القمار، والتبرج، السافل، والانحطاط الأخلاقي”.
وأضاف “من أراد معرفة المخالفات وملاحقتها فسوف يجدها عند العلمانيين واللادينيين والملاحدة، الذين يهاجمون الشريعة ويطعنون في ثوابتها وقطعياتها، ويسخرون من السنة النبوية الشريفة. ثم لماذا سكتت هذه المجالس والوزارة نفسها حين طعن في نسب ملك البلاد ونسبوه ظلما وزورا إلى الصهيونية؟ لماذا لم تجند وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية جنودها من العلماء والخطباء والمرشدين لمواجهة هذا الافتراء والزور؟
ثم أيضا لماذا بلعت المجالس العلمية بكل تشكيلاتها وقاماتها العلمائية ألسنتها، وبراعة بيانها عن التنديد بالإبادة الجماعية التي تعرضت لها غزة العزة، ولماذا خيم الصمت المطبق على علمائنا تجاه التطبيع، فلم نسمع لهم لا همسا ولا ركزا؟
أليست القضية الفلسطينية قضية إسلامية، بها المسجد الأقصى وميراث المغاربة أم أن إرضاء الصهاينة ينسخ المواقف الشرعية كما ينسخ الميراث؟”.
وختم د.محمد عوام تعليق على الموضوع بقوله “ما تعتبره الوزارة مخالفات تسعها الشريعة وقواعد المذهب، وإذا صح الحديث فلا حيدة عنه عند كافة الأئمة، إلا لدليل معتبر في الفهم ومن جهة القواعد الكلية، ولاعتبارات منهجية كما الشأن عند الإمام مالك رحمه الله. المشكل أنكم تقيمون المندبة والميت فار” اهـ.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى لائحة المخالفات باعتبارها مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل هي مؤشر دال على طبيعة المقاربة المعتمدة في تدبير الحقل الديني، وعلى الكيفية التي يُفهم بها مفهوم الثوابت وحدود الاجتهاد داخلها. فحين تتحول مسائل خلافية معتبرة داخل المذهب المالكي إلى موضوع متابعة ومساءلة وتأديب، فإن السؤال لا يعود فقهيا صرفا، بل يصبح سؤالا عن فلسفة الضبط وعسكرة واضحة للمجال الديني.



