دعوات الاجتهاد في العشر الأواخر وسؤال الإصلاح

14 مارس 2026 09:31

دعوات الاجتهاد في العشر الأواخر وسؤال الإصلاح

هوية بريس – د.مصطفى قرطاح

لا يجادل أحد في أن الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الدعوة إلى الاجتهاد فيها هي كذلك سنة من منهاج دعوته، لكن دعونا نطرح سؤالا مبعثه الواقع المجتمعي الذي نحياه؛ فما نشهده في شوارعنا وأزقتنا من أوساخ وأزبال، يلقي بها أصحابها وهم ذاهبون إلى المساجد لأداء صلاة الصبح، وما يعتري معاملاتنا المالية من مطل وغمط في أداء الحقوق لأصحابها، وغير ذلك من مظاهر سوء الخلق والاختلال في التدين، مما يوجب على الخطاب الديني أن يساءل نفسه: إلى أي وجهة تتجه دعوات الاجتهاد في العشر الأواخر؟ وما هو المقصد الذي تتغياه؟ وما هو النموذج التربوي الذي يرتسم في ذهن الداعين إلى الاجتهاد؟

إن علينا أن نسأل أنفسنا: إذا كان المسلم قد قضى العشرين يوما الأولى من رمضان قائما يصلي، يؤدي عشرين ركعة أو أكثر، واستمع إلى تلاوات مرتلة من القرآن الكريم، ولعله ختم قراءته مرات عدة، واستمع إلى خطب ومواعظ تحت على الاجتهاد في العبادة في مضان، وتحفزه على العناية بالقرآن الكر ي، ثم هو لم يراجع نفسه في أخلاقه ومعاملاته، فماذا عسى أن يستفيد إذا زاد في هذه العشر الأواخر ختمة أخرى إلى ختماته، وأضاف ركعات أخرى إلى حصيلة ركعاته؟

لا نتحدث هنا عن قبول الأعمال وأجرها، فذاك أمر إلهي، ولا يحق لأحد أن يتألى على الله عز وجل وينظر إلى أعمال العباد كأنه رَبٌّ يُحَاسِبُ ويُجاَزِي، ولكن السؤال هنا عن الإصلاح في علاقته بالخطاب الديني.

إن الخطاب الديني خطاب إصلاحي قاصد، يرصد مظاهر الصلاح فيدعو إلى تعزيزها والتكثير منها، كما يرصد مظاهر الفساد فيدعو إلى مكافحتها والتقليل منها، وكل ذلك في توازن بين الوجهين حتى يكون بشيرا ونذيرا، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، هاديا ومقيما للحجة. كما أنه خطاب منهجي يتأسس على الأصول العقدية والأخلاقية التي انبتت عليها الشريعة الإسلامية، ويرغب في أداء العبادات كقربة إلى الله تعالى وأداة لترويض النفس البشرية على تحويل تلك التوجيهات العقدية والأخلاقية إلى سلوك يومي يطبع حياة الإنسان، ويشهد لذلك قول الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:45]، وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة:197]، وقد تعلمنا من أصول الشريعة أن التدين الراشد يتأسس على منهج قوامه تقديم الفرائض على النوافل، إذ قال الله تعالى في الحديث القدسي:«وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»[ ـ صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع.]،كما حذرنا النبي عليه الصلاة والسلام من الإفلاس يوم القيامة؛ أي أن يخسر المرء رصيد حسناته التي اكتسبها من العبادات نتيجة سوء أخلاقه مع الناس، فقال عليه الصلاة والسلام: «”أتدرون ما ‌المفلس؟ ” قالوا: ‌المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال “إن ‌المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه. ثم طرح في النار”»[ صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والأداب، باب تحريم الظلم].

بناء على ما تقدم، نتساءل: ماذا سيضير الخطاب الديني لو أنه اتجه نحو دعوة الناس في العشر الأواخر إلى الاجتهاد في تنظيف الشوارع وعدم طرح النفايات إلا في الحاويات المخصصة لها؟ وما الذي يعوقه أن يدعو الناس إلى قضاء ما عليهم من ديون لأصحابها؟ وما العيب في أن يدعوَ التاجرَ والصانعَ والموظفَ إلى الاجتهاد في الوفاء في الكيل وترك التطفيف؟

وكل هذا إلى جانب الدعوة إلى الاجتهاد في العبادات، والتهجد، وقراءة القرآن، والعكوف في المساجد، فيكون خطابا شاملا متوازنا إصلاحيا قريبا من المجتمع وهمومه ناصحا لأمته، هذا مع التأكيد على أننا لا نحمل الخطاب الديني وحده مسؤولية الاختلالات التربوية في المجتمع، ولا نبخس جهوده في الإصلاح، وإنما نرغب في المزيد من القصدية وتحقيق مناطات الإصلاح والحمد لله رب العالمين.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
23°
أحد
24°
الإثنين
23°
الثلاثاء
23°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة