دكاترة التربية الوطنية حلول للمشاكل وليسوا مشكلة

04 أبريل 2026 21:59

دكاترة التربية الوطنية حلول للمشاكل وليسوا مشكلة

هوية بريس – د . أحمد شلاط

 الحمد لله القائل في محكم تنزيله: (( وفوق كل ذي علم عليم ))[يوسف 76]،  فبشهادة منظومتنا التربوية تعتبر الدكتوراه أعلى الشهادات، وتصدر عن الجامعات التي تمنحها دون أن يشكك أحد في مصداقيتها، وإلا رجع التشكيك إلى الجهة المعنية المانحة لها، إلا أن الواقع الذي يعرفه ملف دكاترة التربية الوطنية جواب ضمني عن المعنى الذي تضمنته الآية بأنهم  لا مزية لهم، ولنا أن نتـأمل بعض المفارقات  كوجود دكتور في الابتدائي أو الإعدادي، وتعيين مجاز في الإعدادي، أو التأهيلي،  وتعيين حملة الماستر في المركز الجهوي، وإقصاء الأساتذة الدكاترة، وتكليف طلبة سلك الدكتوراه  بالتدريس في الجامعة، وإقصاء الأساتذة الحاملين للدكتوراه…

فمنذ مدة ليست باليسيرة وملف دكاترة التربية الوطنية تتجاذبه الجهات الرسمية  والنقابية، والاتحادات والتنسيقيات، رغم اختلاف المنطلقات والمنهجيات والأهداف، يبقى المشترك هو الإقرار بوجود ملف يكبر يوما بعد يوم، بينما التفكير فيه ومعالجته موسمي، بل يعرف سباتا عميقا في فترات، مما يجعل هذا الملف من الملفات التي عمرت طويلا، إذ يرجع تاريخ أول الاتفاقات لحله إلى 2010 وتلته وعود عديدة لم يتم الوفاء بها، منذ زمن الوفا رحمه الله،  وكان آخر الانفراجات الجزئية ما تضمنه النظام الأساسي من الاستجابة ولو جزئيا بإقرار منصب الأستاذ المساعد مع التأخر في التفعيل الكامل لما تم الاتفاق عليه بخصوص عدد المناصب كل سنة، حيث تم الاتفاق على تخصيص 600 منصب كل سنة، لمدة ثلاث سنوات، وتكاد هذه المدة تنقضي ونحن في السنة الثالثة وتمت تسوية دفعة واحدة فقط، والتعامل مع الملف يظهر اعتباره حملا ثقيلا، فكأنهم نكرات، بل وكأنهم غير مرغوب فيهم، وزد ما شئت من العبارات التي تناسب استثقال الموضوع والتراخي في التعامل معه وتمطيط آجال تفعيل ما يتعلق به من حلول. رغم إقرار الوزراء المتعاقبين  لما يزيد عن عقد بمظلومية الدكاترة والحاجة إلى كفاءاتهم ووعودهم بالتسوية، فهذا الوضع يمكن اعتباره  مخالفة لمقتضيات القانون الإطار الذي ينص على التحفيز والابتكار، إذ تنص المادة3 على: “التشجيع والتحفيز على قيم النبوغ والتميز والابتكار في مختلف مستويات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي ومكوناتها.” إلا إذا كانت الدكتوراه لا تعتبر تميزا ولا ابتكارا، ويكون تفسير هذه المادة وحصرها في حصول تلميذ على أعلى معدل في مدرسته، رغم عموم تعبير المادة لكل المستويات وحديثها عن البحث العلمي، فإن لم الدكتوراه من البحث العلمي فماذا سيكون؟

قصد هذا المقال اقتراح بعض الحلول  تنفع المنظومة التربوية أكثر مما تنفع الدكاترة، فتحل مشكلة الدكاترة باستغلال كفاءاتهم في حل مشاكل قائمة ومنها المزمن، فهو من قبيل ضرب عصافير كثيرة بحجر واحد، أو قل: حل مشاكل كثيرة بحل مشكل واحد.

المقترح الأول: التفكير الجماعي في استغلال كفاءات الدكاترة في المنظومة التربوية والجامعية

هذه محاولة متواضعة لعلها تكون أرضية للتفكير والنقاش والاقتراح من قبل المتدخلين في التربية والتعليم من مختلف المستويات من وزارة وأكاديميات ومديريات…، وهيئات كالمجلس الأعلى للتربية والتكوين، ومن قبل المعنيين أنفسهم وهم دكاترة القطاع، للتفكير الجماعي في كيفية جعل دكاترة التربية الوطنية مفاتيح للحلول، ورافعة حقيقية لتحقيق الجودة  المنشودة.

فالتفكير الجماعي بأشكال متعددة ضرورة في ظل غياب تصور واضح لكيفية تدبيره تربويا قبل تدبيره ماليا وإداريا؛ لأن النقاش منحصر في مطلب الأستاذ الباحث أو الأستاذ المساعد من قبل الدكاترة، والوزارة تدبر الأمر ماليا بالتقسيط، وكأن لسان حالها يقول ماذا سأفعل بهؤلاء؟ لعدم وجود تصور لتوظيف كفاءاتهم وحصره في التكوين في المراكز الجهوية،  والتي يبدو لها أن عدد الدكاترة أكبر من أن تستوعبه المراكز في ظل وضعها الحالي.

خلال الأسبوع الماضي نظمت النسخة الثانية من المنتدى الوطني للمدرس تحت شعار “المدرس في قلب التحول التربوي”، وذلك بحضور مسؤولين حكوميين وخبراء وفاعلين في قطاع التربية والتكوين، في محطة أجمع المتدخلون فيها على مركزية الأستاذ داخل ورش إصلاح المدرسة المغربية. ولكن يبقى السؤال عن كيفية دعم هذا الأستاذ ومساعدته لأداء دوره التربوي والتعليمي؟ فهذا من أهم المقترحات التي يمكن فتح النقاش في سبل توظيف الدكاترة للتخفيف من الفراغ الخطير والمزمن في هذا الباب.

المقترح الثاني: الإسهام في التكوين الجامعي التربوي وتعميم الإجازة في التربية

يكاد يجمع المهتمون  والفاعلون التربويون على عدم كفاية ما يكتسبه الطالب في المرحلة الجامعية ومرحلة التكوين ليكون أستاذا جيدا متمكنا من الكفايات التدريسية الضرورية، فأغلب الأساتذة يستكملون خبرتهم بالممارسة خلال السنوات الأولى من التدريس، كما يقول المثل الشعبي: تعلم الحجامة في رؤوس اليتامى، فنكون أمام صور من التواطؤ على القبول بالحد الأدنى أحيانا، والمتوسط في الأغلب الأعم، وهذا راجع لمستوى التكوين التربوي في الجامعات، ومنها مسالك الإجازة في التربية، مع التنويه بتميز هذه المسالك في التأهيل لممارسة التدريس أكثر من غيرها من المسالك في الإجازة في سائر التخصصات التي يقبل كثير منها في مباريات التعليم،  مما يستدعي التفكير في تجويد التكوين الأساس بما يناسب الوظيفة المستقبلية للخريجين، والسبب الثاني وهو أكبر هو مستوى التدريب والتكوين في المراكز الجهوية والذي يستغرق بضعة أشهر، وتغلب عليه العجلة والتكوين الصوري في مجموعة من المجزوءات باعتبار ضيق الغلاف الزمني المخصص لها، وضيق الغلاف الزمني لا يسمح كذلك بإجراء التداريب الميدانية الكافية، فكأننا نستعجل توفير أفواج من الأساتذة  في نهاية الموسم، لأفواج من التلاميذ ينتظرونهم في بداية الموسم الموالي، ولسان حال أغلب المتدخلين يلهج بالمثل القائل: الأعمش خير من الأعمى.

ففي هذه الفجوات والثغرات المسببة للعمش التربوي، يمكن أن يكون الدكاترة حلولا للبصر بل والبصيرة التربوية، ويمكن أن يسهموا في التخفيف منه على مستويات متعددة، بدءا من التكوين الجامعي فيمكن بالتنسيق بين وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي الاستفادة من الأساتذة المساعدين العاملين في المراكز الجهوية في تدريس طلبة الإجازة في التربية، وتأطير بحوثهم… وهذا التعاون قد يكون حلا لضعف التكوين المرتبط بالموارد البشرية في الجامعات التي تستعين بالطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه، وفي المقابل تزهد في الأساتذة الحاصلين على الدكتوراه ولهم تجربة في التدريس والبحث، ففتح هذا الباب سيرفع من عدد المناصب التي ستخصص لكل مركز جهوي للتربية، فدكاترة التربية الوطنية أولى بهذه المهمة لجمعهم بين التجربة التربوية بالممارسة في أسلاك الابتدائي والإعدادي والتأهيلي، بالإضافة إلى التجربة البحثية في الماستر والدكتوراه.

المقترح الثالث: تعميم الإجازة في التربية وتفعيل المركبات الجامعية الجهوية

من المقترحات التي ستكون ذات جدوى  كبيرة تفعيل تعميم الإجازة في التربية في الجامعات بالإضافة إلى المدارس  العليا للأستاذة، وهذا التعميم كفيل باستيعاب عدد كبير من دكاترة التربية الوطنية، إذا أعطوا الأولوية في إسناد التدريس فيها، وسيكون المقترح فعالا أكثر لو يتم التفكير في صيغة قانونية لتمكين المراكز الجهوية من فتح مسالك الإجازة في التربية، مما سيقرب هذا المسلك من الطلبة المنتمين إلى مدن لا تتوفر على جامعات مما يبقي لهم فرصة وحيدة وهي الالتحاق بمؤسسات التكوين المهني إذا وجدت، وقد يكون تفعيلا لما نص عليه القانون الاطار في المادة 12 وفيها:” إحداث مركبات جامعية جهوية تتوفر فيها الشروط الملائمة للتعلم والتكوين”.

المقترح الرابع: التخفيف من الهدر المدرسي والجامعي

يمكن عد هذا المقترح من المقترحات الاستراتيجية لاستيعاب دكاترة قطاع التربية الوطنية وغيرهم من العاملين بالقطاعات الأخرى  والعاطلين، بالتفكير الجدي في المعضلة الكبيرة لمنظومتنا التربوية والتي تتجلى في ارتفاع نسب الهدر المدرسي والجامعي، ويمكن الاستدلال بالتقرير الأخير لليونسكو وتقييمات المجلس الأعلى وغيرها من الإحصاءات الرسمية التي تدل على حجم هذه الكارثة التربوية، فمئات الآلاف من التلاميذ يغادرون المدرسة سنويا بأرقام فظيعة حوالي 300ألف سنويا، بمعني حوالي مليون تلميذ كل ثلاث أو أربع سنوت؛ ونسبة التلاميذ الذين يلتحقون بالجامعات يمثل نسبة الربع فقط حوالي 26%  ، ونسبة من هؤلاء لا يكملون تعليمهم الجامعي، فنتساءل لو رفعت هذه النسبة إلى النصف مثلا، كم سنحتاج من المؤسسات الجامعية؟ وكم سنحتاج من الأساتذة؟ على الأقل ضعف العدد الحالي في الجامعات، وكذا لو تم التعامل مع ظاهرة الهدر الجامعي  بجدية، فحسب إحصائيات رسمية فإن 50 في المائة من الطلبة  يغادرون الجامعات بدون الحصول على أية شهادة، مع تسجيل ارتفاع النسبة فقد كانت 43في المائة، بمعنى  الوضع في تفاقم، وعدد من يحصل على الإجازة، حوالي 20في المائة أو أقل حسب الشعب، ونسبة من الطلبة تنسحب من الماستر أو الدكتوراه في صمت وبألم، وتتعامل المؤسسات الجامعية مع الوضع بمنطق اللامبالاة وكأن شيئا لم يقع، وأحيانا تكون أسباب الهدر اجتماعية، أو بسبب البعد، أو الحرمان من الإقامة في الحي الجامعي، أو من المنحة، أو غير ذلك، وأحيانا تكون الأسباب إدارية أو لأسباب بسيطة قابلة للحل …

فهل السكوت عن الهدر الجامعي منهج للتخفيف على الجامعات التي أصبح كثير من مسالكها يعاني من الاكتظاظ وقلة الأساتذة وعدم كفاية القاعات الدراسية؟  حيث تعجز المدرجات أحيانا عن استيعاب العدد الكبير للطلبة الذي يتجاوز الألف في بعض المجموعات؟ فكأن الجامعة تكاد تقدم الشكر للمنسحبين لتخفيفهم من الزحام، فكيف نتوقع منها البحث عن أسباب انسحابهم؟ وكيف نحلم أن تقدم لهم حلولا لاستكمال دراستهم؟ فمما يستغرب حتى القانون الإطار تحدث عن الهدر المدرسي وسكت عن الهدر الجامعي.

المقترح الخامس: الرفع من التكوين الأكاديمي للأساتذة

قد لا نجد في كومة مشاريع الإصلاح المتعاقبة حديثا أو تخطيطا لرفع مستوى التكوين الأكاديمي للأساتذة، بل قد تفهم عراقيل متابعة الدراسة الجامعية، وإلغاء الترقية بالشهادات، وإلزام الطلبة في مسالك الماستر بالإدلاء بشهادة عدم العمل، على أنها إجراءات مضادة، وحواجز في وجه من يريد استكمال دراسته، وفي المقابل نجد الدراسات الدولية تقيم المنظومات التعليمية بمقاييس منها المستوى الأكاديمي للأساتذة، وتصدر نتائج دراساتها التي تستلزم من القائمين على الشأن التربوي الخجل مما ترصده من أرقام، فقد نشرت الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي تقريرا مستندا إلى الدراسة الدولية للتعليم في المغرب سنة 2024 تضمن مجموعة من الأرقام تكشف تدني المستوى الأكاديمي للعاملين في قطاع التربية والتعليم، فما تزال نسبة منهم غير حاصلين على الإجازة،  إذ يشكل الحاصلون على الإجازة حوالي 63 في المائة في الاعدادي، ونسبة الحاصلين على شهادة الماستر لا تتجاوز 18 في المائة، مقارنة بـ57 في المائة في الدول المتقدمة و44 في المائة على الصعيد الدولي. وتصل إلى 90 في المائة في بعض البلدان  منها فنلندا والبرتغال، وفي سلك التعليم الابتدائي، تسجل وضعية مشابهة، ولا تتجاوز نسبة الحاصلين على شهادة الماستر 8 في المائة، مقابل 24 في المائة في المعدلات الدولية، بينما تتجاوز النسبة النصف في بعض البلدان، أما حاملو شهادة الدكتوراه، فتظل نسبتهم ضعيفة جدا، وإهمال التقرير لها دليل على أنها نسبة لا تستحق الذكر، ولو عدت لما تجاوزت2في المائة…

بمعنى يلزمنا مضاعفة عدد الحاصلين على الشهادات العليا ثلاث مرات لنقترب من المعدلات الدولية، وخمس مرات لنقترب من جارتنا البرتغال.

فمن الحلول الممكنة فتح المجال أمام الأساتذة لاستكمال تكوينهم الجامعي حضوريا وعن بعد باستثمار المراكز الجهوية والمدارس العليا للأساتذة، واستغلال  نهاية الأسبوع والعطل المدرسية في تكوينات مكثفة، وغير ذلك من الصيغ الممكنة لتحقيق هذا الهدف، ودكاترة التربية الوطنية يمكن الاستعانة بهم في هذا النوع من التأطير، فهم أقرب وأدرى بهذه الفئة من غيرهم.

المقترح السادس: إعادة النظر في مدة التكوين في المراكز الجهوية للتربية والتكوين

من المقترحات الضرورية للرفع من كفاءة المدرسين وتكوينهم تكوينا جيدا إعادة النظر في مدة التكوين بالمراكز الجهوية والتي لا تستغرق في بعض المواسم أكثر من أربعة أشهر، فغالبا ما يبدأ التكوين في شهر يناير، وأحيانا يتم تنظيم بعض المباريات الاستدراكية للتوظيف بعد هذا التاريخ، مما يقلص مدة التكوين، فالحد الأدنى أن تكون سنة كاملة، وقد كان معمولا بهذا النظام قبل، والأفضل لاستكمال التكوين الجامعي والتخصصي والتربوي أن يكون التكوين والتدريب في المراكز الجهوية لمدة سنتين،  كما هو معمول به في بعض الدول  فمثلا سنغفورة تعتمد تكوين الأساتذة لمدة أربع سنوات كاملة، وفي ألمانيا تسعة فصول، وقد يكون التكوين لمدة شهور من إبداع منظومتنا، وفي بعض الدول تجرى اختبارات التخرج ومن لم يتوفق فيها يخضع لتكوين استدراكي، بينما النجاح في مراكزنا تحصيل حاصل، ويتكرر القول: الأعمش خير من الأعمى، وأن توفير أستاذ للتلاميذ خير من عدمه .

وتفعيل هذا المقترح بزيادة مدة تكوين الأساتذة، سيحدث بالتأكيد مناصب أكثر للدكاترة، وبه يمكن تحقيق ما ألح عليه القانون الإطار في التكوين الأساس، وما توصل إليه من تأثير نقص التكوين على جودة التعليم، دون أن يترجم ذلك إلى إجراءات عملية.

المقترح السابع: تخفيف الاكتظاظ في المراكز الجهوية للتربية والتكوين

من المقترحات الفعالة كذلك في الاتجاهين إعادة النظر في فصول التكوين وعدد الأساتذة المتدربين في كل فصل، فهل يعقل أن تحارب الوزارة الاكتظاظ في الفصول الدراسية في حين تقبل الاكتظاظ في تكوين الأساتذة؟ إذ يصل عدد الأساتذة المتدربين في الفصل إلى أربعين أحيانا، وكأنه قياس على العدد  المتعارف عليه في الأقسام الدراسية، وهو قياس مع وجود الفارق، فتخفيف أفواج التكوين ضرورة للرفع من جودة التكوين والتدريب خاصة في الأنشطة التطبيقية التي ينبغي التركيز فيها على الإنجاز الفردي، وكلما كبر عدد  مجموعة الفصل قلت فرص المتدربين،  فيكتفى عادة ببعض النماذج، وعلاج هذا الخلل التكويني سيحدث بالتأكيد مناصب أخرى  لدكاترة القطاع، بل يمكن اعتباره وحده كافيا لاستيعابهم، لو يتم الحسم في العدد الأقصى في عدد معقول دون العشرين في فصول التكوين، ودون العشرة في التداريب العملية كما وقع الحسم في  رقم الأربعين في الأقسام الدراسية.

من الملاحظات المسجلة وهي كذلك من مظاهر العمش التربوي بلغة المثل السابق، ضعف البحوث التي تعد كبحوث تدخلية أو بحوث التخرج، وهو ضعف متواطؤ عليه كذلك باعتبار ضيق مدة التكوين وإشكال الموارد البشرية، فيقبل ما لا ينبغي قبوله تساهلا وتقديرا لظروف التكوين، فيمكن من باب الرفع من تكوين الأساتذة، إعادة النظر في بحوث التخرج، والرفع من أهميتها وجودتها،  فيمكن جعلها موازية لفترة التكوين والتدريب، واشتراط جمعها بين الجوانب النظرية والتطبيقية لتكون مفيدة لمن أنجزها ولغيره، وفي هذا الباب كذلك دكاترة التربية الوطنية هم أولى وأجدر من سيقوم بهذه المهام بالإشراف والتأطير والتوجيه.

المقترح الثامن: فتح المجال أمام الراغبين في تغيير الإطار

من الحوافز المهمة والتي كانت في فترات سابقة، فتح أبواب تغيير الإطار أمام الراغبين في ذلك، بالانتقال من سلك إلى آخر بعد اجتياز امتحان وتلقي تكوين، فإغلاق الأبواب يصيب الأستاذ بالإحباط واليأس من التغيير، خاصة بالنسبة للفئة التي لديها طموح وتجتهد وتتعب في الدراسة والتحصيل، ولا يكلف الأمر الوزارة ماليا باعتبار عدد كبير من هؤلاء في السلم العاشر منذ تخرجهم، فعدم تمكين هذه الفئة من تغيير الإطار يضر بها، ويضر بالمنظومة التي لا تستفيد من تكوينها في المستويات الأعلى، فتغيير إطار أستاذ اشتغل في الابتدائي أو الإعدادي سنوات ليشتغل في السلك الموالي أجدى من توظيف جديد، ويمكن استغلال المراكز الجهوية لهذا الغرض، والاستفادة من دكاترة القطاع في تكوينهم .

المقترح التاسع: حل مشكلة التكوين غير المستمر

الشائع هو التعبير بالتكوين المستمر،  ولكن الواقع يشهد بأنه غير مستمر، بل متقطع، أو منقطع في كثير من الأحيان، ووجوده إن وجد يغلب عليه الطابع الصوري، كما يغلب على التكوين في المراكز كما سبق بيانه، وهو وضع مخالف لما نص عليه القانون الإطار في  المادة 39 التي تقول: “يتعين على السلطات والمؤسسات المعنية المشار إليها في الفقرة السابقة أن تضع بشراكة مع الهيئات العامة والخاصة كل في مجال اختصاصه برامج سنوية للتكوين المستمر والمتخصص لفائدة الأطر المذكورة من اجل تطوير مهاراتهم وتحسين مردوديتهم ويتعين جعل التكوين المستمر إلزاميا وضمن عناصر تقييم الأداء والترقي المهني …”

فالقانون الإطار يتحدث عن برامج سنوية، ويتحدث عن الإلزامية، وتحسين المهارت والمردودية…كما يسند التفعيل إلى هيئات ويقترح شراكات…. لكن في الواقع هذه المهمة الكبيرة يتم تحميلها غالبا للمفتشين وحدهم، ومعلوم ما تعانيه هذه الفئة من كثرة المهام، وكثير منها له طابع إداري يزاحم المهام التربوية، مما يضعف التأطير التربوي  والتكوين المستمر، وهذا راجع إلى الخصاص المهول في أعداد المفتشين إذ يصل عددهم أحيانا في الإعدادي والثانوي أن يكون في المديرية مفتش واحد لأساتذة المادة، ومنهم المفتش المكلف بمديرية ثانية أو ربما أكثر بالإضافة إلى مديريته الأصلية .

دكاترة التربية الوطنية يمكن أن يمثلوا بعض الحل، وذلك بجعل مهامهم في المراكز الجهوية موزعة بين تكوين الأساتذة المتدربين، والمشاركة مع المفتشين في التكوين المستمر ومساعدتهم في ذلك ؛ فيمكن حصر مجال التكوين المستمر الذي سيتشغل فيه الدكاترة في المجال النظري العام المتعلق بالتخصصات المعرفية، وما يسمى التكوين الأساس للأساتذة، فهو مجال غير قابل للاختلاف، وترك الاختيارات في المجال الديداكتيكي للمفتشين، وبهذا التوفيق سيأمن المفتشون من المزاحمة في مجالهم، ويمكن تنظيم عمل الفريقين بمذكرات تفصيلية تحدد مهام كل المتدخلين من مفتشين ودكاترة المراكز، وتحديد مجالات تدخل كل منهما و ضبط ما يحتاج إلى التنسيق بينهما تنزيلا لتوصية القانون الإطار في الموضوع.

المقترح العاشر: ترسيخ ثقافة البحث العلمي والإنتاج التربوي وتحفيزه بالترقية.

كثير من الأساتذة ممن لم يكملوا دراستهم العليا، يكون نصيبهم من البحث العلمي بحث الإجازة، وبحث التخرج من المركز الجهوي (البحث التدخلي)، والمقترح هو جعل البحث العلمي مستمرا بموازاة التكوين المستمر، فهو تكوين ذاتي، تشجيعا للأستاذ على مواصلة البحث في مجاله، وللرفع من جودة تكوينه الذي ينعكس جودة في تدريسه ومردوديته، ويمكن اقتراح جعل البحث مرتبطا بالترقية، فالأستاذ ليس كسائر الموظفين، فلا ينبغي الاقتصار على الأقدمية والامتحان المهني كشروط للترقية، وسبق ربط القانون الإطار بين التكوين المستمر والترقي، ومعلوم تحمل الراغبين في الترقية لمشقة الإعداد للامتحان المهني والذي يأخذ من البعض وقتا وجهدا كبيرا، رغبة منهم في ربح الوقت واستعجالا للترقية، ومنهم من درس سنوات للحصول على الإجازة بحافز الرغبة في الترقية؛_قبل اشتراط الإجازة في مباريات التعليم_، فلو كان البحث شرطا للترقية والنقطة الإدارية لوقع الاهتمام به ولما تم إهماله، ولو كلف سنة أو سنوات. زيادة على أن الأستاذ أولى بالاشتغال بالعلم من غيره قراءة وكتابة وتعلما وتعليما، وما البحث إلا جعل بعض ذلك منظما ومنضبطا بقواعد منهجية. فهذا من المقترحات التي يمكن أن يشتغل فيها دكاترة التربية الوطنية بأن يكون من المهام الموكولة إليهم الإشراف وتأطير ما يمكن تسميته “بحوث الترقية”؛ وتفعيل هذا المقترح سيقتضي إيجاد مراكز بحوث في مختلف التخصصات في المراكز الجهوية والمدارس العليا للأساتذة التي ستنظم العملية.

المقترح الحادي عشر: تفعيل وتنزيل القانون الإطار

تضمن القانون الإطار مجموعة من التوصيات لو تم تفعيلها وتنزيلها فستجد وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي  في دكاترة التربية الوطنية موارد بشرية مؤهلة لتفعيل وتنزيل تلك التوصيات، وقد ذكرت بعضها في مقترحات سابقة، وأذكر من مواده بعض ماله صلة  بالموضوع:

المادة3 ورد فيها: التشجيع والتحفيز على قيم النبوغ والتميز والابتكار في مختلف مستويات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي ومكوناتها….؛محاربة الهدر والانقطاع المدرسيين بكل الوسائل المتاحة وإعادة إدماج المنقطعين …

تنص المادة 12 على إحداث مركبات جامعية جهوية تتوفر فيها الشروط الملائمة للتعلم والتكوين.

المادة 16 جاء فيها كما تواصل الدولة مجهوداتها في الرفع من الميزانية العامة للبحث العلمي

المادة 17 و18تنصان على إقامة الجسور في مجموعة من المجالات منها: برامج تكوين الفاعلين التربويين والمهنيين.

المادة 39 يتعين على السلطات والمؤسسات المعنية المشار إليها في الفقرة السابقة أن تضع بشراكة مع الهيئات العامة والخاصة كل في مجال اختصاصه برامج سنوية للتكوين المستمر والمتخصص لفائدة الأطر المذكورة من اجل تطوير مهاراتهم وتحسين مردوديتهم ويتعين جعل التكوين المستمر إلزاميا وضمن عناصر تقييم الأداء والترقي المهني …

المادة 40  ورد فيها  تشجيع الشراكات الجهوية بين الجامعات ومؤسسات التعليم العالي والاكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والجماعات الترابية …..

وإذا تحقق ما سبق أو جله، حينها ستتغير النظرة إلى دكاترة القطاع، ولن يعتبروا كائنات ثقيلة ينتظر التخلص منها بمباريات التعليم العالي الشحيحة، أو التقاعد أو الوفاة، أو يتم تجاهلها وكأنها غير موجودة، حينها سينظر إليهم على أنهم مصادر لحلول المنظومة وليسوا مشكلتها، وأن تفعيل أدوارهم التعليمية والتكوينية والتأطيرية رافعة حقيقية لتحقيق الجودة المنشودة في مدرستنا.

وختاما أتمنى لو يتفاعل دكاترة القطاع مع هذه المقترحات بجعلها ضمن اهتمامهم بالإضافة إلى حرصهم على حل ملفهم إداريا وماليا، بأن ينضجوا مقترحات عملية وتصورات لإسهامات فعالة للدكاترة في حل مشاكل التربية والتعليم، فكما يدعون إلى نضالات ووقفات أتمنى أن يدعوا إلى أيام دراسية في هذا الاتجاه حضوريا وعن بعد، بدل الحديث العام عن كفاءتهم وحاجة المنظومة التربوية إليها، فمما يساعد على الحل إقناع الوزارة بما سيقدمه الدكاترة.

وسأكون سعيدا لو يجد مقالي سبيلا إلى أفكار وقرارات بعض المؤسسات والإدارات في منظومتنا التربوية، وأخص منها المجلس الأعلى عسى أن يجعل من مقترحاته موضوعا لدراسة تدعمها الاستشارات والإحصاءات وجرد الكفاءات… واقتراح توظيفها بمثل ما سبق أو خير منه، بما يخفف من مشاكل حقيقية تعانيها منظومتنا التربوية، ويحقق الأهداف التي ينتظرها المغاربة من مدرسة أبنائهم، ويعيد الاعتبار لأعلى الشهادات ولحامليها بدل امتلاء الجرائد والمواقع الإخبارية بأخبار احتجاجاتهم، ونشر بيانات الوعود والاتفاقات وبعد ذلك الشكوى من إخلافها.

وأبشر كل غيور على منظومتنا التربوية، وكل مبادر لإصلاح أعطابها بقول الله تعالى: ((إنا لا نضيع أجر المصلحين ))[الأعراف 170].

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°
22°
السبت
23°
أحد
24°
الإثنين
23°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة