من أساطير بورغواطة إلى المورية.. كيف يُعاد تشكيل وعي المغاربة وتزييف تاريخهم؟

هوية بريس – متابعات
حذر الباحث ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، أحمد ويحمان، من خطورة تنامي موجة ما يُسمى بـ”المورية”، معتبرا إياها حلقة متقدمة ضمن مشروع ممنهج يستهدف ضرب أسس الشرعية التاريخية للمؤسسة الملكية ونسف الهوية المغربية الجامعة. وأكد ويحمان أن هذه الدعوات تتجاوز النقاش الأكاديمي لتخدم أجندات تسعى لفصل المغرب عن عمقه العربي والإسلامي وتمرير سرديات تاريخية مزيفة.
وتندرج هذه القراءة التحليلية العميقة، التي نشرها ويحمان ضمن الجزء الثاني من سلسلته الموسومة بـ”.. في ‘مورية الملك’.. والانتماء السائل!”، في سياق تصاعد خطابات تسعى لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للمغاربة.
وأوضح الباحث أن بؤرة الاستهداف، التي تركزت سابقاً على النيل من العقيدة عبر إحياء أساطير “قرآن بورغواطة” و”نبي الأمازيغ”، قد انتقلت اليوم بوضوح نحو استهداف الدولة في شخص رئيسها والتشكيك في مرجعياتها الرمزية.
سياق تاريخي معقد.. بين هشاشة المصادر وجرأة الادعاء
ونبه الكاتب إلى أن أخطر ما يميز هذه الموجة الجديدة هو محاولتها فرض قراءاتها كـ”حقيقة” تاريخية مطلقة، متجاهلة التعقيد الشديد الذي يكتنف تاريخ المغرب القديم.
فالمرحلة المذكورة، بحسب المقال، تظل من أكثر الحقب غموضاً، وتستند أساساً إلى فرضيات وإشارات متناثرة دونّها الرومان والإغريق والبيزنطيون خدمة لتاريخهم الخاص، مما يجعل الجزم بوقائعها أمراً يقتضي حذراً منهجياً يفتقده دعاة “المورية” اليوم.
وتساءل الباحث في علم الاجتماع السياسي عن جدوى الإسقاط التعسفي لمفهوم “الدولة الوطنية الحديثة” على حقب زمنية غابرة كانت فيها الولاءات محصورة في التحالفات القبلية وسلطة الزعماء (إمغارن).
واعتبر أن استدعاء شخصيات تاريخية كـ”يوبا الأول” و”بوكوس” و”ماسينيسا”، وتحويلها إلى مفاتيح جاهزة لتعريف هوية المغاربة في القرن الحادي والعشرين، يمثل عبثاً منهجياً وتطاولاً على التاريخ بمنطق الشعارات لا بمنطق البحث الرصين.
“هذه الدعوى لا تبدو، في نظرنا، سوى إعادة إنتاج، بصياغة مختلفة، لما سبق أن طرحه محمد أوحساين حين ادعى أن الملك يهودي ولا علاقة له بآل البيت. فالمضمون واحد وإن اختلفت العبارات؛ إذ يتعلق الأمر بالطعن في أحد مكونات الشرعية التاريخية والرمزية للمؤسسة الملكية، وليس بمجرد نقاش في الأنساب”.
تناقضات دعاة “المورية”.. انتقائية التاريخ واضطراب الهوية
ورصد المقال تناقضات صارخة في خطاب بعض مروجي هذه الأطروحة، وعلى رأسهم عبد الخالق كلاب، الذي يزعم قيادة الحركة الأمازيغية وتقديم قراءات قطعية في تراثها، بينما يقر علناً، في مواقف موثقة، بعدم إتقانه للغة الأمازيغية.
كما لفت ويحمان إلى اضطراب هذا الخطاب الذي يدعي الدفاع عن الصفاء الهوياتي، في حين يصرح أصحابه بانتمائهم لعروبة بني معقل، مما يكشف هشاشة البناء الفكري لهذه السرديات.
ولم يقف التزييف عند حدود اللغة والنسب، بل امتد، وفقاً للمقال، إلى انتقاء الوقائع التاريخية وتشويهها؛ حيث استحضر ويحمان واقعة تسليم الملك الموري بوكوس الأول لصهره الملك النوميدي يوغرطة إلى الرومان، مؤكداً أن قراءة التاريخ بانتقائية تخدم سردية “التخوين” أو الانفصال تسهم في الإساءة للتاريخ الأمازيغي نفسه، وتتجاهل حقيقة التداخل الأنثروبولوجي التاريخي بين أقطار المنطقة المغاربية.
تحليل المفارقات.. “انتماء صلب” نحو التطبيع وقطيعة مع المشرق
وتجاوزت قراءة رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع شخوص المروجين لتسلط الضوء على البيئة الحاضنة والمنابر الداعمة لهذه الخطابات.
واستشهد بما تنشره مجلة “زمان” من ملفات إشكالية (“المغرب أرض يهودية”، “الجيش الموري”)، موجهاً انتقادات لاذعة للمفاهيم التي صاغها حسن أوريد حول “الانتماء السائل” (في إشارة للامتداد نحو المشرق العربي الإسلامي) و”الانتماء الصلب” (المُختزل في التمغربيت).
وتساءل الكاتب، في مقاربة تحليلية حادة، عن كيفية التوفيق بين التنظير لـ”الانتماء الصلب” الذي يقتضي الانسلاخ عن قضايا الأمة، وبين الارتماء الصريح في أحضان المشروع الصهيوني.
وخص بالذكر تلقي المستشار الملكي أندري أزولاي لأرفع الأوسمة من قادة كيان الاحتلال، مما يضع مفهوم “التمغربيت” المغلق أمام امتحان التبعية العابرة للحدود عندما يتعلق الأمر بـ”إسرائيل”.
ويرى مراقبون أن هذا التفكيك الشامل لموجة “المورية” يكشف أن العبث بالذاكرة التاريخية للمغرب ليس مجرد جدل أكاديمي بريء، بل هو مدخل خطير لإعادة تشكيل الوعي الوطني وضرب المرجعيات المؤسسة للدولة.
ويُنتظر أن تدفع هذه القراءات النقدية نحو تعزيز اليقظة الفكرية لحماية الهوية المغربية الجامعة، بروافدها المتعددة وعمقها الحضاري الراسخ، من أي محاولات للاختراق أو المسخ لخدمة أجندات مستوردة.



