حين يرتد الخطاب السياسي

حين يرتد الخطاب السياسي
هوية بريس – ابراهيم أقنسوس
مثير للإنتباه، هذا التراجع الفكري والقيمي الذي لحق الخطاب السياسي، إذا جازت العبارة، للعديد من الأفراد والهيئات الحزبية ببلادنا، ما يستدعي الكثير من التأمل في مسارات ومآلات هذه الأنواع من الخطابات، المسماة سياسية، وبهذا الصدد يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
أولا: إن موعد الحملة الإنتخابية لم يحن بعد، لكن الحملة الإنتخابية مستعرة، بين العديد من الأطراف، لا سيما تلك التي تعتبر نفسها معنية أكثر من غيرها، بالمنافسة على الظفر بالمراتب المتقدمة، ويسهل ملاحظة هذا التردي القيمي الذي تصدر عنه العديد من هذه الهيئات، حين تتوسل بقاموس لغوي، لا يبدو أنه يقيم وزنا لما يسمى بأدبيات الخطاب السياسي، وتفضل منطق المواجهة الخطابية، المبني على رفع الأصوات، وادعاء الأحقية، بدل منطق الحوار السياسي الهادئ والرصين، المسنود بمعطيات موضوعية وعلمية ؛ وتكاد هذه الآفة تعم جل الأحزاب والهيئات المعنية بهذه الإنتخابات.
ثانيا: في خضم هذه الأجواء المشحونة بردود الأفعال، تغيب السياسة، بمعناه العلمي والنضالي، وتحضر البلطجة المقنعة بلباس التنافس السياسي، وتصبح المواطنات والمواطنون، أمام عينة واحدة من المشتغلين بالسياسة، من يقولون إنهم هم كل شيء، ومن عداهم لا شيء، وتنتفي بالمقابل، كل التصنيفات والإصطفافات، الفكرية والتدبيرية الجادة، (اليمين، اليسار، الوسط )، والتي تعطي للفعل السياسي صورته ومنطقه ومعناه، والتي تجعل، لشعار(الإختيار الديمقراطي ) ما يبرره ويؤكد حضوره.
ثانيا: إن إشاعة هذه الأجواء، غير الصحية، والمساهمة في إذكائها، لا يمكن أن يعني إلا شيئا واحدا، هو الحرص على المصالح الشخصية والحزبية، وتقديمها على ما عداها، وإلا، ما مناسبة كل هذا القاموس اللغوي، المفعم بألوان من السباب والتباغض والتهديد بالقضاء، والفضح وكشف المستور العجيب، الذي ظل متخفيا حتى الآن. هذه أدوات تفيد في الصراعات الشخصية، حول المصالح الأنانية، وهذه وسائل تستعمل في الحروب القذرة، ولا علاقة لها بالتنافس الإنتخابي، المبني بداهة على الأطاريح الفكرية، والبرامج التنموية، والمشاريع التدبيرية، والصدق في تبني قضايا المواطنين والمواطنات.
ثالثا: بعض الهيئات السياسية، المعنية بهذه الصراعات، حتى لا أقول المنافسة الإنتخابية، يهمها أن تعلن دائما أنها لا تحكم، وإنما تساعد وتعاون، وتطبق برنامج الدولة، أو كما تقول ؛ وإذا كان الأمر كذلك، فما معنى كل هذه الجلبة والشدة في مواجهة الخصوم السياسيين، وما معنى ربط المسؤولية بالمحاسبة، في النهاية، ولماذا يتم صرف كل هذه الأموال والتعويضات والإمتيازات، وتقاعد عريض، لما بعد خدمة، قد لا تتجاوز بضع سنين ؟؟، وأي معنى يبقى للسياسة، بعد كل هذا الإرتداد؟



