رحيل رائد الدراسات المعاصرة في الرسم العثماني الشيخ د.أحمد بن أحمد بن معمر شرشال

هوية بريس – د.علي الصلابي
تعزية للشعب الجزائري وللأمة الإسلامية في رحيل الإمام المحقق ورائد الدراسات المعاصرة في الرسم العثماني الشيخ الدكتور أحمد بن أحمد بن معمر شرشال (رحمه الله).
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:185].
إن فقد العلماء الربانيين من أعظم المصائب التي تنزل بالأمم؛ لأنهم ورثة الأنبياء، وحملة العلم، وحراس الهوية، وبناة الأجيال. وبرحيلهم تفقد الأمة عقولاً نذرت أعمارها لخدمة الدين، وقلوباً حملت همَّ القرآن والعلم والدعوة، غير أن آثارهم تبقى حية في تلامذتهم، ومؤلفاتهم، ومشروعاتهم العلمية.
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، محتسبة عند الله ما أصابها، تنعى الأمة الإسلامية عامة، والشعب الجزائري خاصة، رحيل العالم المحقق والباحث القرآني الكبير الشيخ الدكتور أحمد بن أحمد بن معمر شرشال، الذي انتقل إلى جوار ربه يوم الاثنين 22 ذي الحجة 1447هـ الموافق 8 يونيو/حزيران 2026م، بعد حياة حافلة بخدمة القرآن الكريم وعلومه، وبخاصة علم رسم المصحف الشريف وضبطه، الذي أصبح أحد أبرز أعلامه المعاصرين ورواده في العالم الإسلامي.
اسمه ونسبه
هو فضيلة الشيخ الدكتور أحمد بن أحمد بن معمر شرشال الجزائري، أحد كبار المتخصصين في علوم القرآن الكريم، ومن أشهر الباحثين المعاصرين في علم رسم المصحف الشريف وضبطه، وقد ارتبط اسمه بهذا الفن القرآني الدقيق حتى أصبح مرجعاً للباحثين وطلاب الدراسات العليا والمتخصصين في الدراسات القرآنية.
نشأته وتكوينه العلمي
نشأ رحمه الله في بيئة محافظة عُرفت بعنايتها بالقرآن الكريم وعلومه، فكان لهذا المحيط أثر بالغ في توجيه اهتمامه المبكر نحو حفظ كتاب الله تعالى وتعلّمه. وقد أتم حفظ القرآن الكريم ونال إجازته في حفظه بعين الأشياخ سنة 1968م، لتبدأ رحلة علمية مباركة كان أولها القرآن وآخرها التخصص الدقيق في علومه وقراءاته.
عُرف منذ شبابه بحب العلم والدقة في التحصيل، فجمع بين الدراسة النظامية والاجتهاد الذاتي، مما أسهم في بناء شخصيته العلمية على أسس راسخة من البحث والتحقيق.
ومع تقدمه في مسيرته العلمية اتجه اهتمامه إلى علوم القرآن الكريم، وبرز شغفه بعلم رسم المصحف الشريف، وهو العلم الذي يُعنى ببيان طريقة كتابة كلمات القرآن الكريم وفق الرسم العثماني الذي كُتبت به المصاحف الأولى في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وقد أولى هذا التخصص عناية خاصة، فدرس مصادره التراثية دراسة متعمقة، واستفاد من المناهج الأكاديمية الحديثة في البحث والتحليل، حتى أصبح من أبرز الباحثين المعاصرين في هذا المجال.
مؤهلاته العلمية
نال الشيخ رحمه الله عدداً من المؤهلات العلمية المتميزة، من أبرزها:
* شهادة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى في القراءات من كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1992م.
* شهادة الماجستير في التفسير وعلوم القرآن بتقدير ممتاز من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1409هـ.
* شهادة الليسانس في القرآن الكريم وعلومه بتقدير ممتاز من كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية سنة 1984م.
* شهادة الثانوية العامة في اللغة والأدب من الجزائر سنة 1977م.
* عدد من الشهادات التربوية المتخصصة في التربية وعلم النفس.
وقد كانت أطروحته للدكتوراه تحقيقاً ودراسة لكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» للإمام أبي داود سليمان بن نجاح الأندلسي، وهو من أهم مصادر علم الرسم العثماني، وقد عُدت هذه الرسالة من الأعمال العلمية الرائدة في هذا المجال.
منهجه العلمي
اتسم الشيخ الدكتور أحمد بن أحمد بن معمر شرشال بمنهج علمي رصين ودقيق، انعكس بوضوح في مؤلفاته وأعماله التحقيقية ودراساته الأكاديمية. فقد اعتمد في بحوثه على أمهات المصادر الأصلية، مستنداً إلى النصوص المعتمدة في كل مسألة، مع الحرص على تتبع أقوال العلماء في مظانها الأولى وعدم الاكتفاء بالنفول المتأخرة.
كما أولى عناية خاصة بالمخطوطات، فكان يحرص على جمع نسخها الخطية ومقابلتها واستخراج الفروق بينها؛ للوصول إلى أقرب صورة ممكنة للنص الذي وضعه مؤلفه. وامتاز كذلك بدقة توثيق النقول والآراء، مع نسبة الأقوال إلى أصحابها، وتحقيق النصوص وفق القواعد العلمية المتعارف عليها.
ومن أبرز سمات منهجه اهتمامه بالمصطلحات الفنية المتعلقة بعلمي الرسم والضبط، وحرصه على ضبط مفاهيمها وتحرير مدلولاتها، إلى جانب قدرته على الجمع بين التأصيل النظري والتطبيق العملي، بما يجعل المسائل العلمية أكثر وضوحاً وفائدة للباحثين والمتخصصين.
وعلى الرغم من تقديره الكبير لجهود العلماء المتقدمين، فإنه لم يكن أسير التقليد غير المؤسس، بل كان يناقش الآراء ويوازن بينها وفق الدليل والمعايير العلمية، ملتزماً في جميع ذلك بالأمانة العلمية، والدقة المنهجية، والموضوعية في البحث والتحقيق، وهي السمات التي أسهمت في ترسيخ مكانته بين الباحثين في الدراسات القرآنية المعاصرة.
وبالنتيجة هو جمع في منهجه بين أصالة التلقي عن العلماء، ورصانة البحث الأكاديمي، ودقة التحقيق، مما أكسب أعماله مكانة مرموقة بين المتخصصين.
مسيرته العلمية والأكاديمية
شارك الشيخ رحمه الله في خدمة القرآن الكريم وعلومه من خلال التدريس والبحث العلمي والإشراف الأكاديمي والعمل المؤسسي، وأسهم في عدد كبير من اللجان العلمية داخل العالم الإسلامي وخارجه.
ومن أبرز مسؤولياته:
* عضو لجنة تطوير المناهج بوزارة التربية في دولة الكويت.
* عضو لجنة تطوير مقررات قسم القراءات بجامعة أم القرى.
* عضو لجنة برنامج الماجستير في التفسير وعلوم القرآن بجامعة الكويت.
* عضو الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم التابعة لرابطة العالم الإسلامي.
* عضو لجان التحكيم في المسابقات القرآنية الدولية بدبي وبروناي.
* عضو هيئة تحرير عدد من المجلات العلمية المحكمة.
* عضو لجنة تدقيق وتصحيح مصحف جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية.
* رئيس وعضو عدد من لجان المناهج والدراسات العليا والامتحانات.
وقد عُرف في هذه المواقع بدقته العلمية وحرصه على تطوير الدراسات القرآنية وترسيخ معايير الجودة الأكاديمية.
آثاره العلمية ومؤلفاته
ترك الشيخ رحمه الله تراثاً علمياً مهماً في خدمة القرآن الكريم، ومن أبرز مؤلفاته وتحقيقاته:
1. مختصر التبيين لهجاء التنزيل للإمام أبي داود سليمان بن نجاح، في خمسة مجلدات.
2. الطراز في شرح ضبط الخراز.
3. أصول التربية والتعليم كما رسمها القرآن الكريم.
4. مخالفات النساخ ولجان المراجعة والتصحيح لرسم المصحف الإمام.
5. الوقف والوصل في القرآن الكريم.
6. النهج السديد في مقررات التجويد.
7. أصول الضبط لأبي داود سليمان بن نجاح.
8. الذكر ومقاصده في القرآن الكريم.
9. عشرات البحوث والدراسات المحكمة في علوم القرآن والقراءات والرسم والضبط.
كما شارك في تحكيم العديد من الكتب والأبحاث العلمية المتخصصة في علوم القرآن والتجويد والقراءات، وأسهم في تطوير الإنتاج العلمي في هذا المجال.
أثره العلمي
يُعد الشيخ الدكتور أحمد شرشال من أبرز من أسهموا في إحياء التراث العلمي المتعلق برسم المصحف الشريف وضبطه خلال العقود الأخيرة.
فقد أعاد تحقيق عدد من المصادر الأساسية التي كانت حبيسة المخطوطات، وقرّب هذا العلم الدقيق إلى الباحثين وطلاب الدراسات العليا، وربط بين جهود العلماء المتقدمين ومناهج البحث الأكاديمي الحديثة.
ولذلك انتفع بعلمه طلاب الجامعات والباحثون والمختصون في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وأصبح اسمه مرتبطاً بخدمة الرسم العثماني والضبط القرآني ارتباطاً وثيقاً.
ويمثل رحمه الله نموذجاً مشرقاً للعالم المتخصص الذي سخّر عمره لخدمة القرآن الكريم، فجمع بين أصالة التكوين، ودقة التحقيق، وعمق المعرفة، وحسن التعليم، وترك بصمة علمية ستظل حاضرة في الدراسات القرآنية المعاصرة.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم اغفر لعبدك الشيخ الدكتور أحمد بن أحمد بن معمر شرشال، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واجعل كتابه في عليين، واحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم اجعل علمه وعمله صدقة جارية إلى يوم الدين، وأنر قبره بنور وجهك الكريم، ووسع عليه فيه مد بصره، وبدل غربته أنساً ورحمة، واجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
اللهم كما خدم كتابك الكريم تعليماً وتحقيقاً وتأليفاً، فاجعل ذلك في ميزان حسناته، واجعل أثره باقياً في كل من قرأ كتبه، أو انتفع بعلمه، أو سار على نهجه.
اللهم أنزله منازل الرضوان، واسقه من حوض نبيك المصطفى ﷺ شربة لا يظمأ بعدها أبداً، واجعل مثواه الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.
اللهم ألهم أهله وتلامذته ومحبيه الصبر والسلوان، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين.
كتبه: د. علي محمد الصلابي
(الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)
22 ذي الحجة 1447/ 08 يونيو 2026.



