صناعة التدين الهجين

صناعة التدين الهجين
هوية بريس – د.مصطفى قرطاح
لا تقع الظواهر الاجتماعية صدفة، كما أنها لا تحدث من فراغ، بل إنها نتيجة لما تكسبه أيدي الناس، وهذا هو مناط مسؤولية الإنسان عن أفعاله ومصيره؛ فإذا سأل سائل:﴿أَنَّى هَذَا﴾، أتاه الجواب الحاسم: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]. وعلى هذا الأساس يتسنى تحليل الظواهر الاجتماعية تحليلا علميا، كما يتسنى توقع مآلاتها المستقبلية بالنظر إلى الفعل البشري حاليا. وكلٌّ من التحليل والتوقع يستند إلى قانون السببية؛ فوضع السبب يستلزم وقوع المسبب، قصد ذلك الواضع أم لم يقصده، ولا يعفيه عدم قصده من المسؤولية والمحاسبة والجزاء.
تأسيسا على هذه المقدمة، ننطلق إلى النظر في تدين المغاربة عموما والشباب منهم بصفة خاصة، بناء على تفاعلهم واستجابتهم لما يعرض عليهم من موارد ثقافية وفكرية وفنية. ولأن هذه الموارد كثيرة ومتنوعة، فإنني أحصر الحديث عن موردين اثنين هما: الخطاب الديني متمثلا في خطة تسديد التبليغ، والخطاب الثقافي متمثلا في مهرجان موازين. ووجه الجمع بينهما أنهما موردان ثقافيان يصدران عن جهات رسمية أو بدعم منها، ويفترض فيها ـ أي تلك الجهات ـ وحدة المشروع وتناسق السياسات العمومية وتكاملها، في تنشئة المواطن المغربي وتحصينه. كما يجمع بينهما توجههما إلى المواطن المغربي من خلال الفضاءات العمومية (المساجد والمنصات) وقنوات الإعلام العمومي.
وتفاعلا مع هذه الموارد، تبرز ردود أفعال متعددة ومتباينة، ولكني، في هذا السياق، أتحدث عن موقف الشباب المتدين فقط، وهنا يبرز موقفان اثنان:
أولهما: الامتناع عن متابعة المهرجان، والنظر إلى أنشطته وأجوائه باعتبارها مخالفة للدين، ولا تنسجم مع سمت الإسلام. ولكن مشكلة أصحاب هذا الاختيار أنهم ليس بين أيديهم قول فصل من المؤسسة الدينية الرسمية نحو هذا المهرجان: أَحَرَامٌ حضوره أم حلال؟ ولم يسمعوا في خطب الجمعة ودروس الوعظ والإرشاد موضوعا يتناوله، ومن ثم فهم في حالة من الاضطراب الفكري والقلق النفسي، باعتبار أن انعدام قول علمي رسمي واضح في المهرجان ومواده قد يفضي إلى تبني مواقف فكرية تتفاوت في الرفض، وقد تنتهي إلى درجة حادة من الغلو، وتشكك في مصداقية المؤسسة الدينية الرسمية ونزاهتها.
ثاني هذين الموقفين: الإقبال على متابعة المهرجان، معتبرين ذلك مباحا إباحة مطلقة، مستندها سكوت المؤسسة الدينية الرسمية عن إبداء حكم في شأنه؛ إذ لو كانت متابعة المهرجان حراما لكان هناك قول فقهي واضح في شأنها، وفي شأن الوصلات الإعلانية التي تدعو إليه.
ويتعزز هذا الموقف بالإشادات الكثيرة التي تصدر عن نخب تنتسب إلى المؤسسة الدينية، تنوه بالنموذج المغربي في التدين، وبقيامه على الوسطية والاعتدال والتسامح، ونبذ خطاب الكراهية والتشدد. كما يتعزز عند آخرين بحديث تلك النخب عن مراعاة الأحوال والسياقات، وغيرهما من الإكراهات التي تشكل سند ذلك السكوت.
وبهذا الموقف، يجد المجتمع المغربي نفسه أمام نمط من التدين يجمع بين مشهدين اثنين: مشهد الحضور الكثيف لصلوات الجمعة والعيدين والتراويح من جهة، ومشهد الحضور الكثيف للمهرجانات، والانغماس في أنشطتها، وما يصحب ذلك من تدخين ومخدرات واختلاط بين المراهقين من الجنسين، وهي تداعيات وتوابع لا يمكن لأحد إنكارها أو التهوين من مخاطرها.
أما المشهد الأول، فيفرح به القائمون على الشأن الديني، ويعتبرونه مؤشرا قويا على رسوخ الدين في هذا المجتمع، وعلى نجاح سياستهم الدينية، وهو ما يحفزهم على بعث رسائل الاطمئنان إزاء المخاطر التي تهدد الدين والتدين في المغرب، ويرون الحديث عن تلك المخاطر مجرد مزايدات سياسية ونزوعات خارجية واستغلال للدين في السياسة .
وأما المشهد الثاني، فيفرح به القائمون على السياسة الثقافية في البلد، ويرونه دلالة قوية على قبول الشعب المغربي لإنتاجاتهم الفنية، ومدعاة إلى المضي قدما في هذه السياسة وتعميمها على جهات المغرب.
وهكذا نجد في الحصيلة أننا أمام نتيجتين اثنتين:
أولاهما، على المستوى السياسي، تكريس علمانية ثقافية صريحة وواضحة، عبر عنها بصورة فجة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في قبة البرلمان، وقال: إننا علمانيون، لأن كل واحد منا يفعل ما يشاء،
ويُسْنِدُ هذه العلمانية الثقافية ويؤازرها علمانية مؤسساتية غير صريحة، حيث إن المؤسسة الدينية الرسمية لا توجه خطابها لأنشطة هذا المهرجان ونظرائه، ولا للمؤسسات القائمة بها، بل أكثر من هذا، أنها تحارب كل خطاب ديني يتناولها، بعزل الخطباء أو تهديدهم بذلك.
وثاني النتيجتين، على المستوى الاجتماعي، هي إنتاج تدين هجين، يجتمع فيه أداء الشعائر التعبدية إلى جانب استباحة حضور هذه المهرجانات، والاقتراب من فواحش الخمر والمخدرات والزنا، مما يصنع شخصية هجينة غير واضحة الاختيارات، سهلة التفلت من ضوابط الدين، وجريئة على اقتحام حدود الله تعالى وانتهاكها.
وإذا كان من نافلة القول الإشارة إلى أن التدين الهجين يأباه منطق الدين الإسلامي، القائم على التزكية ومجاهدة النفس، بغية تطهيرها والنأي بها عن الفواحش ومظانها، فإنه يجدر بنا التأكيد على أن هذا النمط من التدين لم يأت من فراغ، بل هو نتيجةُ سياسةٍ دينية وثقافية معتمدة ومتعمدة، تستند إلى علمانية غير صريحة، تحصر الدين أن يمتد إلى مجالات الحياة المختلفة، وأن يهيمن عليها بمبادئه ومقاصده وأحكامه، كما تأبى عليه أن يكون المصدر الأساس في بناء شخصية المواطن المغربي.



