تحولات توظيف المسألة الأمازيغية في الصراع على الهوية المغربية

03 يوليو 2026 19:12

تحولات توظيف المسألة الأمازيغية في الصراع على الهوية المغربية من “الظهير البربري” إلى حروب المنصات الرقمية

هوية بريس – إبراهيم الطالب

ليست الأمازيغية في المغرب مشكلة في ذاتها، بل هي مكوّن أصيل من مكونات الشخصية المغربية، مثلها مثل العربية والإسلام والامتداد الإفريقي والأندلسي والمتوسطي، غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول الهوية من مجال للاعتراف والتكامل إلى أداة للاستقطاب، وحين يُدفع المغاربة قسرا إلى الاختيار بين مكونات تاريخية لم تعرف على طول تاريخها، عداوة على أساس العرق.

كتبت مقالات وتدوينات محاولا التحذير من تيار يمتطي ظهر الأمازيغية ليشعل الصراع بين المغاربة، فهالتني ردود الأفعال، الشيء الذي اضطرني إلى إجراء دراسة للتعليقات وللحسابات التي علقت على المواد التي نشرت، فخلصت إلى يقين أن جهات معينة تستهدف إشعال الخصومة والعداوة بين المغاربة وتستثمر في المطالب الأمازيغية الثقافية، لتزرع بذور حرب وجودية بين المكونين العربي والأمازيغي المنصهرين منذ قرون مديدة تحت راية الإسلام.

ما وقع لي، وقع لغيري، في عدد من النقاشات الرقمية حول الأمازيغية، مما يكشف عن ظاهرة تستحق البحث: هجمات متكررة، حسابات مغلقة أو فقيرة المعطيات، صور ساخرة مصنّعة أو مركّبة، وحدة واضحة في الأسلوب، وتبادل أدوار غريب بين حسابات تقول تارة: “كلنا عرب”، وأخرى تقول: “كلنا أمازيغ”، لا من أجل بناء نقاش علمي، بل لدفع الطرفين إلى أقصى درجات الانفعال.

لسنا بصدد مناقشة الأمازيغية باعتبارها لغة وهوية وثقافة تُشكل جزءا أصيلا من الشخصية المغربية، وإنما بصدد مناقشة توظيفها في مشروع أيديولوجي يسعى إلى إعادة تعريف المغرب وهويته. ويقوم هذا المشروع على اختزال الهوية المغربية، التي تبلورت عبر قرون من التفاعل بين روافد متعددة، في هوية أحادي العرق تنفي بقية مكوناتها، مع اعتماد أساليب تقوم على الاستقطاب والشيطنة والتحريض بدل الحوار والاحتكام إلى التاريخ والبحث العلمي.

وسنحاول نقاش هذا الموضوع من خلال النقاط الآتية:

1- الظهير البربري: لحظة رمزية في سياسة استعمارية أوسع

حين صدر ما عُرف بـ”الظهير البربري” في 16 ماي 1930، لم يكن مجرد نص قانوني معزول، بل كان جزء من سياسة فرنسية أوسع سعت إلى إعادة تنظيم المجتمع المغربي عبر تصنيفات عرقية ولغوية وقانونية. وقد بيّنت دراسات تاريخية أن الظهير جاء امتدادا لتوجه سابق منذ 1914، يقوم على الاحتفاظ بالأعراف المحلية في بعض القبائل وادعاء عدم خضوعها تاريخيا للشريعة الإسلامية، وهو ما جعل المغاربة ينظرون إليه بوصفه تهديدا لوحدة البلاد الدينية والسياسية.

لم تكن فرنسا تجهل أن المغرب مركب لغويا وقبليا وثقافيا، لكنها لم تتعامل مع هذا التركيب بوصفه ثراء داخليا، بل بوصفه مدخلا إداريا وسياسيا للتحكم. لذلك أصبحت “السياسة البربرية” في الذاكرة الوطنية رمزا لاستعمال المعرفة الإثنوغرافية والقانونية في خدمة السيطرة.

 

2- من الباحث الإثنوغرافي إلى الحساب الرقمي

في المرحلة الاستعمارية، كان الاشتغال على الهوية يمر عبر الضابط، والباحث، والمدرسة، والمحكمة، والظهير، والأرشيف. أما اليوم، فقد انتقل جزء كبير من الصراع إلى المنصات الرقمية.

لم تعد الحاجة دائما إلى قرار إداري يفرّق الناس؛ يكفي أحيانا منشور مستفز، صورة ساخرة، تعليق متكرر، وحسابات مغلقة تشتغل في توقيت متقارب، حتى يتحول النقاش من بحث في التاريخ والهوية إلى معركة نفسية مفتوحة.

وحتى شركة Meta نفسها تعرّف “السلوك غير الأصيل المنسق” بأنه جهود منسقة للتلاعب بالنقاش العام من أجل هدف استراتيجي، تكون الحسابات المزيفة عنصرا مركزيا فيها. وهذا التعريف لا يعني أن كل حساب مغلق مزيف، لكنه يسمح لنا بفهم الظاهرة حين تتكرر المؤشرات: حسابات فقيرة المعطيات، وحدة خطابية، تكرار صور، وتدخل مركز في موضوع واحد، فكلما اجتمعت هذه المعطيات غلب على الظن أن هناك متدخل يستثمر في الصراع بين الأطراف، أو يوجه القناعات ويحرف الاتجاهات الطبيعية للنقاش من أجل خدمة أهدافه ومشاريعه.

 

3- وحدة الأسلوب وتبادل الأدوار

المثير في هذه الحملات ليس فقط أنها تدافع عن رأي معين، بل أنها تدفع النقاش نحو التطرف من الجهتين. فقد يظهر حساب يقول: “المغرب عربي خالص”، ثم يظهر آخر يقول: “المغرب أمازيغي خالص”، والنتيجة واحدة: كسر فكرة المغرب المركب.

هنا لا يهم كثيرا من قال العبارة الأولى أو الثانية؛ المهم هو الأثر النفسي والسياسي: إنتاج خصمين متخيلين، ثم دفع الناس إلى الاصطفاف خلفهما. بذلك يختفي الصوت المغربي الجامع الذي يقول إن الأمازيغية ليست ضد العربية، والعربية ليست ضد الأمازيغية، والإسلام لم يكن يوما عنصرا طارئا على المغرب، بل كان الإطار الجامع الذي صهرت داخله عناصر متعددة.

 

4- الصهيونية والاهتمام الجديد بملف الهوية

بعد موجة التطبيع، لم يعد اهتمام الكيان الصهيوني بالمغرب محصورا في الدبلوماسية أو الاقتصاد أو الذاكرة اليهودية، بل أصبح يمتد إلى المجال الرمزي والهوياتي. وهذا لا يعني اتهام كل مهتم بالأمازيغية، ولا اختزال الحركة الأمازيغية كلها في التطبيع، فذلك ظلم علمي وسياسي. لكنه يعني أن ملف الهوية أصبح مجالا قابلا للاستثمار الخارجي.

خصوصا وأن جزءا كبيرا من اليهود المغاربة الذين هاجروا إلى أرض فلسطين المحتلة ينحدر من بيئات مغربية متعددة، منها مناطق أمازيغية. ومع النقاش حول استعادة الروابط مع أحفاد اليهود المغاربة، يصبح المغرب موضوع اهتمام خاص، لا باعتباره بلدا فقط، بل باعتباره ذاكرة وهوية ومجال نفوذ رمزي.

ومن هنا يمكن فهم لماذا قد يكون الصراع العربي الأمازيغي، إذا تُرك للمتطرفين والخوارزميات، مفيدا لمشروع التطبيع الشعبي؛ لأنه يضعف الإجماع الوطني، ويحوّل النقاش من سؤال فلسطين والهيمنة إلى سؤال داخلي متفجر حول من هو المغربي الحقيقي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبيئ المجال المغربي والسياسة والثقافة والاجتماع، ليقبل بأبناء الصهاينة، مغاربة كاملي المواطنة، يتمتعون بالحقوق الكاملة للأمازغي والعربي المسلمين المغربيين، ومعلوم أن الكيان الصهيوني ينشئ أبناءه على الولاء التام لعقيدته الصهيونية كما يفرض على الجميع التجنيد الإجباري، حيث يعتبر كل إسرائيلي عنصرا من جيش الاحتياط.

 

5- الوحدة 8200 ومنطق حروب المعلومات

تُعرّف المصادر الإسرائيلية الرسمية الوحدة 8200 بأنها وحدة رئيسية في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، مكلفة بجمع المعلومات وتطوير أدوات جمعها وتحليلها ومعالجتها. وتُقدَّم في الأدبيات الأمنية باعتبارها من أبرز وحدات الاستخبارات السيبرانية والإشارية في العالم.

وحتى وإن لم توجد بين أيدينا وثيقة تثبت أن الوحدة 8200 تدير حسابات بعينها في النقاش المغربي حول الأمازيغية. فإن منهج حروب المعلومات عموما تسمح بفهم كيف تشتغل مثل هذه البيئات؛ فالانقسامات لا تُخلق من العدم، بل تُلتقط الانقسامات الموجودة، ثم تُضخّم، وتُعاد صياغتها، وتُدفع نحو الصدام، وما يجري اليوم من احتراب وصراع ونشر للعداوة والحقد والكراهية بين الأمازيغ والعرب في المغرب، وتزامن ذلك مع ملف التطبيع والاهتمام المتزايد من طرف الكيان الغاصب بالمغرب وبالثقافة المغربية، يجعلنا في حالة أقرب إلى اليقين من أن الوحدة 8200 تشتغل على ملف خلق صراع وجودي بين العرب والأمازيغ، يجعل إعادة نشر المكون العبري الوافد من الكيان الغاصب تمر بكل سلاسة.

فمنهج هذه الحروب يقوم غالبا على مراقبة المزاج العام، وتحديد الملفات الحساسة، وصناعة محتوى عاطفي، واستعمال حسابات حقيقية ومزيفة ومغلقة، وتضخيم الأصوات المتطرفة، ثم جعل المجتمع يهاجم نفسه بنفسه، والنتيجة إضعاف كل الأطراف وخلق صراع دائم يمكن الوافد من التحكم في أهل البلد.

إن الخطر الحقيقي ليس في الأمازيغية، ولا في العربية، بل في تحويل هذه المكونات إلى أسلحة متقابلة، تجعل المغاربة بدل أن يتلاحموا ويتعاونوا ويستيقظوا من أجل حماية بلادهم وبناء مستقبلهم والحفاظ على هويتهم، يشتغلون بما يريده عدوهم من حروب ليس من ورائها شيء سوى الخراب والاقتتال المؤجل، وتمزيق البلاد، في حين أن المغرب لم يكن يوما هوية صافية مغلقة، بل كان تركيبا تاريخيا واسعا، وحَّد بين مكوناته الإسلام، ومن يختزل المغرب في عنصر واحد، سواء سماه عربيا خالصا أو أمازيغيا خالصا، فإنه يضعف اللحمة المغربية ويهدد الوحدة الدينية والسياسية للبلاد، قبل أن يضعف خصمه.

لذلك فالمطلوب اليوم ليس الهجوم على الأمازيغية، ولا إنكار العربية، ولا تحويل الذاكرة اليهودية إلى مدخل للتطبيع، بل بناء وعي حقيقي قادر على كشف حروب المنصات الرقمية، والتمييز بين النقاش الحقيقي والحملات المصطنعة، وبين الدفاع عن الهوية واستعمالها لتفجير المجتمع من الداخل.

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
27°
31°
السبت
31°
أحد
31°
الإثنين
29°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة