“الحياة الطيبة”.. كيف يحب العبد ربَّه؟

هوية بريس – إحسان الفقيه
كل الناس يريدون الجنة…. وكل الناس يخافون النار… مُتّفقين على هذه..
ولكن القليل فقط يسأل السؤال الذي سأله معاذ بن جبل رضي الله عنه، ذلك السؤال الذي يكشف عن قلب يبحث عن الغاية لا عن الطريق فقط:
“أخبرني يا رسول الله بعمل يُدخلني الجنة ويباعدني من النار”
لم يُجبه النبي صلى الله عليه وسلم باسم عمل واحد، بل فتح له أبواب الحياة كلها….
بدأ بالتوحيد، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، ثم قال بعدها:
“ألا أدلك على أبواب الخير؟”
وكأن الإسلام ليس بابا واحدا، بل مدينة كاملة، كل شارع فيها يقود إلى الله.
وهذا من أعظم ما ينبغي أن يدركه المؤمن.
فليس المقصود أن تنجو من النار فحسب، بل أن تصبح من أهل الله… الذين أحبوه فأحبهم.
قال تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾.
ولعلها أعظم آية يمكن أن يسمعها قلب….. فالجنة ليست مجرد أنهار وقصور…
إنها ثمرة علاقة بدأت في الدنيا…..
* كثير من الناس ينظر إلى العبادات على أنها تكاليف…. لكن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد تعريفها كلها….
فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام…
بل جنة….
درع يحمي القلب قبل أن يحمي الجسد….
والصدقة ليست نقصًا في المال…
بل ماء يطفئ نار الذنوب كما يطفئ الماء النار….
وقيام الليل ليس مجرد ركعات… بل موعد خاص لا يراك فيه أحد إلا الله.
ولهذا قال سبحانه في وصفهم:
﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾.
إنها صورة بديعة.. لجسد يترك فراشه الدافء ويتنعّم بلذّة القُرب..
لكن الحقيقة أن الذي قام ليس الجسد وحده…بل القلب.
في زمان أصبحت فيه الشاشات تسرق الليل، والإشعارات تُنافس الأذان، والسهر يستهلك الأعمار في ما لا يبقى……
يبقى هناك أناس يطفئون هواتفهم……ويفتحون أبواب السماء.
ليس لأن الليل أفرغ… بل لأن القلب اشتاق…. ولهذا لما سئل الحسن البصري:
“ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟”
قال: “لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره”….
وليس المقصود نور البشرة… بل نور الطمأنينة.
نور الوجه الذي لا تصنعه مستحضرات التجميل… بل تصنعه ساعات الخلوة مع الله.
كم من وجه جميل أطفأته المعاصي…؟!
وكم من وجه عادي أضاءه السجود..؟
فالنور الحقيقي يبدأ من الداخل…
وأصل كل ذلك…
القلب….
فالقرآن لم يجعل النجاة يوم القيامة مرتبطة بالمال… ولا بالأولاد…
ولا بالمكانة… بل بشيء واحد:
﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾…..
والقلب السليم ليس قلبا لم يذنب….
فكل ابن آدم خطاء….
وإنما هو القلب الذي كلما ابتعد…عاد….
وكلما ضعف…استغفر.
وكلما أذنب… اشتاق إلى ربه أكثر….
*هو القلب الذي لا ينافس الله فيه أحد….
ولا يستقر فيه كبر… ولا يسكنه حقد.
ولا يقوده هوى يعارض أمر الله….
القلب السليم هو الذي امتلأ يقينا بأن الله حق، وأن وعده حق، وأن لقاءه حق، وأن الدنيا مهما طالت ليست إلا طريقا إلى الوقوف بين يديه….
وحين يعيش الإنسان بهذه الحقيقة… تتغير أولوياته كلها.
ولو تأملت حياتك لوجدت أنك تحب كل من أحسن إليك….
بل ربما أحببت إنسانا لمجرد أنك سمعت عن كرمه….
فالناس جبلوا على حب المحسن….
فكيف بمن لا يصل إليك إحسانه مرة…بل يصل إليك مع كل نفس؟
من الذي جعل قلبك ينبض قبل أن تطلب ذلك؟
ومن الذي يحفظه أثناء نومك؟
ومن الذي يرزقك الهواء مجانا؟
ومن الذي جعل الأرض قرارا، والسماء بناء، والشمس دفئا، والمطر حياة، والليل سكنا، والنهار معاشا؟
ومن الذي إذا أخطأت فتح لك باب التوبة بدل باب العقوبة؟
إنها نعم لو اجتمع أهل الأرض ليحصوها ما استطاعوا….
قال تعالى:
﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾.
ولهذا قال العلماء:
إن التفكّر في نعم الله من أعظم العبادات؛ لأنه يولد أعظم المحبات….
فالقلب لا يحب من يعرفه فقط… بل يحب من أحسن إليه.
ولا محسن على الحقيقة إلا الله.
وهنا ندرك سرّا عظيما… أن أعظم مشكلة يعيشها الإنسان ليست ضعف الإيمان…
بل ضعف المعرفة بالله….
فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته…
ازداد حبًا له….
إذا عرف أنه الرحمن… اطمأن.
وإذا عرف أنه الحكيم… رضي.
وإذا عرف أنه الغفور… عاد.
وإذا عرف أنه الودود… اشتاق.
ولهذا كانت معرفة الله أصل الدين كله….
إن كثيرا من الناس يبحثون عن السلام في السفر….
أو في المال… أو في الشهرة أو في العلاقات…
بينما السلام الحقيقي يسكن قلبا وجد ربه….
قال ابن القيم رحمه الله:
“في القلب شعث لا يلُمّه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته.”
فكل حب ينتهي… إلا حب الله.
وكل سند قد يسقط… إلا الله.
وكل نعمة قد تزول… إلا نعمته.
إن الطريق إلى الله ليس معقدا كما يتوهم البعض.
إنه يبدأ من سجدة صادقة…
ومن صدقة خفية…
ومن دمعة لا يراها أحد…
ومن قلب يحاول كل يوم أن يكون أنقى من الأمس….
فإذا صدق العبد في طلب ربه…
فتح الله له أبواب الخير كلها، كما فتحها لمعاذ رضي الله عنه…
ولعل أعظم ما يرزقه الله لعبد في هذه الدنيا ليس كثرة المال، ولا اتساع الشهرة، ولا طول العمر…
بل أن يستيقظ كل صباح وقلبه يزداد حبا لله، وأن ينام كل ليلة وهو يعلم أن بينه وبين ربه طريقا لا يراه الناس، لكن الله يراه….
وهذا هو النور الذي لا يبهت…. وهذه هي المحبة التي لا تخيب….
وهذه هي الحياة التي قال الله عنها:
﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾…



